عند القاصة الإماراتية سارة النواف

من المتفق عليه أن الانطلاقة الأولى للقصة القصيرة في الإمارات بدأت سنة 1970، وهي إلى يومنا هذا مازالت تعاني آلام الولادة، وتعيش مخاضا تجريبيا مستمرا، متمرحلة من ولادة شاقة إلى ولادة أشق ،غير أن القصة القصيرة الإماراتية ورغم كل المثبطات فقد استطاعت أن تقطع الكثير من الخطوات الفساح على درب التطور والانتشار، والمبدعة سارة النواف واحدة من الأصوات الأدبية البارزة في مجال القصة القصيرة ، نتاجها غني ومتنوع ترجم إلى لغات عالمية ،ويحسب لها مبادرتها في إنشاء دليل بيبليوغرافي عبر الأنترنت لأدباء الوطن العربي.

"النخلة وعباد الشمس" ،"حوار صامت" ،" القطط" ، على اختلاف سلائقها القصصية ما فتئت سارة النواف تهادن الشكل في مختلف أعمالها، مقدسة سيمترية السرد، حيث تبدو الواقعية هي السمة الغالبة على أقاصيصها والمنوال المشترك الذي تنسج عليه ، واقعية تصدر عن الحدوس الوجدانية وعن رؤى واعية بتفاصيل ومكنونات المجتمع الإماراتي.

تقترب الكتابة القصصية عند سارة النواف من الكتابة السينمائية ، فتغدو لغتها وصفية إخبارية بالدرجة الأولى وكمثال على فاعلية العين الخارجية لسارة النواف نقرأ في قصتها "درب أم الدويس":

-رائحة المطر غريبة في البيوت الخربة .. بيوت بلا أسقف أو أبواب أو نوافذ .. بقايا خربة لبيوت كانت ذات يوم عامرة .. قدماها تغوصان في بحيرات المياه الصغيرة التي تملأ الأزقة والمداخل .. مزيج من الطين والوحل يلطخ ساقيها وثيابها .. تتابع السير .. نباح كلب يليه مواء قطة وأصوات تلاطم وتدافع ...

وقد تتلاشى سارة النواف من فسحة النص محولة العين القصصية الخارجية إلى كاميرا محايدة كما هو الحال في "يوم عادي" حيث تستمر اللغة القصصي قي ملامسة تخوم اللغة السينمائية :

.:- تبتسم في خبث .. تتجه إلى حقيبة يدها .. تتناول محفظة نقودها .. تعد الأوراق النقدية عدة مرات .. تضع المحفظة على السرير .. وتتجه إلى دولاب الملابس الملاصق لجدار باب الغرفة ..ورويدا رويدا تقترب من الباب حتى تلتصق به .. ثم فجأة .. تنحني وتنظر من ثقب الباب ..

تقترب الكتابة القصصية أيضا عند سارة النواف من الكتابة الشعرية ، معتمدة على فاعلية الذاكرة كعين باطنية ، حيث ينزل الأنا بثقله من خلال ضمير المتكلم ، غالبا وبضميري الغائب والمخاطب ، أحيانا ، واكبر تجسيد لفاعلية العين الباطنية "الذاكرة" عند سارة النواف هذا المقطع من "الشجرة والكلب الأسود" :

-لا فائدة .. حتى الكلب يعرف أني ضعيف " تتراءى له الشجرة .. لا تزال بعيدة .. وهذا الطريق المؤلم الذي لابد أن يقطعه ليصل إليها " حتى وأنا تحت الشجرة .. تكون بعيدة عني " ينظر إليها .. الصراع اليومي الذي يدور تحتها .. الكل يحاول الوصول وانتزاع الكيس المعلق بأحد أغصانها .. فقد يحوي كنزا .. أو ذهبا .. أو حتى نقودا .. هو لا يعرف ما يحويه هذا الكيس ولا غيره من المزدحمين يعرف ... ولكن لا يهم ذلك .. المهم أن يحصل على الكيس أولا .. ثم بعد ذلك يكتشف ما بداخله .. هكذا تكون الأمور منطقية بالنسبة له .. تباطأت خطواته وهو يقترب من الصراع الدموي .. رأى أحدهم قادما من تلك الناحية " يبدو مصابا .. إذ أنه يعرج في مشيته .. صراع .. الكل يدوس على الكل .. لا يهم أين يضع قدميه .. قد تكون على قدم أحدهم .. أو رأسه .. أو بطنه .. أو رقبته .. الجميع يدوس .. لا وقت لأحد لينظر إلى موقع قدمه .. أو أن يساعد من وقع ..لا وقت ليدير بصره عن الكيس المعلق .

في أحيان كثيرة تمزج سارة النواف بإتقان وتمكن بين فاعليتي العين والذاكرة، حيث تغدو الكتابة القصصية عند النواف مونتاجا من اللغات والأصوات، وكمثال على فاعلية العين الخارجية ملتحمة بفاعلية العين الباطنية ، نقرأ في طاخ ..طاخ ..طاخ ..:

-هدوء الليل يلف المنطقة كلها إلا من نباح الكلاب التي تثير في نفسه أطياف الذكرى .. حين كان صغيرا .. امتلك كلبا كان يقول لأصحابه أنه يسمونه بوليسيا بالرغم من كونه أجبن كلب على الإطلاق ومع ذلك فقد اسماه عنتر نكاية بأحدهم .. يجلس على إحدى كومات الرمال المتناثر بكثرة .. فالمنطقة حديثة نوعا ما ولازالت الكثير من البيوت تحت الإنشاء .. عادت به الذكريات إلى حضور أمه وأبيه حين كانوا يسهرون في العريش .. وعلى الرمال البيضاء يستلقون على ظهورهم ناظرين إلى السماء .. ويبدأ هو في عد النجوم ..

هذه المنهجية القصصية التوليفية والتي تعتبر سارة النواف أحد روادها تبدو وكأنها محور الحساسية القصصية الجديدة ، والمرتع الخصب للتجريب القصصي والذي تحتاجه القصة القصيرة الاماراتية في حركيتها نحو التطور.

كاتب مغربي مقيم بباريس

[email protected]