: آخر تحديث

الكتابة بلسان متشعّب

حنان حيڤر: عن المجموعة الشّعريّة العبريّة‮ "‬إحاد مكان‮ " (‬في‮ ‬المكان‮) ‬للشّاعر سلمان مصالحة،‮ ‬التي‮ ‬صدرت عن دار عام عوفيد،‮ ‬تل أبيب ‮٤٠٠٢.‬

المجموعة الشعريّة‮ "‬إحاد مكان‮" ‬الّتي‮ ‬كتبها سلمان مصالحة،‮ ‬تجبر من‮ ‬يقرأها على أن‮ ‬يصيخ السّمع إلى القصائد الثّاقبة الّتي‮ ‬تضمّها،‮ ‬إذ أنّها تتطلّب من القارئ إعادة تفكير بالشّعر العبري،‮ ‬بإمكانات هذا الشّعر وبحدوده‮.‬ كشاعر عربيّ‮ ‬يكتب باللّغة العبريّة‮ ‬يرسم مصالحة من جديد حدودَ‮ ‬الأدب العبري‮ ‬الإثنيّة،‮ ‬تلك الحدود الّتي‮ ‬تبدو متجانسةً‮ ‬وأُحاديّةَ‮ ‬الطّابع‮. ‬إذ أنّ‮ ‬الأدب العبري‮ ‬يضع بصورة دائمة شرطًا خفيًّا،‮ ‬غير أنّه شرطٌ‮ ‬صارمٌ، للتّعامل مع كلّ‮ ‬من‮ ‬يشمله أو لا‮ ‬يشمله هذا الأدب،‮ ‬وهذا الشّرط‮ ‬يشير إلى كون هذا الأدب أدبًا‮ ‬يهوديًّا‮. ‬ولكن،‮ ‬عندما‮ ‬يكتب أديب عربيّ‮ ‬باللّغة العبريّة،‮ ‬وعلامات اللّغة العبريّة في‮ ‬كتابته لا تشير بالضّرورة إلى كاتب‮ ‬يهودي،‮ ‬فإنّ‮ ‬الطّريق إلى تمثيل هويّة هذا الأدب القوميّة تنفتح على مصاريعها‮.‬
إنّ‮ ‬مجرّد وجود نشاط لأدباء عرب في‮ ‬الأدب العبري،‮ ‬وبشكل دراماتيكي‮ - ‬ظهور كتاب أنطون شمّاس‮ »‬عربسك‮« ‬في‮ ‬العام ‮٦٨٩١ - ‬يغيّر بصورة جذريّة التّعريفَ‮ ‬الّذي‮ ‬يحصرُ‮ ‬مصطلحَ‮ »‬الأدب العبري‮« ‬ضمن نطاق‮ »‬الأدب اليهودي‮«‬،‮ ‬كما‮ ‬يُلزمُ‮ ‬قرّاءَ‮ ‬العبريّة على الاعتراف بأحد التأثيرات المباشرة لـ‮ »‬التّجربة الإسرائيليّة‮« ‬على تعريفات وحدود الأدب العبري‮.‬
سلمان مصالحة‮ ‬يكتب بحساسيّة متناهية ودقيقة من موقع الأقليّة القوميّة التي‮ ‬تعيش بصورة متحفّظة داخل‮ »‬فَقَار‮« (‬canon‮)‬ الأدب العبري‮. ‬هذا الموقف‮ ‬يعود ويتحدّى الفَقَار العبري،‮ ‬من خلال الصّوت الآخر الّذي‮ ‬يُدخله الكاتب إلى لغة الشّعر العبري‮. ‬إذ أنّ‮ ‬النّسيج اللّغوي‮ ‬لدى سلمان مصالحة‮ ‬يخلق لغةً‮ ‬شعريّة مُدهشة ومُبلورة وصوتًا شعريًّا موسيقيًّا؛ كما أنّه‮ ‬يحافظ بشكل كبير على تجانس هذه اللّغة وعلى كونها لغة شعريّة‮ »‬صحيحة‮«.‬
