قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

من حب الحياة إلى الرغبة في الموت

ترجمة وإعداد د. أشرف الصباغ: "الحديث هنا يدور حول ملاحظات وتسجيلات الأمير البولندي يولي ستروتينسكي. وإذا كان من الضروري التعامل معها بحذر شديد، فلا ينبغي أن نطرحها جانبا مثل الأسفار الدينية الكاذبة، فهذا ما ليس له أي أساس من الصحة"-كتب هذه العبارة الأخيرة المترجم والناشر والشاعر الروسي فلاديسلاف خوداسيفيتش الذي قام بنشر ملاحظات وتسجيلات ستروتينسكي في جريدة "النهضة" باريس في 18-19 فبراير 1938. وتحليل ملاحظات وتسجيلات ستروتينسكي الذي قام به خوداسيفيتش عمل في غاية الأهمية. علما بأن مقال خوداسيفيتش ومذكرات ستروتينسكى لم تنشر إطلاقا في وسائل الإعلام السوفيتية وما بعد السوفيتية. وهنا نقدم نص ملاحظات وتسجيلات ستروتينسكى على نحو مقتضب.
ويفيد خوداسيفيتش أيضا: "كان الأمير يولى ستروتينسكي المولود عام 1810 هو آخر فرع في أسرته التي كانت تنتمي إلى شرائح الأرستقراطية البولونية. في عام 1829 التحق بفيلق سلاح الخيالة، وفي الثلاثينات تردد الضابط الشاب أكثر من مرة على موسكو حيث كانت ابنة عمه متزوجة من الأمير ب. س. جاليتسين. وفي إحدى تلك السفرات تعرَّف إلى بوشكين وكان له معه حديث طويل. وقام بعد ذلك بوضع هذا الحديث في أحد المجلدات الكثيرة التي خصصها لمذكراته التي نشرت في مدينة كراكوف عام 1873 تحت الاسم المستعار يولي ساسا. وبعدها بخمس سنوات مات تاركا وراءه، إضافة إلى المذكرات، عشرات المجلدات من السرد والشعر التي تشهد على موهبة فنية متواضعة، وفي ذات الوقت تشهد على مستوى التعليم الراقي للمؤلف. بعد وفاته خيَّم عليه النسيان تماما، وفقط منذ فترة غير بعيدة قام ج. توروبوفسكي بنشر أحاديثه وتسجيلاته مع بوشكين في جريدة "أخبار الأدب" الأسبوعية. ولكن المؤلف نفسه لا يشير بدقة إلى التاريخ الذي دار فيه هذا الحديث. أما ج. توروبوفسكي، على أساس إشارات غير حقيقية، ينسب الحديث إلى أحداث عام 1830".


* * *


الشاعر والقيصر: بوشكين ونيكولاي الأول

"في إحدى تلك الحفلات المذكورة تعرَّفتُ إلى بوشكين. أما التي وضعت الأسس الأولى لتعارفنا، فهي الشاعرة كارولينا يانيش التي كان يعطيها ميتسكيفيتش دروسا في اللغة البولونية، والتي ترجمت بعض أعماله إلى اللغة الألمانية. قامت بتقديمي إلى بوشكين، وقالت بعض عبارات الإطراء كي تثير اهتمامه نحوى. ونظرا لطبيعة هذا الإنسان التي يتساوى فيها الرفق المتأدب والمجامل مع قوة الموهبة وفطنة الكبرياء الباردة (التي تميِّز إما الشخص الأحمق، أو الشخص ذو الكبرياء الحقيقي) والتي لا تتعارض جميعها مع الرقة والرفق، استطعنا أن نتقارب بسرعة. وقد رأيتُ بنفسي كيف كان يحاول النزول إلى مستواي، ويحاول التخفيف من عبقريته وتكييفها من أجل أن أفهمه، ومن أجل أن يعطى علاقتنا طابع الدماثة واللطف والوداعة التي تميِّز علاقة رجلين متكافئين، سلافي وسلافي، إنسان وإنسان lt; … gt;
قال بوشكين:
-الشباب: سخونة، حمى، تهور، مصيبة. وعادة ما تكون أفكار الشاب وإيماناته ومعتقداته نبيلة وشريفة، بل وحتى سامية بالمعنى الأخلاقي، ولكنها كثيرا ما تقود إلى الحماقة الكبرى، ومن ثم إلى الإثم الكبير. ولعلكم تعرفون ذلك الأمر بلا شك، حيث كتبوا وتحدثوا كثيرا عنه، وهو إننى ليبرالي وثوري وأمارس العمل السري-وباختصار، أحد أشد الأعداء الألداء لنظام الحكم الملكي، وخاصة الملكية المطلقة وحكم الفرد. أنا كنتُ فعلا كذلك. لقد أسس التاريخ اليوناني والروماني في وَعْىِّ نموذجا عظيما وجليلا لشكل الحكم الجمهوري المزخرف بهالة الحكماء العظام، والفلاسفة، والمُشَرِّعين، والأبطال. كنتُ مؤمنا بأن شكل الحكم هذا-هو الأفضل تماما.
إن فلسفة القرن الثامن عشر التي وضعت نصب عينيها هدفا وحيدا: حرية الإنسان، وحرية الشخصية الفردية، واتجهت نحو هذا الهدف عبر النفي القاطع لجميع القوانين السياسية والاجتماعية السابقة، وانطلقت بسخرية واستهزاء شديدين من كل ما كان سائدا ومرضيا عنه طوال القرون السابقة، ومبجلا من جيل إلى جيل-فلسفة الموسوعيين تلك، التي منحت العالم أشياء كثيرة جيدة، ولكن بدون مقارنة منحته في ذات الوقت أشياء حمقاء ومجنونة أكثر… تلك الفلسفة أصابتني أنا بأضرار كثيرة. فالنظرية المتطرفة للحرية المطلقة التي لا تعترف بأية قوة أخرى فوقها لا في الأرض ولا في السماء، والتفرد الذي لا يعترف بالمبادئ والتقاليد والعادات والأسرة والشعب والدولة، والنفي التام لأي إيمان بالحياة الأخرى للروح ولكل الطقوس الدينية والأشياء الدوجمائية-كل ذلك كان يملأ رأسي بالأحلام الفوضوية البرَّاقة والمغرية، والسرابات، والمُثُل العليا التي تاه عقلي بينها وأصابه الارتباك، ومن ثم وَلَّدَ فيَّ بدوره أفكارا ونوايا حمقاء. lt; … gt; ولكن لكل شيء نهايته، ولكل شيء أيامه. لقد غيَّر الزمن حماقة الشباب المحمومة وهراءه. وطارت جميع التصرفات الصبيانية، وتلاشى كل ما هو تافه وغير ضروري. لقد بدأ القلب يتحدث مع العقل بكلمات المكاشفة السماوية والمفاتحة الإلهية، وفجأة بدأ العقل، الذي استمع إلى النداء المنقذ، يثوب إلى نفسه ويصحو ويهدأ ويطمئن. وعندما نظرتُ حولي بتمعن وتوغلتُ في عمق المرئي-أدركتُ أن ما كان يبدو حقيقة إلى الآن هو مجرد باطل وضلال. أما الأهداف التي وضعتها نصب عينيَّ فقد تهددت بالجريمة والسقوط والعار! لقد أدركتُ أن الحرية المطلقة غير المحكومة بأي قوانين إلهية أو مبادئ اجتماعية، تلك الحرية التي يحلم ويثرثر بها الأطفال والمراهقون والمجانين، أمر غير ممكن. ولو كانت هذه الحرية ممكنة، فسوف تكون مدمرة لكل من الشخصية الفردية والمجتمع على حد سواء. وأنه بدون السلطة القانونية التي تسهر على الحياة العامة للشعب لِمَا كان هناك وطن أو دولة بقوتها السياسية ومجدها التاريخي وتطورها، ففي دولة مثل روسيا حيث عناصر الدولة غير المتجانسة واتساع المساحة وجهل الشعب (وجهل طبقة الملاك أيضا!)