قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

قبل وبعد الآن

(3-3)


لاخلاف على ان شفافيه المثقف وانسانية خطابه سيرقيان به نحو فضائات الابداع ويحميانه من جميع المؤثرات التي تحاول ان تعطل حسه النقدي الخلاق المجدي لمنح منجزه الابداعي سمة التواصل مع المتلقي في أي مكان وفي أي زمان. ولا احسب ان الشفافية تتشكل كطبيعة ابداعية من فراغ. بل يتطلب ذلك مخيلة نهلت من مرجعيات القراءة والاشتغال ما يؤهلها لانتاج خطاب انساني المعرفة ويتسم برؤية تنبؤية دائمة. تلك الرؤية ولاشك تفصح عن حس نقدي مرهف ويعمل بخفة وحكمة في بنية الخطاب لدعم المعنى بشفراته الخمس التأويلية والدلالية والرمزية والتخمينية والحضارية على رأي رولان بارت.
ولاشتراك البشر بالطبائع الانسانية في كل زمان ومكان. فان الخصوصية والمحلية لا ولن تقف عائقا امام المنحى الانساني للاثر الابداعي بل تكسبه غنى وثراءً اذا ما احسن المنتج قراءة ظروف اثره وتوفر على امكاناته الفنية للنزوح به نحو الفضاءات الاشمل. ولنا في الابداع العراقي تجارب عديدة خرجت من محليتها الى العالمية والانسانية الاعم. وانصع دليل على ذلك مطر السياب وجيكور و بويب. ان صدق المنتج في رؤيته وتعامله مع بيئة اشتغاله ونبل مراميه وحيادية موقفه ازاء الوقائع والتواريخ كفيل بولادة منجز مؤثر وموحي ويحمل اسباب جدوى قراءته دوما. ويمسي منتجه شاهدا اسطوريا على عصره ويخلد الاثر كخلود مدونات الالواح والرقم الطينية السومرية التي كشفت رغم قدمها عن حضارة ماكان بالامكان الافادة من رموزها ودلالاتها المعرفية لو بقيت مطورة ومنسية لحين. ولولا ان دعت الحاجة العلمية لمعرفة غبش الحضارة البشرية وبدأ المنقبون حملاتهم التنقيبية في ارض العراق ومصر واليونان وغيرها. تلك المدونات الحضارية كشفت عن ازلية الصراع الانساني مع الطبيعة ومع بني جنسه من اجل تحقيق امانيه وطموحاته الخيرة والشريرة . ان مأساة الدم البشري بدأت بالشر القابيلي لتمر بطغيان كلكامش والفرعون ونيرون وهتلر ليستمر مسلسل الدم والطغيان والعنف والارهاب مع الدكتاتوريين الصغار الذين استمدوا اسباب جبروتهم من ظاهرة عبادة الفرد الحاكم لدى المجتمعات البشرية وعلى امر العصور.
ان انهيار دكتاتورية العنف في العراق ولدت في المجتمع العراقي ظواهر عدة من اهمها انتقال العنف والارهاب الى الافراد والجماعات التي رأت في الفوضى الامنية فرصة ثمينة لتحقيق مآربها العدوانية والشريرة سواء تلك التي تعمل من وراء الحدود او التي تعمل في الداخل، ووجدت في العراق ساحة خصبة لتصفية حساباتها مع قوى داخلية وخارجية لانها افقدتها مصالحها وتوازنها وهي اذ تجد عناصر اخرى تعاني الجوع والبطالة وقصور الوعي، هذه الظروف الاقتصادية والامنية خلقت مجاميع طفيلية في المجتمع تتمظهر باشكال شتى وتفرض دكتاتوريات صغيرة جديدة على الشعب باغلبيته الصامتة التي تتمنى عودة النظام والقانون الذين يوفران لها الاجواء لبناء مؤسسات المجتمع المدني الذي تكفله المؤسسات الدستورية الجديدة. ومن هنا يأتي دور المثقف