لكن،‮ ‬بفعله هذا،‮ ‬فهو‮ ‬يستجيب استجابة تظاهريّة إلى توقّعات القارئ العبري‮ ‬الّذي‮ ‬ينتظر العثور على صيغة كتابيّة عربيّة تبدو للوهلة الأولى‮ »‬نموذجيّة‮«. ‬ومن خلال عمليّة مميّّزة،‮ ‬لما أطلق عليه كلٌّ‮ ‬من جيل ديلز وفليكس چواطاري‮ ‬اسم‮ »‬الأدب المينوري‮«‬،‮ ‬فهو‮ ‬يقوم بضعضعة وتقويض الأسس الّتي‮ ‬يقوم عليها‮ »‬الأدب الماجوري‮« ‬العبري،‮ ‬وذلك من خلال عمله داخل هذا الأدب وفي‮ ‬لغة هذا الأدب المسيطر‮. ‬يقوم مصالحة بابتداع لغة خاصّة به داخل لغة الشّعر العبري‮ ‬بواسطة كتابة‮ ‬پاروديا على النّظرة النّمطيّة لشعريّة عربيّة متوقَّعَة منه،‮ ‬وهكذا فهو‮ ‬يخلق توتّرًا شديدًا بين ما هو من المفروض أن تكون قصيدته وبين ما هي‮ ‬بالفعل‮. ‬
مثال بارز على ذلك هي‮ ‬قصيدة‮ »‬شقائق نعمان‮: ‬قصيدة فلسطينيّة‮«‬،‮ "‬المهداة إلى جدّة زالي‮ ‬چوريڤيتش‮". ‬في‮ ‬هذه القصيدة ثمّة صدى لمنمنمة‮ ‬ياپانيّة تنتهي‮ ‬بقفلة تضمينيّة‮:‬
‮»‬البحيرة تَسَلّقَتْ‮ ‬مُنذُ‮ ‬أَوانٍ‮ ‬بعيد
فُروعَ‮ ‬الشّجَر‮.‬
الفَلاّحُ‮ ‬يحرثُ‮ ‬الحقول
حافيَ‮ ‬القَدَمين‮.‬
لا‮ ‬ينتبهُ‮ ‬ساعةَ‮ ‬الصّباح
إلى الرّبيع المقترب‮.‬

شَقائقُ‮ ‬النّعمان حَوالَيْه
قَدْ‮ ‬أزهرتْ
سُطوحَ‮ ‬قرميد‮. «‬‮ (‬ص ‮٤٢)‬
للتّعبير‮ »‬قد أزهرت‮« ‬موقعٌ‮ ‬مضاعَف‮: ‬إنّه‮ ‬يُكملُ‮ ‬جملة‮ »‬شقائق النّعمان حواليه‮/ ‬قد أزهرت‮«‬،‮ ‬كما أنّه‮ ‬يبدأ جملة أخرى‮ »‬قد أزهرت‮ / ‬سطوحَ‮ ‬قرميد‮«. ‬وهكذا فهذه القصيدة ذات المبنى البسيط إلى حدّ‮ ‬بعيد‮ (‬المُتوقَّع،‮ ‬وذي‮ ‬الطّابع المُنَمَّط‮) ‬تحمل في‮ ‬نهايتها تعقيدًا‮ ‬غير متوقَّع‮ ‬يُضعضعُ‮ ‬استيعابها المُسَطَّح والمُبسَّط النّابع من نظرة مُسبقَة نمطيّة‮.‬
هنا أيضًا تُشكّلُ‮ ‬السُّخرية سلاحَ‮ ‬مصالحة ككاتب لـ‮ "‬أدب مينوري‮" ‬يقوم بضعضعة اللّغة والفَقَار الّذي‮ ‬يعمل فيه‮. ‬ينهي‮ ‬مصالحة القصيدة الأولى في‮ ‬الكتاب بعنوان‮ "‬پريحاه‮" (‬وهي‮ ‬مفردة عبريّة لها دلالة مضاعفة إزهار،‮ ‬أو طَفَح‮) ‬بواسطة وَقْعَنَةٍ‮ (‬realization‮)‬ للتّعبير