، تطالب الجماهير بالتأثير الموجِّه القوي-في مثل هذه الدولة يجب أن تكون السلطة مُوَحِّدة وقادرة على هرمنة الشعب وتربيته، وأن تظل لفترة طويلة ديكتاتورية، أو خاضعة لحكم الفرد الواحد lt; … gt;. وبالطبع، فهذا الإطلاق، وهذا الحكم الفردي المطلق للفرد الواحد الذي يكون فوق القانون، لأنه هو الذي يسن هذا القانون وينفذه، لا يمكن أن يظل المعيار الوحيد الثابت الذي يحدد المستقبل من دون تغيير. إن الحكم الملكي المطلق حتما، ولا بد أن يتعرض للتغير التدريجي، فهو لن يقتسم أبدا سلطته بالمناصفة مع الشعب، ولكن ذلك لن يحدث هكذا بسرعة، لأنه لا يستطيع أن يحدث بسرعة، ولا يجب أن يحدث بسرعة lt; … gt;
وأذكُر أنه عندما أبلغوني بأمر القيصر أن أقف بين يديه، أصابني اكتئاب مفاجئ-ليس فزعا، لا!-ولكنه شيء ما شبيه بالكراهية والحقد والغضب والقرف lt;…gt; ولكن ماذا في ذلك؟ كل تلك الأحاسيس تشتت وطارت مثل فقاقيع الصابون، تلاشت في اللاوجود مثل رؤا الأحلام، عندما ظهر لي وتحدث معي. وبدلا من الطاغية المتغطرس والحاكم الفرد الصارم والجبار، رأيتُ أمامي وجها نبيلا وهادئا تماما لحاكم يتسم بالفروسية والجمال والنبل. وبدلا من كلمات التهديد الفظة المتوحشة اللاذعة والإهانات، سمعتُ عتابا متسامحا تم التعبير عنه بشكل رقيق وعطوف، حيث قال لي الإمبراطور:
-كيف؟ أنت عدو لقيصرك؟ أنت الذي ربته روسيا ومنحته المجد؟ بوشكين، بوشكين! هذا ليس جيد، هذا لا يجوز!
-انعقد لساني من الدهشة والقلق، وتجمدت الكلمات على شفتيَّ. صمت القيصر، وبدا لي أن صوته الرنان بقى يرن في أذنيَّ مستميلا إياي إلى الثقة والإخلاص، داعيا إلى اليقظة والثواب إلى الرشد. ومرت اللحظات وأنا لا أرد.
-لماذا لا تتكلم؟ أنا أنتظر؟!-قال القيصر ونظر إلىَّ في تمعن.
-أيقظتني هذه الكلمات، وفعلت تلك النظرة فعلها أيضا. وأخيرا ثُبتُ إلى رشدي، وأخذتُ نفسا عميقا، وقلتُ في هدوء:
-أنا مذنب، وأنتظر العقاب.
-أنا لم أعتد التسرع بالعقاب!-أجاب الإمبراطور في صرامة-لو استطعتُ أن أتفادى هذا التصرف المتطرف سأكون سعيدا. ومع ذلك فأنا أطلب الرضوخ الكامل والطاعة المخلصة لإرادتي. أنا أطلب منك ألا تجبرني أن أكون صارما معك، وأن تساعدني لأن أكون متسامحا معك ورحيما بك. أنت لم تعترض على عتابي لك بأنك معاد لقيصرك-قل لي إذن لماذا تعاديه؟
-سامحوني جلالتكم، إذا لم أجب عن سؤالكم في الحال، لعلني أترك لكم فرصة للتفكير فـي أمري. أنا لم أكن أبدا عدوا لقيصري. لم أكن، على الإطلاق، عدوا للملكية.
lt;…gt; جلالتكم-أجبتُ-بالإضافة إلى صيغة الحكم الجمهوري التي يمكن أن تعوق تحقيقها ضخامة روسيا واتساعها وعدم تجانس سكانها، توجد صيغة سياسية أخرى وهي الملكية الدستورية.
-هذه الصيغة صالحة للدول التي أصبحت متحققة بشكل نهائي-قاطعني القيصر بنبرة يقينية واثقة-وليس لتلك الدول التي ما زالت على طريق التطور والنمو. إن روسيا لم تخرج بعد من مرحلة الصراع من أجل الوجود. إنها لم تصل بعد إلى تلك الظروف التي يمكن من خلالها تطوير الحياة والثقافة الداخلية. إنها بعد لم تصل إلى موقعها السياسي المنوط بها. إنها بعد لم تصل إلى تلك الحدود الضرورية لعظمتها وضخامتها. إنها بعد ليست ذلك الجسد الكامل المتجانس الموجود لسنوات طويلة. فهي ما زالت تتكون من مجموعة من العناصر التي لا تزال غير متوافقة مع بعضها البعض، ولا يمكن أن يقرِّبها من بعضها ويصهرها سوى الحكم الملكي الفردي-أي إرادة الملك الواحد القوية وغير المحدودة. بدون هذه الإرادة لن يوجد تطور أو هدوء ، وأية هزة بسيطة يمكنها أن تهدم وتطيح بهيكل الدولة. (وبعد فترة صمت) لعلك تعتقد أنني عن طريق الملكية الدستورية في المستقبل يمكنني أن أحطِّم رأس الثعبان الثـوري (هيدرا) الذي أرضعتموه أنتم ذاتكم واحتضنتموه يا أبناء روسيا؟ لعلك تعتقد أن سحر ومهابة السلطة الملكية الفردية التي منحها الرب ليَّ لا يمكنها أن تساعد على المحافظة والإبقاء على بقايا الحرس وشكم وقمع الرعاع وقطَّاع الطرق وعدم السماح لهم بشق عصا الطاعة، وجعلهم دوما طوع الامتثال والطاعة، وهم الذين على استعداد دائم للاغتصاب والعيث فسادا والسرقة والتخريب واستخدام العنف؟ كل تلك الأشكال لم تجرؤ على الوقوف ضدي! لم تجرؤ! لأن القيصر الحاكم الواحد كان دوما بالنسبة لها ممثل الإرادة الإلهية وخليفة الله في الأرض، ولأن هذه الأشكال تعرف جيدا أنني أدرك حجم المسؤولية الضخمة الملقاة على عاتقي، وأنني لستُ ذلك الإنسان الذي لا يمتلك إرادة أو عادات وتقاليد قديمة وراسخة، والذي يمكن أن تطيح به العواصف أو تخيفه الرعود!
