عراقي وأمريكية.. قصة حب في زمن الحرب
قيس قاسم من ستوكهولم: تعيدنا قراءة رواية "الضالان"(دار الأداب 2004)بقوة، ودون ارادة منا، الى حقبة أنتشار موجة أدب الواقعية الاشتراكية. الموجة، التي اتسعت مع أتساع تأثير الايديولوجيات الاشتركية في العالم، وصارت جزءا رئيسيا وأحيانا، بإرادوية تسلطية، وحيدا من أشكال التعبير الابداعي عن قيمها وأفكارها. ومع أنحسار مد هذا الفكر، أنحسرت الموجة نفسها فظهرت الى جانبها، موضوعيا، ثم تجاوزتها، أشكال أخرى من أشكال التعبير الأبداعي، عكست توق وديناميكية العقل البشري للابتكار والتجديد وقدرته المذهلة على انتاج أدوات مناسبة لأشكال خلقه الحديثة، تعبر عنها من جهة وتضع، ما سبق ان أنتجه هذا العقل، خلفها، ولكن بمسافة يمكن العودة اليها متى ما أردنا. وهنا يطرح السؤال المثير للجدل، وغير المحسوم، نفسه.. هل العودة للأشكال القديمة من التعبير الفني لا تتضمن، بالضرورة، عودة الى الأفكار التي أتخذت هذا الشكل تعبيرا عن جوهرها، والتي قد تطبع، بالمحصلة، النتاج الجديد بطابع رجعي؟ كونديرا، الكاتب التشيكي، يقدم ما يشبه الجواب، عندما يحيل هيكيلة بناء النتاج الروائي العالمي الى تراكم أساساته التاريخية ـ الكونية فوق بعضها البعض. تأسيسات روائية مسبقه تمهد لتأسيسات جديدة. لذا يدعو الى قراءة متجددة لتاريخ الابداع الروائي، تستند على رفضها الوصايا التقليدية، وتشجيعها البحث والكشف عن تداخل أشكال ومضامين عالميتها. تأسيسا على هذا المنظور، تتطلب أي قراءة نقدية منصفة، للضالان أو غيرها، مراعاة، النظرة المنفتحة، الباحثة عن المتميز في كل بناء روائي، مهما بدا قديما وغير مستساغ حديثا. بهذة المقدمة التمهدية أردنا القول: اننا أزاء خيار أبداعي ناجز، لا مجال لأعتبارات تجريبية فيه، وكاتبها روائي، متمرس، يبدو انه قد حسم أختياره، بوعي، لشكل ومضمون نتاجه الأبداعي. ف "الضالان" جاءت بعد خبرة كتابية طويلة، أنجز خلالها العراقي محمود سعيد، سبع روايات فازت واحدة منها (زنقة بن بركة) بجائزة أفضل رواية عراقية لعام 1994، أضافة الى مجاميع قصصية.

قصة حب في زمن الحرب
يبني الروائي حكايته على قصة حب تنشأ بين فتاة أمريكية، ومهاجر عراقي مقيم في الولايات المتحدة الامريكية، في ظروف، لم تكن في صالحهما. فالعراقي (عمر) وقد تجاوز عمره الستين، يريد ترك البلاد، التي وصلها قبل ثلاث سنوات، الى السويد، ليتفرغ هناك للكتابة، بعد ان عجز عن التكيف والاندماج مع المجتمع الامريكي. وكاثي، الشابة الامريكية، دفعتها ظروفها القاهرة الى أدمان المخدرات ثم أمتهان الدعارة. ستجمعهما الغابة، ومنها ستتفرع فصول الرواية. عمر أختارها بيتا، يقضي أيامه فيها بانتظار رحيله النهائي. كاثي وصلتها هاربة، من قساوة القواد جور جورج.
