قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في المرة الأولى، قذفتني بتول الخضيري في ملهاة الحرب والإنسان، في روايتها الأولى الرائعة، "كم بدت السماء قريبة"، وحينها كنت قد تعرفت على بتول واستأنفت تلك الصداقة حين كنا غريبين في أمريكا، وكم أذهلني حضورها القوي في المحافل التي اشتركنا بها، وأدركت بعدها كيف يمكن لامرأة قوية مثل بتول الخضيري أن تعيد رسم الخرائط والأوطان كما يجب ان تكون لا كما يريد الآخر.
هذه القدرة المذهلة، ممتزجة بالخبرة الأكثر تكثفا تختزل نفسها بعنف في روايتها الثانية "غايب"، والتي كنت محظوظا بقراءة مخطوطتها والتيه في عوالمها الضيقة المحصورة في عمارة واحدة، شخصت فيها بشرا يأكلون ويتألمون ويضحكون ويموتون!!
عمارة واحدة فقط، رسمت حول أساساتها الخيالية، واقع وطن بكامله، و دونت يوميات الوجع اليومي بكل إرهاصاته، ونفذت ببراعة إلى داخل التفاصيل التي أقحمتنا في المشاعر والأحاسيس.
"غايب"، رواية على شكل قصة، وقصة على شكل نبض، فيها خلاصة تجربة ناضجة ومتراكمة، استطاعت فيها بتول الخضيري أن تشرح للقارئ بسلاسة ويسر ماهية "العيش"، ولامست شأنها شأن كل الروائيين والمبدعين أطراف المعضلة التي ندور في فلكها منذ كنا، وهي معضلة الحياة والسعادة، وأكاد أزعم ان بتول الخضيري عرفتني إلى بغداد التي توقفت معرفتي النظرية بها عند العباسيين وطبقات أدبائها التاريخيين.
هناك صورة أخرى لبغداد شكلتها بتول في ذهني، صورة حقيقية لمدينة تنبض كسائر المدن العريقة، ولها "حيواتها" التي تترافد كأنهار صغيرة لتصب في نهر كبير هو حياة بغداد.
لست ناقدا محترفا، لكن أزعم أني كاتب محترف، وحتى الآن أجهل أدوات الكتابة المبهرة التي تستخدمها بتول، لكن القارئ يشعر بتلك التلقائية والعفوية التي يجترحها قلمها في القلب، وكأنها تتحدث إليك مباشرة، بسردية تنساب ببساطة وبدون تكلف أو تعقيد، وتلك التفاصيل... نعم تلك التفاصيل التي تدهشك حين تمر بها عبر السطور، فتكتمل الصورة وربما لا تكتمل لكن التفاصيل تذهلك ، ولا تدري كيف؟
أعرف بتول الخضيري جيدا، ومن هنا أدعي أنني أعرف العراق جيدا، ولا أعرف كيف استطاعت بتول أن تختصر تاريخ آلاف الأعوام من الحضارة في كيانها الأدبي، لكنه العراق، ذات العراق الذي يجترح المعجزات، وذات بغداد التي كلما فاض أحد نهريها تلونت الدنيا بالحضارة.
[email protected]