عندما كان يتحدث، بدا ذلك الإحساس الذاتي بالعظمة والقوة وكأنه قد صنع منه إنسانا ضخما للغاية. كان وجهه صارما وعيناه تلمعان. ولكن ذلك لم يكن ينم عن الغضب، لا! كان في تلك اللحظة غير غاضب، ولكنه كان يجرب lt;…gt; أو يقيس قوة المقاومة، ويصارعها ذهنيا. وبالفعل انتصـر عليها. كان لديه كبرياؤه، وفي ذات الوقت سعيدا من الداخل. ولكن سرعان ما هدأت ملامح وجهـه ولانت، وانسحب البريق من عينيه. وراح مرة أخرى يتجوَّل في الغرفة، ثم توقَّف ثانية أمامي، وقال:
-أنت لم تقل كل شيء بعد. أنت بعد لم تنظف تماما أفكارك من الحماقات والضلالات. أ ليس من الممكن أن يكون هناك شيء ما يرزح على قلبك، يقلقه ويعذبه؟ اعترف بشجاعة. أنا أريد سماعك، وسأستمع إليك.
-جلالتكم-قلتُ له برقة وتعاطف-أنتم حطمتم بالفعل رأس هيدرا الثورية. لقد قمتم بإنجاز عظيم-من يجادل في ذلك؟ بيد أنه… هناك هيدرا أخرى، وحش بشع ومدمر. وهو الذي يجب أن تصارعوه وتناضلوا ضده، وتقضون عليه، لأنه سيقضى عليكم إذا لم تفعلوا ذلك.
-تحدث بشكل أوضح!-قاطعني القيصر وهو مستعد لالتقاط كل فكرة من أفكاري-هذه الـ "هيدرا"، هذا الوحش-قلتُ مواصلا حديثي-هو استبداد وتعسُّف السلطات الإدارية، فساد الموظفين وشراء ذمم القضاة. ستبقى رقبة روسيا تحت منجل هذه الـ "هيدرا" وابتزازاتها وعنفها ونهبها، وهي التي إلى وقتنا هذا تستهزئ حتى بالسلطة العليا. لم يبق هناك مكان واحد في الفضاء الشاسع لهذه الدولة لم تمتد إليه يد هذا الوحش المفترس lt;…gt; فما المدهش هنا lt;…gt; إذا قامت الجماهير الغاضبة والمُهانة والمُعَذَّبَة برفع راية المقاومة وإشعال النيران، والعصيان والمظاهرات والاضطرابات من أجل تدمير ما هو موجود، وإقامة ما يجب إقامته: بدلا من الجور والظلم-الحرية، وبدلا من العنف والقمع-الأمن، وبدلا من المأجورية-الأخلاق، وبدلا من التعسف والاستبداد-القانون الذي يعلو فوق الجميع، ويتساوى الكل أمامه! أنتم، جلالتكم، يمكنكم أن تدينوا تطور مثل هذه الأفكار وامتداداتها وعدم قانونية أو شرعية الوسائل المُتَخَذَة لتحقيقها عن طريق الجسارة والوقاحة المفرطة في استخدام تلك الوسائل، ولكنكم لا تستطيعوا ألا تعترفوا بأن فيها انفعال نبيل! أنتم تستطيعون وتملكون الحق في معاقبة المذنبين الذين يريدون أن يمرغوا عرش أسرة رومانوف، ولكنني واثق تمام الثقة بأنكم حتى عندما تعاقبونهم، فأنتم في قرارة نفسكم لا ترفضون التعاطف معهم والإحساس بهم، واحترامهم! أنا واثق أنه إذا كان القيصر يمكنه أن يعاقب، فإن الإنسان بداخله سوف يصفح ويسامح!
-كلماتك جريئة وشجاعة!-قال القيصر في صرامة، ولكن بدون غضب-إذن فأنت راض وموافق على الاضطرابات والعصيان؟ وتبرر التآمر ضد الدولة؟ والاعتداء على حياة القيصر؟
-أوه، لا، جلالتكم-صحتُ من شدة القلق-لقد بررتُ فقط هدف الفكرة وليس وسيلتها! لدى جلالتكم القدرة على النفاذ إلى النفس-فأرجو أن تتكرموا بالنفاذ إلى نفسي وسوف تقتنعون بأن كل ما فيها نقي وواضح! ففي هذه النفس لا يعشش الانفعال الشرير أو النوايا السيئة، ولا تتوارى خلفها الجريمة!
-أريد أن أصدِّق أن الأمر كذلك فعلا، وسوف أُصَدِّق!-قال القيصر بشكل هادئ وأكثر رقة ولطفا-ليس لديك أية نقيصة، لا في نبل الأفكار ولا في الأحاسيس، ولكن ينقصك حسن التقدير والحصافة والخبرة والتعليل والرسوخ lt;…gt; يلزمنا توحيد جميع القوى الروحية العليا للدولة في فكرة واحدة عظيمة ورائدة، يلزمنا توحيد جميع الجهود في الحرص والغيرة على سعي واحد محمود يستحق الثناء من أجل إشاعة احترام الذات بين أفراد الشعب، وترسيخ الإحساس بالإخلاص والشرف في المجتمع. فليتحد حولي كل الناس المخلصين والقادرين، وليثقوا بي، ويسيروا بثقة في الذات وبسلام إلى هناك حيث أقودهم-وسوف تُهْزَم هيدرا! وسوف تنهار وتتلاشى الغرغرينا التي تمزق أوصال روسيا! لأن الانتصار لا يتحقق إلا بالجهود المتكاتفة، والإنقاذ لا يحدث إلا بوفاق القلوب النبيلة! لم يعد هناك شيء بخصوصـك يا بوشكين… أنت حر طليق! سأنسى الماضي-بل وقد نسيته فعلا! أنا لا أرى أمامي مجرما في حق الدولة-لا أرى سوى إنسان يملك قلبا وموهبة، أرى مغني الشعب ومُنْشِد مجده الذي يحمل رسالة سامية-من أجل أن يلهب أرواح المخلصين، ومن أجل الإنجازات العظيمة! والآن… يمكنك أن تنصرف! وحيثما تذهب، وحيثما تعيش (إذ أن الاختيار يتوقف عليك أنت)، تَذَكَّر ما قلتُه لك، وكيف تصرفتُ معك. اخدم الوطن بأفكارك وبكلمتك وبقلمك. اكتب من أجل المعاصرين، ومن أجل الأحفاد. اكتب بكل ما تملك من وحى وإبداع وبحرية مطلقة، لأن رقيبك سوف يكون، أنا!
هذا هو جوهر حكاية بوشكين. أغلب المواضع الهامة انطبعت بقوة في ذاكرتي، وأوردتها تقريبا بالحرف الواحد. فهل أعماله التي جاءت بعد ذلك حصلت فعلا على تصريح من القيصر، أم أنها رُفِضَت بشكل طبيعي من قبل نقاد لجنة الرقابة؟! لا يمكنني أن أؤكد بشكل قاطع. لم يطرأ على ذهني أن أسأل بوشكين عن ذلك. وسوف يفهم القارئ ذلك بسهولة في حالة إذا ما تكرَّم وتَذَكَّر أنني آنذاك كنتُ صغير السن، وأن هناك موضوعات أخرى أكثر أهمية كانت تجذب فضولي وقتها".