ستشهد الغابة نفسها مطاردة جورج لكاثي الهاربة وشهامة عمر في تخليصها من براثنه. ستبدو الحكاية الى هنا عادية ومكررة، بل ومسطحة. غير ان تدقيقا أكثر في التفاصيل سيساعدنا على أكتشاف عمق أخر وراء السطح، حين نربط علاقة الحب بين الامريكية والعراقي، والحرب بين بلديهما. سيبتكر سعيد معادلة أفتراضية وسيشتغل عليها، طرفيها؛ سياسي/ عسكري وعاطفي/ انساني. تتجاذبهما مؤثرات جغرافية وعرقية ومنفعية، تلعب كلها دور أواصر رابطة لعناصر متفاعلة داخل معادلة؛ الحب والحرب!
سرد سينمائي
بمتعة قراءة نصه السهل، سيغونا سعيد، بملاحقة بطليه ومعرفة نتائج معادلته المفترضة، سنمضي معه دون توقف أو ملل الى نهاية روايته. ما يملكه الروائي من خبرة في رسم المخطط الروائي وتنفيذه بدقة وقابليته على السرد المفتوح، المشذب من الزوائد تفرض علينا التنوية الى خاصية هذا النوع من السرد الذي يسمى مجازا بالسرد السينمائي، أو الفلمي. يشبه العمل الروائي فيه بالشريط السينمائي. يتابعه المشاهد دون توقف، لا يحيد بصره عنه. في الرواية كذلك؛ متابعة قرائتها، بسير متواصل ودون تشتت. هذا النوع من السرد لا يخلو من سلبيات أبرزها؛ صعوبة التكثيف، الابتعاد عن اللعبة اللغوية وانعدام تنوع مستويات السرد نفسه. ولأنها أختارت هذا النوع من السرد سقطت "الضالان" في بعض محظوراته. أراد سعيد التكثيف فجاء على حساب بطله عمر، ظلت شخصيته ناقصة التكوين، لا نعرف عنه الكثير، طفولته، ماضيه، أسباب هجرته الشخصية، تكوينه النفسي، انتماءه الفكري والسياسي. كل هذا المكونات الشخصية أحتاجت مساحة سردية أكبر عجز هذا الأسلوب عن توفيرها. وإذا أراد سعيد تحقيقها من خلال لمس خفيف لبعض جوانبها، وترك مهمة استكمالها على القاريء نفسه، كتلميحه الى سجنه في الحلة، عام 1963، والذي قد يفيد العراقي في إحالته الى أنقلاب البعثيين في ذلك العام والمجازر الرهيبة التي أرتكبوها بحق الشيوعيين واليساريين العراقيين، ولكن من الصعب بمكان ان يفهمها قاريء عربي من بلد أخر. كما ان طيبة عمر وشهامته وكل ما يفعله من أجل انتشال كاثي، الامريكية! من واقعها السيء، سيحتاج الى تفسير أكبر، حتى لا يبدو في نظر الكثيرين، كائنا مثاليا، هابطا من كوكب نقي أخر غير كوكبنا الأرضي.
الشرق والغرب
قضية أخرى تستحق التوقف وهي الموقف النقدي من المؤسسة الغربية. أراد سعيد تقديم رؤياه لهذا الواقع ولكنه كان يحتاج الى مساحة أكبر، ف"الضالان" لا تحمتل كل هذا الثقل، والتكثيف لا ينجدها، فلجأ الراوئي الى نظام الاشارات أو "الكودات" وصلت واقعا فيه الناس تعاني من؛ الحرمان العاطفي والتمزق الأسري، انتشار المخدرات بين الشباب والجريمة، العنصرية، حب المال والركض وراءه. ووصلت أيضا سلوك المهاجرين السلبي وازدواجية قيمهم وسلوكهم، ولم ينس التأثيرات السيئة للحادي عشر من سبتمبر على العرب والمسلمين، وقضايا أخرى غيرها. لقد كرس سعيد عمله، لتوصيل كم كبير من المواقف والقيم الأخلاقية الوعظية، التي اثقلت حوارات الرواية وأطالته. ولكن مرة أخرى تنقذ المهارة وأمتلاك الأدوات الكتابية، الرواية من السقوط في سطحية تامة، فتشهد صفحاتها الأخيرة تنقلات وتحولات كبيرة، صبت كلها في خدمة النهاية السعيدة التي أرداها محمود سعيد للضالين، بعد عودتهما الى حاضنتهما الانسانية الرحبة.




التعليقات