الشّائع في‮ ‬اللّغة العبريّة الدّارجة‮ »‬يُسبّبُ‮ ‬لي‮ ‬طَفَحًا‮« (‬بمعنى‮: ‬يثيرُ‮ ‬أعصابي‮)‬،‮ ‬حيث‮ ‬يتحوّل التّعبير إلى تعامل مباشر مع المشهد الإسرائيلي‮ ‬الآخذ في‮ ‬الفراغ‮ ‬من حوله‮. ‬في‮ ‬مقابل النّقص والعدم اللّذين‮ ‬يخيّمان على المشهد،‮ ‬يقف الخريف والعصف اللّذان‮ »‬يجرحان النّفس كما الموسى،‮/ ‬وُيسبّبان طفحًا في‮ ‬العينين‮« (‬ص ‮٧). ‬الطّفحُ‮ ‬في‮ ‬العينين‮ ‬يُغَيِّرُ‮ ‬بشكلٍ‮ ‬ساخر مشهدَ‮ ‬الأشجار والإزهار الّذي‮ ‬من المفروض أن‮ ‬يكون موجودًا وملء العينين،‮ ‬إلاّ‮ ‬أنّه بات في‮ ‬عداد العدم‮.‬
روح ساخرة بصورة خاصة تُخيّم على القصيدة الّتي‮ ‬تحمل عنوان‮ »‬عن الإيمان بالتّمائم كوسيلة لإحلال السّلام في‮ ‬الشّرق الأوسط‮«‬،‮ ‬والّتي‮ ‬تشتمل على عنوان ثانويّ‮ »‬قصيدة عن التّعايش اليهودي‮ ‬العربي‮« (‬ص ‮٣٤). ‬هذا القالب النَّصّي‮ ‬الّذي‮ ‬يُضعضعُ‮ ‬مفاهيم القارئ المتعلّقة بحدود الأدب العبري،‮ ‬اليهودي‮ ‬من النّاحية الإثنيّة،‮ ‬يتطوّرُ‮ ‬في‮ ‬بعض قصائد الكتاب من خلال تَبَنٍّ‮ ‬ثابت لمبنى مُقَفّى‮ ‬يدمج بين قافية داخليّة وقافية خارجيّة،‮ ‬ما‮ ‬يُضفي‮ ‬على القصيدة تناغُمَها الثّابت،‮ ‬والّذي‮ ‬يبدو ساذجًا ظاهريًّا‮.‬
غير أنّ‮ ‬هذا النّغم‮ - ‬على سبيل المثال،‮ ‬في‮ ‬قصيدة‮ »‬بالادة عربيّة‮« - ‬يعرضُ‮ ‬نصًّا استشراقيًّا،‮ ‬ذا طابع مُنَمَّط،‮ ‬مقلوبًا رأسًا على عقب؛ وبكلمات أخرى،‮ ‬إنّه نصّ‮ ‬مكتوب عن الشّرق ولكنّه‮ ‬يأتي‮ ‬من جهة الشّرق وليس،‮ ‬كما هو معهود،‮ ‬من جهة الغرب الّذي‮ ‬ينظر إلى الشّرق نظرة استشراقيّة‮:‬
‮"‬صاعدٌ‮ ‬إلى قمم الجبال،‮ ‬
كما أغنية تأتي‮ ‬وتروح،‮ ‬
في‮ ‬قرارة ذاته‮ ‬يُغنّي‮. ‬
النّفسُ‮ - ‬حطامٌ‮ ‬وخواء‮.‬

عدّ‮ ‬آلاف اللّيال‮. ‬
ولم‮ ‬يأت السَّحَر‮. ‬
وفي‮ ‬شعاب الصّحراء
تقطّرَ‮ ‬عرقُ‮ ‬الرّمال‮." ‬‮(‬ص ‮٧١)‬
إنّ‮ ‬مصدر هذا الموقف الّذي‮ ‬يظهر جليًّا في‮ ‬القصائد والذي‮ ‬غايته الضعضعة والتقويض هو الإدراك العميق بأنّ‮ ‬هذه القصائد تُكتَب في‮ ‬وضع من العنف والموت‮. ‬في‮ ‬قصيدة‮ »‬برج العقرب‮«‬،‮ ‬وهي‮ ‬قصيدة تقوم برسم صورة ذاتيّة،‮ ‬فإنّ‮ ‬النّبرة الشّعريّة تنمو كما لغة تتشعّب إزاء وعي‮ ‬عميق بوجود كارثة‮:‬