الشاعر وأبناء الأرملة: "قبلني الماسونيون في 4 مايو"
إن تاريخ علاقة تعاون بوشكين مع "أخوية البَنَّائين الأحرار" لم يكن أبدا بسيطا أو سهلا، وإنما كان تاريخا طويلا ومعقدا. ولم يستطع صديقه القديم، الأمير بيوتر فيازيمسكي الذي كان عضوا في أحد أجنحة وارسو (حيث يوجد حاليا اعترافه الشخصي بذلك)، أن ينهى هذا التاريخ إطلاقا حينما وضع القفاز الذي يصاحب الطقوس الماسونية في تابوت الشاعر المقتول كعلامة وداع "أخ" لـ "أخيه". هنا توجد، كما في السابق، العديد من الألغاز والأسرار والأساطير على الرغم من الكتابات الكثيرة في هذا الموضوع، وخاصة في السنوات الأخيرة. إن وجود كتابات كثيرة في هذا الموضوع أمر جيد بالطبع، ولكن غير الجيد هنا هو أمر آخر: وهو أن الموضوع العلمي العادي جدا "بوشكين والماسونيون" يتم فهمه والتعامل معه بشكل انفعالي خالص، أي بشكل غير علمي وغير تاريخي. فحول هذا الموضوع تكوَّنَت ميثولوجيا كاملة، من جانب الماسونيين والمناهضين للماسونية على حد سواء، ضربت ستارا حديديا من التعتيم على الجوهر الحقيقي والواقعي للأمر. هنا قيلت آراء وأفكار قاطعة، بيد أنه لا يوجد سوى القليل من الوثائق والمستندات الجديدة والموثَّقة التي عُثِر عليها، والقليل أيضا من الوقائع والحقائق. والأمر الرئيسي هنا-هو الفهم الموضوعي والعلمي لهذه المستندات والحقائق. بالإضافة إلى أنه لم يتم بعد تحديد الأمـر الرئيسي-مكانة الماسونية في تاريخ الثقافة الروحية الروسية. وقد كان بوشكين وليد كل هذه الثقافة ووريثها في آن واحد حيث دخلت فيها ماسونية القرن الثامن عشر كجزء أساسي هام وكمصدر رئيسي للأفكار الإبداعية والفلسفية. والحديث يدور هنا حول كلية أو شمولية النظر إلى العالم، وكلية إدراكه، وفلسفة الحياة أيضا.
كانت الماسونية أحد الأساليب الوضعية والمؤثرة للغات الثقافية في العصر ما قبل البوشكيني والبوشكيني الذي لم يُسَلِّم أو يرضخ للرومانتيكية، والذي لم يكن يمكنه أن يمر هكذا أو يتخطى الشاعر والمفكر الوطني. إلى جانب كل ذلك، فالماسونية بطبيعتها وأهدافها كانت منذ البداية تمثل ظاهرة أممية، ومن ثم مَثَّلَت مرحلة أو عصرا في التاريخ العالمي وفي الثقافة العالمية، وكان هذا الوضع معروفا بشكل جيد لبوشكين، وظل على الدوام يجذب اهتمامه. والأهم أنه كان يرى في "أخوية البنَّائين الأحرار" السرية، وفى حلقة نيقولاى نوفيكوف، أسرة تضم الناس الأصلاء والموهوبين والمخلصين. أما الذي كان يثير القلق لدى بوشكين، فهو الازدواجية، والمصير التراجيدي، والأفكار الواضحة المُصَادَرَة، وشخصيات عصر التنوير، بينما كانت الماسونية الروسية هي الرد الفلسفي على "غرور الفكر" في القرن الثامن عشر. ولا ينبغي هنا أن نحوِّل هذه القضية العامة إلى عملية بحث وتنقيب، أو إلى نفي التأثير الأدبي، أو التفتيش في الحياة الشخصية.
كان هناك اهتمام واضح وضخم ودائم من جانب بوشكين، وطوال حياته، بالماسونية. لن نتحدث كثيرا عن الحقيقة المعروفة بأن والده وجده فاسيلى لفوفيتش كانا عضوين في أخوية البنائين الأحرار، وبأن أفكار الأخوية، وكتب ومجلات نيقولاى نوفيكوف وإيفان لوبوخين، ومطبوعات ألكسندر لابزين وبلاتون بيكيتوف، كانت جميعها تحيط بالصبي الصغير، وكان يتم تقبلها والتعامل معها كميراث وكجزء من الحياة الثقافية للأسرة. وفي برنامج ملاحظات السيرة الذاتية تم الإشارة إلى: "الأفكار الفلسفية-مارتينيزم". في ذاك العام تقدم الصبي بوشكين (بناء على نصيحة الماسوني ألكسندر تورجينيف) للدراسة في الكلية القيصرية الريفية التي تأسست بناء على فكرة الوزيرين الماسونيين ميخائيل سبيرانسكي وألكسى رازوموفسكي تحت قيادة المدير فاسيلي مالينوفسكي مؤلف مجموعة الرسائل التي لم تنشر بعد كاملة عن "العالم السرمدي" (وهو واحد من أهم الموضوعات الماسونية التي كان بوشكين يهتم بها على الدوام، والتي كتب عنها عام 1821 بتفهم عميق وكامل لجوهرها)، والأساتذة الذين انتموا إلى أخوية البنائين الأحرار بالاشتراك مع من أطلقوا على أنفسهم "أبناء الأرملة"، أي أبناء الطبيعة المترملين ليلا بدون شمس والذين ينتظرون النور والبعث.
تلك الكلية التي تم إعدادها لكي تصبح معملا لتفريخ الصفوة الماسونية ومركز تجمعها، كانت وليدة، وجزء من تلك الظاهرة الفريدة التي يمكن أن نطلق عليها الصوفية التنويرية لعصر ألكسندر. هنا اتسعت بشكل هائل جدا، أمام بوشكين، دائرة المعارف الماسونية-بداية من بيوتر تشادايف ونهاية بألكسندر جريبويدوف. وبدأ تأثير الوسط عليه، وصارت أفكار الأخوية هي القوة المحرِّكة ليس فقط بالنسبة للأفكار السياسية، وإنما أيضا في الأدب. وبالتالي كان من البديهي تماما أن يحاول الشـاب الانتماء، في سبتمبر عام 1818، إلى جناح "الفضائل الثلاث"، وهي المنظمة التي تم تسييسها كليا وأصبحت في يد الديسمبريين-"المتآمرين".
لم يُكتب لهذه المحاولة التوفيق لأسباب غير معروفة بعد. ولكن بوشكين لم يتراجع عن تلك الفكرة. وفي عام 1821 كتب: "قبلنى الماسونيون في 4 مايو". ومن المؤسف أن المعلقين لم يتناولوا أو يفسروا تلك الكلمات الهامة والخطيرة للشاعر ذي الاثنين وعشرين عاما، والذي تم قبوله فقط كـ "تلميذ" في المرحلة الأولى كما هو منصوص عليه في ماسونية "يوحنا". ومن ثم أصبح بإمكانه الاشتراك فقط في الاجتماعات الدراسية-التعليمية للجناح، وفي تلك الفترة كان أصدقاؤه المؤثرين من أمثال الجنرال بافل بوشين وميخائيل أرلوف وسيرجى كوتشكوف في مستويات أعلى، وكانوا يجتمعون في جناح الأستاذة. ولكن يبدو أنهم نسوا القَسَم الماسوني ( كان هذا القَسَم يتضمن كلمات فظيعة "في حالة أقل خرق لالتزاماتي، أُعَرِّض نفسي للإطاحة برأسي، وإخراج قلبي ولساني، وانتزاع أحشائي الداخلية وإلقاؤها جميعا في قاع البحر، وأن يُحرَق جسدي بعد ذلك ويُنثَر رماده في الهواء")، ونسوا أيضا أنه بعد النطق بتلك الكلمات العتيقة التي عفا عليها الزمن يجب أن يختموا لسان الشاعر بالختم المعدني: "ختم التواضع السليماني". بعد ذلك لم يكن هناك طريق للرجعة من تلك الحلقة "الأخوية". ولكن هل تم مراعاة جميع تلك القواعد والحفاظ عليها أثناء قبولهم لبوشكين في الجناح؟
دار الحديث أيضا عن جناح كيشينيوف المسمى بـ "أوفيدي" الذي ظهرت حوله مجموعة من المخاطبات والمكاتبات الرسمية بين كبار موظفي الإدارة العسكرية بمشاركة غير معلنة من الإمبراطور ألكسندر الأول شخصيا. والوثائق والمستندات التي نشرت، وخاصة رسائل الجنرال الماسوني إيفان إنزوف، تسمح لنا بالتأكيد على أن محاولة بوشكين هذه في الانتماء إلى أخوية البنائين الأحرار قد انتهت بالفشل. ففي قوائم أعضاء الجناح لم يكن اسمه موجودا. كما أن "الكراسات الماسونية" الشهيرة الخاصة بالشاعر، والتي خصصها للنصوص الطقوسية للجناح، بقيت غير كاملة. وكلمات الشاعر "أتجادل مع أرلوف"، وشهاداته الأخرى، والاختلافات، والصدامات مع الماسونيين "الجنوبيين" توضح أن الأخوية رفضت بوشكين في صمت، وأعلنت له بصراحة، كما حدث في سانت بطرسبورج، عن عدم ثقتها به.