من خلال مؤسسات المجتمع المدني في تطوير ثقافة الدستور واحترام القانون ، باعتباره يمتلك وعيا متحضرا ضمن تركيبة اجتماعية معينة او من خلال منجزه الابداعي الرؤيوي والتنبؤي المتحرك. ويبدو لي هنا من الضروري ان اشير الى ما اعنيه ليس المفهوم الواسع للمثقف بل المشتغل على الانتاج الفكري والادبي. وهذا التحديد في الوظيفة او الدور، يستدعي بعض السمات او المبادىء التي يجب ان يتصف بها، وكذلك تحديد ملامح منجزه الابداعي او خطابه الثافي المؤثر والذي يلعب دورا مهما وفعالا في تحريك عملية التحول الثقافي نحو دولة الدستور المنشودة. فالمثقف بوصفه منتجا ابداعيا يجب ان يكون اصيلا باعتبار ان الاصالة منبع لا ينضب لاستمرار وتواصل خلقه الابداعي والمتمثل بحسه النقدي الحر ازاء مايحدث. أي ان يتكيف بمهارة في منفاه الابداعي الذي اختاره لنفسه بحرية تامة للمحافظة على قدرته على الاجتهاد من اجل التفرد بعيدا عن تاثيرات ومغريات التكيف والتدجين وليتواصل في تمتعه بدهشة المنجز. وتنبؤية الرؤية. وهذا يتطلب منه ان يظل على الدوام هاويا ويبتعد عن مزالق امتهان واحتراف ثقافته. وان لا يضحي بملكاته الابداعية تحت ضغوط سلطات الثوابت والاعراف للخبراء والمختصين والمحترفين. وان يبذل جهدا استثنائيا للسعي نحو تهشيم الآراء الجاهزة والمقولات القارية والتصفيرية التي تمنع الانسان من التواصل مع الفكر الانساني المتجدد، وتدفع به لخيانة موقفه الاخلاقي وذلك بتعاطفه مع المشاعر الجماعية والمصالح الطبقية كالطائفية والقومية والتناحرات ضيقة الافق وكل ما يفتت الروابط الانسانية الخيرة. وعليه ان يحافظ على توازنه ويقظته في عدم تقبل انصاف الحقائق والمفاهيم السلفية والضاربة في الجمود والتحجر. وان يتعامل بحذر شديد مع كل مغريات مؤسسات التدمير الثقافي وبالذات ( المافيات الثقافية ) التي تنبثق هنا وهناك والتي تفرزها المرحلة الانتقالية.
ان ماتقدم يتطلب من المثقف ان يكون جريئا في الاشتغال، واية جرأة ؟ الجرأة التي تفضي الى الحقيقة. وجرأة الحق هذه تستبطن جملة اسئلة عليه ان يجيب عليها ابان زمن الاشتغال، ومنها كيفية الافصاح عنها؟ هل بالمباشرة التي تجعل من منجزه سطحيا وبلا عمق ؟ ام غير ذلك ؟ واية جرأة حقيقية ؟ ولمن ؟ واين يمكن ان توجه ؟ وغيرها من الاسئلة. ان " الجرأة الحقيقية " ليس في التفاؤل المفرط والمثالية في والمغالات في الطرح بل هي تأمل عميق بخياراته المتاحة. ومن ثم انتقاء افضل البدائل وتمثله بحكمة ودراية لتحقيق ادق النتائج المرجوة لاحداث التأثير المطلوب للتغيير. كما ان تمتع المنجز بجدوى قراءته في كل الظروف يفرض على منتجه ان يكون انسانيا وشموليا في رؤاه، أي ان يجعل من ازمة منجزه المحلية والخصوصية اكثر شمولية وتتحرك نحو فضاء انساني وعالمي. وما مقولة ( اندريه جيد ) الشهيرة ( كلما اشتد حرص الكاتب على الخصوصية انفسح امامه الطريق ليصبح عالميا ) الا دليلا واضحا على اهمية الخصوصية المحلية والتأريخية وليس الذاتية والمثالية ليتمتع منجز المبدع بالعالمية والانسانية الاشمل.