‮"‬وعلى مرّ‮ ‬السّنين،‮ ‬تعلّمتُ
أن أسلخَ‮ ‬عنِّي‮ ‬جِلْدِي‮.‬
كما لو أنّني‮ ‬ثعبان سُبِيَ
بين مقصّ‮ ‬وأوراق‮. ‬
هكذا حُتم مصيري‮ ‬
بكلمات مشتقَّة من جذور‮ ‬
الألم‮. ‬مع لسان بشعبتين،‮ ‬
واحدة عربيّة‮ - ‬تحفظ ذاكرةَ‮ ‬
الأمّ‮. ‬ثانية عبريّة‮ - ‬في‮ ‬ليالي‮ ‬
الشّتاء للحُبّ‮. "‬‮ (‬ص ‮٢١-٣١).‬
كتابة الشّعر هي‮ ‬كردّ‮ ‬فعل الثّعبان إزاء الخطر الّذي‮ ‬وجد نفسه فيه‮. ‬يُلصقه المقصّ‮ ‬إلى الورق فتأتي‮ ‬نتيجة القصّ‮ ‬الإستعاري‮ ‬على شكل‮ »‬كلمات مشتقّة‮«. ‬يخلع الثّعبان جلده في‮ ‬مواجهة الخطر‮ - ‬فتكون النّتيجة لغة تتشعّب شعبتين،‮ ‬كلسان الثّعبان‮. ‬يخلق مصالحة انفصالاً‮ ‬داخليًّا في‮ ‬لغته الشّعريّة،‮ ‬ما‮ ‬يتيح له التّوجّه إلى الجمهور العبري‮ ‬من وراء قناع‮. ‬إنّ‮ ‬كتابته الشّعريّة هي‮ ‬ما‮ ‬يمكّنه من البقاء بقوّة بين عضوين متشعّبين من خلال تبنّي‮ ‬تَصَوُّرٍ‮ ‬ما بعد كولونياليّ،‮ ‬وهي‮ ‬حالة وسطيّة للاضطهاد الّذي‮ ‬يعمل بطرق‮ ‬غير مباشرة‮. ‬ولذلك،‮ ‬فهو عندما‮ ‬يعلن عن التّشعّب والفصام فإنّما‮ ‬يفعل ذلك بواسطة تقفية،‮ ‬أو تسجيع التّناقضات في‮ ‬مفردتي‮ »‬الحفظ‮« ‬و»الحبّ‮«‬،‮ ‬اللّتين تنضمّان إلى‮ »‬الألم‮«‬،‮ ‬وهي‮ ‬جميعًا مفردات متساجعة في‮ ‬العبريّة‮.‬
إنّ‮ ‬تمثيل المكان الّذي‮ ‬يكتب منه الشّاعر هو تمثيل لمكانٍ‮ ‬عنيف لا مخرج منه‮:‬
‮»‬ما أسرعَ‮ ‬تَغيُّر العالَم‮.‬
وعندي،‮ ‬بلغَ‮ ‬السّيلُ‮ ‬
الزُّبى‮. ‬آلت الأمورُ‮ ‬إلى
حالٍ‮ ‬عدلتُ‮ ‬فيها عن‮ ‬
التّفكير بالخريف‮. ‬
لأنّه،‮ ‬من هذا المكان،‮ ‬
لا‮ ‬يوجد إلى أين نروح‮.‬
ومن الحديقة،‮ ‬اقتُلعت
الأشجارُ،‮ ‬وغابت في‮ ‬العدم‮.‬

وفي‮ ‬هذه الأيّام،‮ ‬
خطرٌ‮ ‬الخروج للشوارع
في‮ ‬البلاد‮. ‬الشّارعُ
رطبٌ‮ ‬للغاية‮.‬
دم‮ ‬يسيلُ‮ ‬في‮ ‬الشّريان
الرّئيسي‮.‬
‮... «‬‮ (‬ص ‮٠٤)‬