لم يكن جناح "أوفيدي" مدرجا أو مسجلا بشكل رسمي في الجناح الرئيسي الأكبر-الجنـاح الأم "أستريا"، ولم تكن اجتماعاته، التي كان يحضرها بوشكين، قانونية أو طقوسية من حيث الجوهر. وعلى هذا النحو لم يمارس بوشكين النشاطات الماسونية في جناح "أوفيدي". وبالإضافة إلى المستندات والوثائق المعروفة يمكننا التوجه إلى أرشيف البوليس السري. ففي بلاغ رسمي من رئيس الجناح الأم "أستريا" فاسيلي موسين موجها إلى مدير وزارة الداخلية (وهو ماسوني أيضا) فيكتور كوتشوبي حول إغلاق جميع الأجنحة وإنهاء جميع الأعمال والنشاطات الماسونية، جاء بوضوح: "إن جناح أوفيدي.. في كيشينيوف لم يمارس أبدا أي نشاط، إذ إنني لم أتسلم أي أخبار بخصوصه".
وراء تلك التفاصيل الحياتية، والتي تعتبر بلا شك هامة وخطيرة، يمكن أن نخمن الرغبة القوية والملحة لبوشكين-الشاب في الارتباط مع، والمشاركة في التقاليد الثقافية التي أثَّرت على الشخصيات الهامة المحيطة به، وعلى عمليات البحث الروحي للعصر، وقبل كل شيء على الأدب. أما مسألة عدم فتور ذلك الاهتمام مع الزمن، على الرغم من أنه صار أكثر انتقادا، فتؤكده العديد من الحقائق الأخرى في حياة بوشكين، وخاصة كتاب الباحث التاريخى الفرنسى أ. لينوار حول الماسونية، والذي تم العثور عليه في مكتبة الشاعر. إننا لا نستطيع أن نفهم علاقة التعاون بين الشاعر العظيم وبين أخوية البنائين الأحرار السرية على مستوى جميع مراحلها الصعبة وحركتها الديناميكية التي مرت بها، إذا لم نلق النظر على أرشيف البوليس السري (الذي يسمى حاليا بالأرشيف الحكومي لروسيا الفيدرالية، القسم الخاص، الصندوق رقم 109) حيث تحفظ جميع الأوراق الماسونية، وجميع الملاحظات الشخصية بخط اليد، والتي صودرت بناء على الأوامر القيصرية من عند جميع العاملين في الأجهزة الحكومية أثناء منع الجناح عام 1822. إن هذه الوثائق والمستندات تغيِّر بشكل دامغ ومدهش وجهات نظرنا في المحيطين ببوشكين. بل ونكتشف بشكل غير متوقع الشيء الذي وحَّد جميع هؤلاء الناس المختلفين.
ففي جناح "ميخائيل المختار" وحده بمدينة بطرسبورج سنعثر على أسماء أنطون ديلفيج وفيلهلم كيوهيلبيكر وفيودر جلينكا ونيقولاي جريتش وميخائيل زاجوسكين وكارل بريولوفسكي وألكسندر بريولوفسكي ونيقولاي كوشانسكي ونيقولاي بيستوجيف وسيرجي توتشكوف وفيودر تولستوي (فنان تشكيلي ومودللير) وإيفان دافيدوف. وعلى أية حال فهذا الجناح معروف. ولكن فلننظر إلى ذلك الجناح غير الموجود رسميا في المنظمة الأم-جناح "جوردان" بمدينة فيادوسِّيا-ففي قائمة أعضائه يوجد اسم إيفان ليبراندا من كيشينيوف، صاحب بوشكين، والذي لم يكن مصادفة أبدا أن يترك مذكرات في غاية الغرابة عن جناح "أوفيدي" من شأنها أن تقود بعيدا عن الحقيقة. وفي جناح "أورفيوس"-كان يوجد اسم الفنان التشكيلي-الحفار نيقولاي أوتكين صاحب البورتريه الشهير لبوشكين. وبين ماسونيِّ جناح "الباحثين عن المَنِّ"-لم يكن فقط جد الشاعر، وإنما أيضا الباحث التاريخي كونستانتين كالايدوفيتش. أما شخصيات الفصول العشرين من "يفجيني أونيجين" مثل "نيكيتا القَلِق"، ومورافيوف، و"إيليا الحَذِر"، ودولجوروكوف، فيمكن أن نعثر عليها في قائمة الديسمبريين بجناح "الفضائل الثلاث". وفي جناح كييف "السلافيون المتحدون" كان أستاذ المائدة هو الأمير جوستاف أوليزار العضو النافذ الذي التحق وهو ما يزال بعد في ألمانيا بأخوية فيلق مشاة ستاروسكولسكي التابع للمقدم ليونتي دوبليت. وجناح "الأصدقاء المتحدين" في سانت بطرسبورج تم قبول ليس فقط تشادايف وبافل بيستيل وجريبويدوف، بل وأيضا ألكسندر بينكيندوروف والفنان التشكيلي ألكسندر أرلوفسكي. ووقع "الملازم" ريليوف في الجناح الألماني "النجوم المتقدة" وأطلقوا عليه اسم كونراد، ووجد الأمير ياكوف تولستوي نفسه في جناح سيمبرسك "مفتاح الفضائل". وفي أوراق الجناح الموسكوفي "ألكسندر من أجل الإنقاذ الثلاثي" نقابل ليس فقط اسم الأمير بيوتر شاليكوف، بل وأيضا الرجل السري "الخيمياكوف، سكرتير الحاكم" الذي يبقى أيضا أن نتحرى-هو أم لا. وحتى الشاعر-الفدائي دينيس دافيدوف وقع في شبابه في "أخوية الخيالة الروس". وأخيرا، نيقولاي أريندت الطبيب الماهر الذي عالج بوشكين قبل موته، ظهر أيضا بين أعضاء الجناح المتنقل "جريجورى المنتصر" في مدينة موبوجي (فرنسا) أثناء احتلال الفيلق الروسي بقيادة الأمير ميخائيل فورونتسوف ابن الماسوني المعروف.
