فاطمة خير :هل تتخيلون أن أعيش أنا وصديقتي فى مدينة واحدة،ولا أستطيع أن أزورها؟ما الذي يمنع الانسان من زيارة صديق له يقطن فى المدينة نفسها؟
قد تتنوع الاجابات بين فلسفية عن امكانية استمرار الصداقة دون الحاجة الى الزيارات المتكررة ، او العملية حول انشغال كل منا بعمله وحياته .. لكنها في الواقع ابسط من ذلك ، انها اجرة التاكسي .
التنقل من حي الى اخر في القاهرة لا يشبه اي مكان اخر لعله اقرب للسفر من مدينة الى اخرى . فالمسافات بعيدة والازدحام الخانق يجعلها ابعد ، على سبيل المثال فإن اردت التنقل من حي مصر الجديدة الى حي الهرم فان العملية تستغرق ساعتبن على الاقل ، وهي المدة نفسها التي يستغرقها " المشوار " من حي عين شمس الى حي المعادي .
وتلك مجرد أمثلة عادية، و ان يمكنك استثناء الأعياد و العطل الرسمية إذ تخف حركة السير وبالتالي تكون اسرع من بقية الايام .أما في شهر رمضان فالمسألة تخرج عن اي نطاق منطقي ،فمتى خرجت من منزلك لا سبيل لتحديد الوقت الذي تستغرقه رحلتك اذ من المرجح ان تنتظر ساعة كاملة لتتحول اشارة المرور من الاحمر الى الاخضر..وبذلك يصبح السفر الى مدينة الاسكندرية ـ مثلاً ـ أسهل من التنقل داخل القاهرة ،فالوقت الذي تستغرقه الرحلتين هو نفسه لكن الفرق انك في الحالة الاولى لن يتم احتجازك لساعة بانتظار الاشارات المرورية المزعجة،ولن تسير سيارتك ببطء السلحفاة .
وبالعودة الى اجرة التاكسي ، والتي ادفعها مكرهة لاسباب عدة ابعدها " حالتي المادية الميسورة " ، لكن التنقل في التاكسي يفرض نفسه بديلا في بعض الاحيان في حال اردت الوصول الى وجهتي دون ان " احرق دمي " واحتك بركاب محبطين وعدوانيين ،واضافة الى فرصة نادرة للوصول الى موعدي بملابس مهندمة لم ينلها اعتداء.
بدايةً، تبدأ المعركة مع التاكسي عقب تفحصه السريع لك ، فان كنت متأنقا وتنتقل من منطقة راقية الى حد ما ، فانت بالتالي صيد ثمين .. والعقاب اجرة اكبر من المتعارف عليها ،حتى أن أحد السائقين سألنى ذات مرة ، لماذا تستقلين التاكسي ..ألا تستطيعين السير أو ارتياد المواصلات العامة؟!بالطبع كانت اجابتي :واذا لم استقل التاكسي من أين ستحصل أنت على دخلك؟! ورغم أن اجابتي كانت كفيلة باسكاته لكنني غادرته والغضب يتآكلني .
في حال اردت زيارة صديقتي فان رحلتي من المعادي الى الهرم ستكلفني 15 جنيها خلال النهار و20 جنيها خلال الليل ذهبا والمبلغ نفسها ايابا .وخلال النصف ساعة او اقل سيتذمر السائق طوال الطريق خوفا من تراجعي عن المبلغ الذي اتفقنا عليه مسبقا او رغبة منه في " اضافة " ما ، وان كان يعلم جيدا ان " توصيلة " بـ 15 جنيها افضل بكثير من اخريات بـ 5 جنيهات لكنه يمعن في مضايقتي ربما امتعاضا من قدرتي على دفع 15 جنيها لتاكسي .
لعله من الاجحاف بمكان اعتبار "ميزانية" التاكسي اسرافا ، فان كنت ملزما على التنقل بالموصلات العامة الى عملك يوميا وتحمل كل ما يدب عليها ، فانك تحاول المستحيل لتفادي تلك المنغصات خلال زياراتك الخاصة او الترفيهية . فترفيهك او حتى " حياتك الاجتماعية " وقف على قدرتك على توفير المبلغ المطلوب لميزانية التاكسيات .
ومما "يزيد الطين بلة" ،أن مشروعاً سيبدأ قريباً فى القاهرة ،يسمى تاكسي العاصمة، وبناءً عليه سيتم تشغيل التاكسي بمواصفات معينة فى اللون والجودة وسيكون تابعاً لشركات خاصة تشرف عليها الدولة وستمنح التراخيص الجديدة للتاكسيات التابعة لهذه الشركات فقط .
الهدف المعلن من ذلك هو الحفاظ على الشكل الحضاري للعاصمة،وتقليل الآثار السلبية الناتجة عن التاكسيات المتهالكة،والارتفاع بمستوى القيادة والمهارة لدى السائقين.
وكل هذا رائع ..امر لا شك فيه ، لكن " المريع " هو ان "البنديرة" لهذا التاكسي ستبدأمن 3 جنيهات ونصف ،وجنيهًا واحد لكل كيلو متر..!
حقاً ستكون العاصمة جميلة ..ولكن ما من أحد سيزور صديقه مستقلاً التاكسي ،حيث سيصبح حلماً صعب المنال.




التعليقات