من خلال لفتة تجاه داڤيد أڤيدان‮ " ‬لا‮ ‬يوجد إلى أين نروح‮..." ‬يقوم مصالحة بفكّ‮ ‬رموز التّعبير الشّائع واليومي‮ »‬شارع رطب‮« ‬بوصفه عنفًا نابعًا من رطوبة أخرى‮. »‬دم‮ ‬يسيل في‮ ‬الشّريان الرّئيسي‮«. ‬ومرّة أخرى،‮ ‬تنتهي‮ ‬هذه القصيدة المموسقة بالوعي‮ ‬بأنّ‮ ‬هذا المكان هو مكان عنيف مسدود المخارج‮. ‬وهكذا أيضًا‮ ‬يُنهي‮ ‬قصيدة‮ »‬قصيدة وطن‮« ‬بـ‮ »‬بلادٌ‮ ‬تدرّ‮ ‬الحليب والعسل،‮ ‬ووطن مشئوم‮« (‬ص ‮١٤)‬،‮ ‬وعلى هذا المنوال‮ ‬ينهي‮ ‬قصيدة‮ »‬عمليّة قيصريّة‮«: »‬في‮ ‬غرفة خلفيّة،‮ ‬يمرّ‮ ‬هذا المساء‮/ ‬عبر عمليّة قيصريّة،‮ ‬وطنٌ‮ ‬مُغتَصَب‮«. (‬ص ‮١٣). ‬وهكذا‮ ‬ينهي‮ ‬الموتُ‮ ‬ورموزه عدّة قصائد في‮ ‬هذه المجموعة‮. ‬كذا أيضًا في‮ ‬قصيدة‮ »‬بُقَع ألوان‮« ‬الّتي‮ ‬تنتهي‮ ‬بـ‮ »‬الحفرة الفاغرة فاها‮« (‬ص ‮٨)‬،‮ ‬وهكذا في‮ »‬صورة شخصيّة‮« ‬الّتي‮ ‬تنتهي‮ ‬بتعليق صاحب الصّورة نفسه على الحائط‮.‬
الوعي‮ ‬بكون هذا الشّعر‮ ‬يُكتب في‮ ‬مكان مصاب بداء العنف‮ ‬يعود فيطرح حالة التّشعُّب والفصام كطريق وحيدة للبقاء‮. ‬ففي‮ ‬قصيدة‮ »‬أنا أكتب العبريّة‮« ‬فهو‮ ‬يكتب‮:‬
‮»‬أكتب باللّغة العبريّة،‮ ‬
الّتي‮ ‬ليست لغة أمّ‮ ‬لي،
كي‮ ‬أضيع طريقي‮ ‬في‮ ‬هذا العالَم‮.‬
مَنْ‮ ‬لا‮ ‬يُضيعُ‮ ‬طريقَه،‮ ‬لن‮ ‬يعثرَ‮ ‬على الكمال‮«. ‬‮(‬ص ‮٥١)‬
فقدان وإضاعة الوُجْهَة‮ (‬orientation‮) - ‬للغة وللهويّة من بعدها‮ - ‬تظهر في‮ ‬القصيدة بوصفها الطّريق الوحيدة للوُجهة في‮ ‬عالَم مليء بالعنف،‮ ‬ومن هُنا فهو‮ ‬يصبح قاب قوس أو أدنى من تشخيص عشوائيّ‮ ‬وعَرَضِيّ‮ ‬لشركاء الدّرب،‮ ‬ذوي‮ ‬الصّلة بالموضوع وغير المزروعين في‮ ‬هويّة محدَّدة‮: »‬وسألتقى بأناس‮/ ‬كثيرين‮. ‬وسأجعلهم جميعًا زملائي‮./ ‬من ذا الغريب؟‮ / ‬من ذا البعيد والقريب؟‮/ ‬لا‮ ‬غربة في‮ ‬تفاهات الدّنيا‮ / ‬لانّ‮ ‬الغربة في‮ ‬الغالب‮/ ‬تكمن في‮ ‬قلب الإنسان‮« (٥١-٦١). ‬الحاضرون من حوله،‮ ‬وعلى وجه الخصوص هو ذاته،‮ ‬ليسوا ذوي‮ ‬هويّة محدّدة ذات خصوصيّات واضحة المعالم‮:‬
‮»‬لأنِّي‮ ‬لا حكومةَ‮ ‬لي،‮ ‬
مع أو بلا رأس،‮ ‬وليس لي‮ ‬
من رئيس جاثمٍ‮ ‬فوق رأسي‮. ‬
أستطيع،‮ ‬في‮ ‬هذه الظّروف الشّفيعَة