من الواضح أن كل ذلك مجرد جزء من القائمة "البوشكينية" الماسونية التي سقط منها، بناء على اعترافه الخطى، قنسطنطين باتيوشكوف، والتي لم يقع فيها حتى الآن (نتيجة لغياب الشهادات الموثقة) اسم معلم آخر لبوشكين-فاسيلى جوكوفسكي الذي تربى في الوسط الماسوني بأسرة تورجينيف وفي مدرسة موسكو العليا للنبلاء. والجدير بالذكر أن هذا الماسوني المرموق قطع علاقته فيما بعد مع وسط نيقولاي كارامزين الذي كان هو أيضا مدرسا للصبي بوشكين، ومن المشكوك فيه أن الباحث التاريخي الكبير والتلميذ الصغير قد تخطيا الحديث في هذا الموضوع أثناء حواراتهما. كما أن أستاذ اللغة لينهوف-بوزنر، وعلى أسس حقيقية تماما، قام بإدراج اسم الأمير إيفان كابوديستريا في قائمة البنائين الأحرار، وكابوديستريا هو رئيس وراعي الموظف الشاب القائم بالأعمال الخارجية لبوشكين.
ولكن الأسماء ذاتها توضِّح أن هذا الوسط المفكك ظاهريا كان في حقيقة الأمر حلقة محكمة تماما أحاطت بوشكين، لأنه تبعا لطقوس "الإخوان" كان عليهم أن يمسكوا بأيدي بعضهم البعض مكونين بذلك سلسلة ماسونية. وقد كانت الأيدي المتشابكة في مثلث هي علامة جناح "الأصدقاء المتحدين". والمهم هنا ليس الناس في حد ذاتهم وإنما الأفكار العامة والرموز السرية الهامة التي كانت تقف وراءهم. إن الذين يبحثون بهدف التعرض أو المشايعة عن "الأثر الماسوني" في حياة الشاعر ينسون التراث الفلسفي والأدبي للأخوية السرية والذي كان يعمل بشكل مثمر في جميع ميادين الثقافة الروحية، ويمثل أهمية ضخمة بالنسبة لبوشكين.
إن الآثار المتراكمة على مدى سنوات طويلة، والأعمال الهامة للشاعر في علاقتها بهذا التراث يمكن أن تُحَس ليس فقط في "البنت البستونى"، و"الحانوتى"، و"موتسارت وساليري"، بل وأيضا في "روسلان ولودميللا" حيث ما تم تصويره على نحو مبتكر وغير مألوف إلى حد ما قد انعكست فيه النماذج الشخصية العارفة وأفكار "الأب الروحي" للبنائين الأحرار إيبوليت بوجدانوفيتش وقصيدة "جافريليادا" التي تبدو لنا محاكاة مشاكسة ليس إطلاقا للكتاب المقدس (وهذه الفكرة عبثية جدا على الأقل من وجهة نظر الجنس الفني الشعري)، وإنما لعمل شعري محدد تماما-وهو القصيدة الجادة جدا والخطيرة والعبقرية للماسوني فيودر كليوتشاريف بعنوان "تجسيد الرسالة"، والتي شاعت في أوساط البنائين الأحرار ودخلت إلى قوائمهم عام 1801. وإلى جانب الذكر المباشر لجناح "نجمة السعادة الآسرة" (وهو نفسه الجناح الماسوني "النجمة المتقدة" رمز الأمل والإيمان والقوة الطبيعية والإلهية في الوسط)، و"المطرقة" ("أداة" رئيس المائدة)، و"الأخ المخلص"، و"البنَّاء الموقر"، و"الشمس المقدسة" (الشمس-الإله الرئيسي في البنتيون الماسوني، ورمزها المشع مرسوم وسط المعبد، أما عيد يوحنا المقدس حامي الأخوية فقد كان يجرى في أكثر الأيام المشمسة في السنة)، يوجد لدى الشاعر العديد من الأسرار في التعامل مع أفكار الأخوية، والرموز، واللغة المشفَّرة التي ينبغي البحث فيها وتفسيرها.
وعندما يكتب ماسوني من كيشينيوف إلى الماسوني ديلفيج عام 1821 العبارة الغامضة: "أمِت في نفسك الإنسان القديم"، نجدهم يرون فيها كل شيء يخطر على البال ما عدا كونها مقتبسة من النص الماسوني الطقوسي. وعندما يكتب الشاعر قصيدته الشهيرة "الخنجر"، ومن خلال معرفته للأمر يرسم هذا السلاح المحبوب لدى الأخوية، وبطريقة تتميز بـ "الاتقاد"، أي خنجر عاري ذو حد مرهف كالموسي (الرسم موجود في كتاب ت. ج. تسفلوفسكي" رسوم بوشكين"). القضية ليست حتى في أن الطالب الألماني كارل زاند ربيب بوشكين كان ماسونيا (من جناح أخوية آدم فيزهاوبت البافارية)، وإنما في الالتزام الكامل بتعاليم الخلية الثورية، الأمر الذي أدى به إلى ذبح الكاتب الماسوني أوجست فون كوتسيب باعتباره خائنا، وحانثا باليمين، وعميلا للإمبراطور الروسي. لقد كان الخنجر إلى جانب السيف يمثل أهم العلامات الماسونية، ورمز "السرية المقدسة" للجناح، وكان يرمز إلى الدعوة للانتقام الشرعي والنضال الذي لا هوادة فيه بين النور والظلام والذين ينشرونه. فهل جميع هذه الحقائق لا تغيِّر شيئا من كل تلك التعليقات والتفسيرات القديمة المتكررة حول "الخنجر"؟
إن بوشكين ذاته حينما تعامل في " يفجينى أونيجين" بسخرية مع كلمة جريبويدوف "فارامازون" (فاراماسون: الشخص الذي يفكر بحرية، ولا يؤمن بالإله. وقد حدث التلاعب هنا في حرفي السين والزاي-أ.ص)، أشار إلى خطورة التعامل البسيط والهيستيري مع تلك الصفحة السرية من حياته. وعلى اعتبار أن الحديث عن كلمة "فارامازون" واسعة المعنى قد جاء في كتاب يوري لوتمان بشكل موجز ومقتضب وغير واضح، وأقل مما جاء في الكتاب المنسي لنيقولاي برودسكي، يمكننا أن نُذَكِّر هنا برأي الباحث التاريخي (الماسوني) ألكسندر كيزيفيتر: "لقد أشار بوشكين هنا بدقة غير عادية إلى الملمح الأساسي لعلاقة الجمهور العادي والبسيط بالماسونيين. فالماسونى بالنسبة للشخص العادي والبسيط مجرد ذلك الإنسان الذي يخرق بجرأة ووقاحة القواعد العامة السائدة للحياة، والتي ساهمت في التكوين التافه والمبتذل والدنيء للشخص العادي البسيط".
لقد كان الشاعر يعرف أكثر منا، ويدرك حقيقة الماسونية الروسية ودورها الثقافي وقيمتها. وبالتالي يجب علينا أن نولي اهتماما أكبر ليس إلى عضوية الشاعر-الشاب في أخوية البنَّائين الأحرار وعلاقاته في هذا الوسط الخطير المغلق، وإنما إلى المصير الهام للأفكار الماسونية في الوعي الإبداعي وفي أعمال الشاعر الروسي العظيم.

