حرب الدراجات على شارع البلاجات في الكويت

نزار الرياني: للوهلــة الأولى تظـن أن طائــرة حربية اخترقـت جـدار الصوت ، تنتفض خلف مقود سيارتك ، تصرخ ابنتك في المقعـــد الخلفي فـــزعـا ً ، وتضـــع زوجتـــك يـدها على قلبها " بسم الله الرحمن الرحيم" ، ثم صوت ثان ٍ وثالثٌ ورابعٌ حتى تنتهي سلسلة من الدراجات النارية التي تمر بمحاذاة سيارتك على شارع الخليج العربي " البلاجات" الشهير جدا ً في الكويت والخليج عامة، دراجات من أحدث الموديلات متعددة الأحجام ، فضية وسوداء وحمراء وصفراء ، يقودها شباب يلبسون على الأغلب ألبسة جلدية سوداء عليها دبابيس فضية وينتعلون أحذية جلدية.
بعضهم اعتمر خوذة ً والبعض الآخر اكتفي بنظارات شمسية سوداء ، فلا يخطر في بالك عندها إلا أنك أمام شاشة سينما تتابع فيلما هوليوديا ً .
وقد غلبني فضولي ذات مرة ، فقررت أن أدخل في عالمهم لأتعرف على بعض جوانب هذه الهواية التي انتشرت بسرعة وباتت تشكل ظاهرة عليها أكثر مما لها بكثير .
على رصيف أحد المقاهي في شارع سالم المبارك توقفوا لتناول العصير وبعض السندويشات ، أوقفت سيارتي وذهبت باتجاههم ، ترددت في التحدث اليهم لكن فضولي غلبني فوجدت نفسي وجها لوجه مع أحدهم . جسد بعضلات بارزة ووجه اسمر حليق الرأس ، يلبس قميصا ضيقا يلتصق بجسده .رد تحيتي رافعا نظاراته فوق جبينه بإنتظار تفسير لتلك التحية.وبعد التعريف والتبرير رد ضاحكا " آخر ما كنت أتوقعه هو أن تتدخل الصحافة في هوايتنا" .
لم يتردد جاسم في تفسير سبب تعلقه بهذه الهواية " أشعر بكامل الحرية فوق السيكل ، أحس كأنني طير في السماء وإنني أحتضن العالم في صدري وأنا فوق العجلات ، كما أنني أعتبرها رياضة حقيقية للأعصاب والتحمل والتركيز ، وهي في النهاية مغامرة جميلة" .
وعن امكانية استبدالها بهواية اخرى كارتياد المسرح أو السينما او المراكز والأندية الثقافية ، ضحك جاسم وصادف قدوم زميله طلال الذي سمع التعليق وعقب " المسارح هادئة وتذكرني بالنوم .ليس فيها حركة ولا إثارة ولا يمكن أن تتوقع فيها أية مفاجأة ، أما قيادة الدراجة في طريق مزدحم وبسرعة عالية فهو أمر ممتع مليء بالحيوية والاثارة" .
هنا كان علي مصارحتهم انني لن اسألهم عن قراءة الكتب الروائية او الفكرية ، فعلقا بمرح ان الجريدة اليومية لا تعنيهم فكيف بالكتب والروايات .
هذه "الهواية " المكلفة جدا تتطلب مصروفا خاصا ، الامر الذي ينكره جايم فاضافة الى ثمن الدراجة المرتفع جدا تستوجب هذه الرياضة اكسسوارات خاصة بها من "وذة – حذاء – ستر جلدية – نظارات – بلوزات " اضافة الى مصاريف الصيانة وتغيير نوع الدراجة مع طرح أنواع ونماذج جديدة في السوق.
أما بالنسبة لتذمر البعض من الأصوات العالية والرعب الذي تسببه هذه الدراجات وخطر السرعة العالية في الشارع ، لم يخف جاسم حقيقة الأمر واعترف بأن الرياضة قد تكون مزعجة لمستخدمي الطريق "ولكن مثل هذه الرياضة تفقد متعتها اذا ما مورست في الصحراء وبعيدا ً عن أعين المارة".
كما أن الكثيرين _ على حد قول طلال_ يوقفونهم في الشارع ليسلموا عليهم أو ليأخذوا الصور التذكارية معهم ، بل إن العديد من السيارات تنتظر مرورهم ، وفي ايام العطل تتزاحم بعض السيارات لتكون خلف الدراجات النارية مباشرة ً لكي تتمتع بالحركات البهلوانية التي يؤديها سائقوها من وقوف على مع ترك المقود الى السير على العجلة الخلفية فقط لمسافة ليست بقصيرة ويتدخل جاسم قائلا " أستطيع أن أتبادل مع طلال الأمكنة ونحن على دراجة واحدة أثناء سيرها وبشكل مريح وانسيابي وهذه الحركة تعجب جدا ً مستخدمي الطريق" .
وقد أبدى كل من طلال وجاسم رغبتهما المشتركة في وجود ناد رياضي يحتوي هوايتهم وينظمها لتصبح أكثر قبولا في المجتمع .
وما إن ودعت جاسم وطلال حتى امتطيا ظهر دراجتيهما وأطلقا لها العنان لتزأر بصوتها كالرعد ثم غاب أثرهما في ثوان معدودات .
قد تكون هواية طلال وجاسم وامثالهم مقبولة لدى البعض وقد تكون مرفوضة لدى البعض الاخر .وقد تكون الحد الاقصى للمتعة لمستخدميها لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو متى
سيجد المجتمع العربي حلا ً للفراغ الممل الذي يعيشه شبابنا ؟ وهل عجزت الثقافة العربية عن استيعاب هؤلاء الشباب أم أن ثلك الثقافة فقدت بريقها فلم تعد ذات تأثير يذكر على من في هذه المرحلة السنية الحرجة؟
وهل من سبيل إلى ترغيب الشباب في ارتياد المسارح وصالات السينما والأندية الثقافية واقتناء الكتب وما إلى ذلك من المظاهر الايجابية التي هزمت ( بضم الهاء ) أو لنقل انحسر دورهـــا أمـــام المــد الاعلامي الغـربي ( السلبي منه على وجــه التحديد ) الذي اخــــترق العقـــول واالقلـــوب .