أن أكون حرًّا بعضَ‮ ‬الشّيء‮« ‬‮(‬ص ‮٢٤)‬
فالهويّة الّتي‮ ‬يختار أن‮ ‬يُعرّف فيها ذاته،‮ ‬تتّصل بالمكان من مجرّد الحضور الأصلانيّ‮ ‬فيه،‮ ‬وليس من خلال هويّة قوميّة أيًّا كانت‮: ‬‮»‬وكنتُ‮ ‬يهوديًّا،‮ ‬قبل أن‮ ‬يعومَ‮ ‬يسوعُ‮ ‬على مياه طبريّة‮ (...) ‬وكنتُ‮ ‬مُسلمًا في‮ ‬بلدِ‮ ‬المسيح،‮ ‬وكاثوليكيًّا في‮ ‬الصّحراء‮«‬‮ ‬ص ‮٦٥-٧٥). ‬فليس الوطن سوى بناية سكنيّة متعدّدة الشّقق،‮ ‬كما في‮ ‬قصيدة لذكرى إميل حبيبي‮:‬
‮"‬في‮ ‬صفّ‮ ‬الأشجار الغارقة في‮ ‬الصّخور
إنزرع رجال،‮ ‬نساء ووجوم‮. ‬قاطنو
بيت الشّقق المسمّى الوطن‮.‬
يهود لم أسمع صوتهم،
عرب لم أفهم كنههم،
ومعزوفات لم أعرف تشخيصها
في‮ ‬اللّحظة الهامدة‮. ..." ‬‮ ‬‮ (‬ص ‮٢٦)‬
سلمان مصالحة‮ ‬يتحدّى العلاقة القائمة مع المكان،‮ ‬تلك الّتي‮ ‬تستند إلى هويّة قوميّة،‮ ‬ويتحدّى الإدّعاء القائل بأنّ‮ ‬الهويّة القوميّة هي‮ ‬الوحيدة الّتي‮ ‬بوسعها أن تمنح الفرد الحريّة‮. ‬ففي‮ ‬قصيدة‮ »‬أبي‮ ‬أيضًا‮« ‬فهو‮ ‬يطرح خيارًا لوجود مستقلّ‮ ‬مقابل رموز السّلطة في‮ ‬البلاد‮ - ‬إنّه‮ ‬يطرحُ‮ ‬خيار حريّته هو الّذي‮ ‬يعيشُ‮ ‬في‮ ‬مواجهة مع حكّام البلاد،‮ ‬ورغمًا عن أنوفهم‮:‬
‮»"لأبي‮ ‬الّذي‮ ‬ولد في‮ ‬سفح الجبل
ونظر إلى البحيرة،‮ ‬لم‮ ‬يكن أبدًا
جوازُ‮ ‬سفر‮. ‬ولا حتّى تصريح عبور‮.‬
لقد تخطّى الجبال،‮ ‬حينما
لم تجرِ‮ ‬الحدود في‮ ‬النّهر‮.‬
لأبي‮ ‬لم‮ ‬يكن في‮ ‬الدّنيا
جوازُ‮ ‬سفر،‮ ‬ليسَ‮ ‬لأنّه‮ ‬
بلا أرضٍ‮ ‬أو بصمات،‮ ‬بل
لأنّ‮ ‬الأرض سكنت باطمئنان
في‮ ‬راحتيه‮. ‬ومثلما لم تهرب
الأرض من راحتيه،‮ ‬وتمضي‮ ‬إلى
ما وراء البحار،
أبي‮- ‬أيضًا‮." ‬‮ (‬ص ‮٥٢)

nbsp;


نُشرت المقالة‮ ‬العبريّة في‮ ‬ملحق‮ ‬كتب‮ ‬لصحيفة‮ »‬هآرتس‮«‬،‮ ٣ ‬مارس ‮٤٠٠٢.‬
نقلاً‮ ‬عن العدد ‮٥٢ ‬من مجلّة‮ "‬مشارف‮"‬،‮ ‬صيف ‮٤٠٠٢ ‬الذي‮ ‬صدر حديثًا في‮ ‬حيفا‮.‬

حنان حيفر هو باحث وناقد إسرائيلي‮ ‬بدرجة بروفيسور في‮ ‬موضوع الأدب العبري‮ ‬في‮ ‬الجامعة العبرية في‮ ‬القدس‮.‬


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.