مصرع بوشكين وقصة زوجته: من أرشيف دانتيس
لقد تم تخصيص عشرات الأعمال التي تناولت المبارزة الأخيرة وموت ألكسندر سيرجيفيتش بوشكين. ولقد وضع أسس البداية ب. ى. شيوجوليف الذي كتب آنذاك في بداية القرن العشرين المجلد العام "مبارزة ومصرع بوشكين". وفي فترة متأخرة بعد ذلك، ظهرت مؤلفات أخرى كثيرة للعديد من الباحثين مثل س. ل. أبراموفيتش، ن. يا. إيديلمان، إ. ل. أندرونيكوف، وباحثين روس آخرين. وطوال القرن الماضي، ظل الباحثون المتخصصون في أعمال وحياة بوشكين (البوشكينيون) يحاولون حل لغز مصرع العبقري الروسي الأعظم. وفي نهاية القرن العشرين حدث اكتشاف هام وخطير، ولعل أهمية وخطورة هذا الاكتشاف سوف تجعلنا نتوقف طويلا أمام هذا الموضوع، وسيكون هذا الاكتشاف علامة هامة في هذه القضية.
في مذكرات ف. أ. سوللوجوب توجد عبارة مثيرة للفضول، وهناك رغبة ملحة تدفع إلى انتزاعها من السياق العام. يكتب سوللوجوب: "وهكذا، فالوثائق التي تلقى الضوء على مصرع بوشكين توجد كاملة في باريس". كان سوللوجوب على حق على الرغم من أنه كان يقصد شيئا آخر تماما. الحديث كان يدور حول رزمة الوثائق التي سلَّمها فيلديجير إلى جورج دانتيس على الحدود عند طرد الأخير من روسيا. ولكن منذ عدة سنوات تم العثور على مجموعة أخرى من الوثائق في أرشيفه بباريس لدى ابن حفيده البارون كلود. وقامت الباحثة الإيطالية سيرينا فيتالي بدراستها ونشرها في كتابها "زر بوشكين". هذه الوثائق عبارة عن خمسة وعشرين رسالة كتبها جورج دانتيس إلى البارون جيكيرن خلال 20 شهرا بداية من ربيع عام 1835. لقد سافر المبعوث الهولندى لمدة عام واحد في إجازة خارج روسيا، وأراد أن يستخدمها من أجل تَبَنِّي جورج دانتيس. وطوال عام كامل ظل الأب المستقبلي والابن يتبادلان الرسائل. وكان دانتيس في رسائله يتحدث عن أخبار بطرسبورج، وبالتالي سوف نتعرف على بطرسبورج البوشكينية بعيون دانتيس. وبالطبع كانت في مركز جميع الأخبار-قصته مع ناتاليا نيقولايفنا بوشكينا.
إن الأحداث التي يكتب عنها دانتيس في غاية الأهمية من أجل فهم الحالة الروحية للشاعر في ذلك العام المفزع بالنسبة له. وإذا تحدثنا بكلمات سوللوجوب، فالحديث يدور حول "الوثائق التي تلقي الضوء على مصرع بوشكين".


* * *


لم يكن معروفا، حتى وقتنا الحاضر، سوى فقرتين مقتطعتين من رسائل دانتيس، وكان قد حصل عليهما آنرى ترواى من حفيد جورج دانتيس ونشرهما على وجه السرعة بعد الحرب. وبعد ذلك بأيام قام م. أ. تسيبلوفسكي بنشر ترجمتهما الروسية في جريدة "السلاسل"، وأثار هذا النشر ضجة غير عادية. وكتب تسيبلوفسكي تعليقا على ذلك: "إن الشعور المتبادل بين ناتاليا نيقولايفنا ودانتيس الآن.. لا يمكن أن يكون موضعا لأي شك". وقد أولت س. ل. أبراموفيتش اهتماما فائقا بهاتين الفقرتين، حيث كتبت: "كان بإمكانهما إلقاء الضوء على الكثير من الأمور في حالة إذا لم يتم انتزاعهما من السياق العام للمراسلات. إن انتزاعهما من هذا السياق العام وبدون الاهتمام بخصوصية الأسلوب الرسائلي والحياة الثقافية للعصر، يجعلهما مسوغاً لإعلان الآراء والأفكار الذاتية المتطرفة". والآن، بفضل مطبوعة سيرينـا فيتالي، أصبحت جميع الرسائل معروفة. وإذا تحدثنا بكلمات أبراموفيتش: "تلقى الضوء على الكثير من الأمور".
في المرحلة السوفيتية، كان موضوع مبارزة بوشكين يوجد في قبضة أيديولوجية قوية لوسائل الإعلام. وفي سنوات العشرينات والثلاثينات، كان من السائد أن بوشكين ضحية القيصر والدائرة الثالثة، وأن زوجة الشاعر كانت امرأة فارغة ومتهورة. وبعد سنوات الحرب أصبح بوشكين ضحية الأجانب الأمميين، وناتاليا نيقولايفنا-أمٌّ وزوجة مثالية، فهل من المعقول أن تعشق شخصا آخر، زد على ذلك أنه فرنسي؟ وبشكل عام، فقد أرادت السلطة أن ترغم بوشكين على خدمة نفسه، بينما كان بوشكين الوحيد، وكما هو معروف، يخدم الأدب الروسي وليس السلطة.
وهكذا، ففي 8 سبتمبر عام 1833 وصل إلى سانت بطرسبورج نبيل الإليزيه وصاحب العقيدة الملكية الراسخة جورج دانتيس ومعه وصيِّه المبعوث الهولندي في البلاط الروسي لويس جيكيرن. جاء من أجل "اصطياد السعادة والرتبة"، ومن أجل أن يترقَّى في منصبه بسرعة. ويكتب بوشكين فى 30 أكتوبر إلى زوجته من رحلته في بولدين: "يبدو ليَّ أنكِ بدأتِ تسيرين على طريق التدلل والغناجة. اسمعي ليس عبثا أن الغنج والدلال قد أصبحا خارج الموضة، بل ويعتبرا من علامات الحماقة وخفـة العقل، وليس فيهما ما يجدي. وأنتِ سعيدة لأنهم يركضون وراءك مثلما تركض الكلاب خلف كلبة، وعندما يرفعون ذيلها.. إذن لديك ما يسعدك! .. فعندما يوجد الطست أو المذود فلابد أن توجد الخنازير. لماذا تهتمين بالرجال الذين يغازلونك؟ أنتِ لا تعرفين على من ستعثرين، ومن ستصادفين. اقرئي حكايـة أ. إيزمايلوف عن فوما وكوزما. لقد قام فوما بإطعام كوزما كافيار وفسيخ، فأخذ كوزما بعد ذلك يطلب الشرب، ولكن فوما لم يعطه. فراح كوزما يضرب فوما ضرب اللئام. من ذلك خرج الشاعر بتلك العظة الأخلاقية: أيتها الجميلة، لا تطعمين أحدا فسيخا إذا لم تكوني ترغبين في إعطائه ماء، وغير ذلك فمن الممكن أن تصطدمين بكوزما.. أنا لستُ غيورا، نعم، وأعرف أنكِ لن تنحدرين إلى ما هو شديد الوطأة، ولكنك تعرفين كم لا أحب كل ما يفوح برائحة الآنسات الموسكوفيات، وكل ما comme il faut ، وكل مـا هو volgar ".
وبالطبع فالحديث لا يمكن أن يكون دائرا في هذا الوقت حول دانتيس. فبعد عدة أشهر فقط، وتحديدا في فبراير 1834، سوف يصدر أمر إلى فيلق سلاح الفرسان بإدراجه في الفيلق برتبة حامـل علم. في ذلك الوقت يسجل بوشكين ملاحظة في دفتر يومياته: " في 26 يناير.. سوف يتم قبول كل من البارون دانتيس والماركيز دي بينا، اثنان من مناصري الحكم الملكي ضد الثورة الفرنسية، في الحرس وكضباط مباشرة. الحرس يضج بعدم الارتياح".