اما فيما يخص اهم ملامح الخطاب الثقافي لمرحلة التحول من دولة الخوف الى دولة الدستور هي تمتعه بلغة خاصة تبعث في المتلقي شعورا بانسانيته وعلاقته الحميمية بالكون الذي يعيش فيه، بمعنى اخر تحرك المنجز اللانهائي صوب أي مستوى لترسيخ المعنى في اللحظة المناسبة. وبالتحول المستمر والواعي للمعاني الحقيقية الى معاني افتراضية او مجازية من خلال تحول علامات المدلول في زمن معين الى دوال في زمن آخر وهكذا. وذلك يتم عن طريق المحاولة المستمرة للتحرر من وصايا السائد والمألوف للجنوح بالمخيلة نحو اللانهائي والمطلق، اخذين بنظر الاعتبار صعوبة التعامل مع المتلقي المعاصر في علاقته التواصلية مع التطورات التقنية والعلمية وعزوفه الملحوظ عن العلوم الانسانية. ويمكن لنا تحديد مهمة المبدع خلال زمن الاشتغال هو تحرير عوالم منجزه من قيودها واعادة تشكيلها والمساهمة في تحريض بؤر الانشطار فيها. وهذا يستدعي توفره على ذاكرة حية تستبعد القرارات والحدود وثبات الالوان وتهوى اللغة الام الحقيقية وتعدد الالوان والمتغيرات الجذرية والتنبؤات الكبيرة والاصالة والاخلاص ولا تهوى اللغة المنبرية والدعائية ولا التسطح المخجل والنفعي، ولا التشابه والمحاكاة المكررة ولا الزيف والتشويه. ولا سلطة المؤسسة النقدية. المنجز الجديد هو المنجز المتحرر من صلبان المنجز القديم ولا يتوافق مع الضوابط والاحكام والمقاييس والخانات بل يتوافق مع القوى الجديدة الطافحة بالامل من اجل تفجير طاقاتها التواقة للتفرد، بعيدا عن الافكار الشمولية والمغلقة. منجز يتمتع بعافية قراءة عميقة لمرجعياته واصوله المعرفية. ويهدف للانبعاث الدائم الحركة لكي ينسجم مع ازلية الخير والانهار والبراعم والهواء النقي، حركة تفتح آفاقا اخرى للمحبة والنور، آفاق رحبة تمنح الانسانية اسرار بروقها وانشطاراتها الجذرية وكل ما يمنحها حيويتها وطفولتها الدائمة. وبعد فهو منجز مكتنز بجدلية النقض في حركته الدورانية ويمتلك قدرة ذاتية على التوسع والانفتاح دون الركون الى مستوى الوهم بالكمال ( لان فيه التلاشي والفناء ) بل يحث خطى القلق الدائم والتشكيك المستمر والمغامرة في المناطق الاكثر وعورة وخطورة والبعيدة عن مجسات الاكتشاف وعن معاول التنقيب.
وفي نهاية المطاف هل يحق لنا الادعاء باننا احطنا بكل ملامح المنجز الجديد والمتطور والتي تكسبه ميزة الحداثة والتفرد ؟ الجواب كلا. وهل يمكننا الادعاء بان مثل هذه الملامح هي للمنجز او الخطاب الثقافي لمرحلة التحول من دولة الخوف الى دولة الدستور ؟ الجواب كلا قطعا. لانها ملامح الخطاب الثقافي لكل عصر واوان كيما يتحلى باسباب خلوده ويتمتع بجدوى قراءته من قبل التلقي، غير اننا نجزم باهميتها للمنجز كيما يتجاوز المرحلة بمخاضاتها وتداعياتها الخطيرة التي تغري المثقف بما يراه مناسبا للمساهمة فيها. غير ان هذه المساهمة قد تدفعه للتضحية ببعض ملامح منجزه الفنية من غير قصد. مراعاة لظروف المرحلة والتي من اهم مميزاتها الفوضى واختلاط الاوراق ومتاريس الصراعات وفخاخ التحين وانتهاز الفرص. وقد ينبري تساؤل. أين نحن من دولة الدستور ؟! والجواب. ان دولة الدستور هي مشروع حضاري لا تحاربه الا العقول المغلقة والكسولة والتي لا تمتلك قدرة على التفكير والمساهمة في صنع القرار والعقول القارية التي تجد في الحوار وتبادل الرأي منطقة خساراتها وفقدانها لسلم الوصول الى مصالحها الذاتية. فترفع سلاح القتل والارهاب والعنف بشتى ضروبه ومسمياته القديمة والجديدة. غير ان الحياة بطبيعتها في النهاية لا تنتصر الا للاصلح الذي له في التاريخ عظة، وفي الاتي فسحة ضوء تنير له المسالك نحو الابداع والخلق.


الكاتبمسرحيّ وشاعر وناقد يعيش في مدينة الناصرية. عمل في فرقة المسرح الفني الحديث ببغداد في السبعينيات.نشر قصائده ومقالاته النقدية في الصحافة العراقية والعربية المختلفة.