في ربيع 1834 تسافر ناتاليا نيقولايفنا لاستقبال الصيف في ضيعة كالوجسكايا. وفي إحدى الرسائل الصيفية يكتب بوشكين إلى زوجته تلك العبارة القصيرة التي تعبِّر عن إحساسه بالاشتياق إليها وحبه لها: "كان من الضرري أن أتزوجك، ولولا ذلك لظللتُ طوال حياتي تعيسا…". وفي نفـس الرسالة: "ترابط الحياة الأسرية يجعل من الإنسان أخلاقيا تماما". وفي بداية يناير عام 1836 كتب بوشكين إلى ب. ف. ناشوكين: "أسرتي تتزايد، تنمو، ويعلو ضجيجها من حولي. الآن يبدو لي أنه ليس هناك ما يجعلني أتذمر من الحياة، أو يجعلني أخاف الشيخوخة". وكلما أصبحت بطرسبورج الأغنياء وعلية القوم أكثر تطاحنا وعدائية، وأصبحت الحياة الاجتماعية فيها خانقة، والذكريات عن الأصدقاء أكثر مرارة، صارت الأسرة والبيت أقرب وأهم إلى بوشكين. وقد أطلق يو. م. لوتمان بشكل دقيق تماما على بيت بوشكين وأسرته "قلعة الاستقلال الذاتي، والعزة الإنسانية". من الضروري فهم هذا الأمر، وبدون ذلك لا يمكن فك طلاسم تلك الدراما النفسية التي دارت في نفس الشاعر في نهاية عام 1836 حينما انهارت تلك القلعة.
عندما نعيد قراءة رسائل بوشكين إلى زوجته، تصيبنا الدهشة للكم الهائل ليس فقط من الهموم المنزلية والأسرية، وإنما أيضا للهموم الأدبية والانشغال بالنشر والإصدارات. إن بوشكين يتقاسم مع زوجته أدق الأفكار المكنونة والمريرة حول الحياة الروسية، وحول بطرسبورج "الخنازير" حيث يعيشان "بين الهجاءات والوشايات"، وحول المصير المر للكاتب والصحفي في روسيا. وفي عام 1836 يكتب لها: "لقد تفنن الشيطان في أن أُولَد في روسيا بروح وعبقرية!"، من الواضح أن هذا الحديث يدور مع متحدث ذكي ومتفهم. لا، لم تكن ناتاليا نيقولايفنا فارغة أو حمقاء، ولم تكن امرأة من علية القوم جميلة وقاسية القلب. لقد كانت زوجة مبالية وكثيرة العناية، وأما جيدة. أما عن القلب… فلن نتعجل الركض إلى الأمام.
في ربيع عام 1835، يترك المبعوث الهولندي بطرسبورج ويسافر في إجازة . وفي 18 مايو 1835 يكتب جورج دانتيس إلى والد المستقبل:
"… سوف تصلكم رسالتي وأنتم في استقرار وسعادة. كم أود بفضول غير عادى أن أقرأ رسالتكم القادمة كي أعرف هل أنتم راضون عن اختياركم للمكان وللمجتمع الموجودين هناك. كل شيء يبدو مختلفا، لم أكن أشعر أبدا بالوحدة مثلما أشعر بها الآن، ولكن معكم! كم أشعر بالسعادة!… حينما أتيتُ إلى روسيا كنتُ أتوقع أن أجد هناك مجرد بشر غرباء، ولكنكم صرتم بالنسبة لي العناية الإلهية! لأن صديق، كما تقولون-كلمة غير دقيقة، إذ أن الصديق لم يكن ليفعل لي ما فعلتموه أنتم، حتى قبل أن تعرفوني بعد… أنتم تعرفون كم أحبكم، ومن أعماق روحي، والآن أُقَبِّلكم مثلما أحبكم، أي بشدة.

المخلص الأمين
ج. دانتيس"

وفي رسائله التالية، سوف يعبِّر دانتيس عن حبه للويس جيكيرن في دأب وإصرار وبـدون انقطاع. هل كان ذلك حقا حب، أم مجرد امتنان وعرفان بالجميل-من يعرف؟ ولكن من الممكن أن نصدق بشدة كاتب الرسالة بأن اللقاء مع جيكيرن ومساندته له أصبحا بالنسبة إليه، كما يكتب هو، العناية الإلهية. وكان ذلك يتمثل في المساعدة المادية، والعلاقات مع علية القوم، والتي بدونها يصبح من الصعب غزو العاصمة الروسية الشمالية. وهذا هو الهدف الذي كان يسعى إليه بكل الطرق والوسائل.
وهكذا، ففي 24 ديسمبر 1835، يرسل جيكيرن إلى دانتيس رسالة بخبر سعيد: أخيرا اعترف القصر الهولندي بعملية التبنِّي. والآن أصبح دانتيس الوريث الشرعي لكل أملاك وثروات جيكيرن. ومن ثم فقد أصبح الآن اسمه الرسمي-جيورج جيكيرن. ومن هذا التاريخ صار دانتيس ليس فقط مجرد شاب يجاري أحدث متطلبات الموضة، وإنما أيضا عريسا رائعا. وأقبل عام 1836، فيكتب دانتيس إلى جيكيرن في 20 يناير:


"صديقى الغالي
أنا فعلا مذنب لأنني لم أرد فورا على رسالتيك الكريمتين المسليتين. ولكنك تعرف، في الليل رقص، وفي الصباح ساحة التدريب والسباق، وبعد الظهر نوم-هذه هي حياتى طوال الأسبوعين الأخيرين، وسوف تظل هكذا على أقل التقديرات في الفترة القادمة. ولكن أسوأ ما في الأمر أنني صرتُ عاشقا بجنون! نعم، بجنون، لأنني لم أعد أعرف إلى أي اتجاه يمكنني أن أدير رأسي. لن أكتب لك اسمها، إذ أن الرسالة يمكن أن تضيع، ولكن تذكَّر أروع مخلوق في بطرسبورج، وسوف تعرف الاسم. ولكن أفظع ما في حالتي، أنها أيضا تحبني، ولكننا لا نستطيع أن نلتقي، فهذا إلى الآن أمر مستحيل لأن زوجها غيور بشكل لا يطاق. وأنا أبوح لك بذلك يا صديقي كأفضل صديق، وأعرف أنك ستشاركني أحزانى. ولكن بحق الرب لا تبح ولا حتى بكلمة واحدة لأي مخلوق، ولا تسألني أي أسئلة بخصوص مَنْ أغازل. فلو فعلت ذلك، فسوف تضر بها، وأنت نفسك لا تتمنى أن أكون في وضع سيء. أنت تعرف أنني على استعداد لأن أفعل من أجلها أي شيء كي أسعدها فقط، فحياتي قد أصبحت منذ فترة مجرد عذاب. نحن نحب بعضنا البعض ولا نملك أية إمكانية أخرى للمكاشفة بذلك-شيء فظيع. ربما أبوح لك بكل هذا من دون فائدة، وأنك الآن تسمى ذلك حماقات. ولكن قلبي مفعم بالحزن والأسى الأمر الذي يجعلني بالضرورة أفضفض ولو حتى قليلا. أنا واثق أنك ستسامحني على هذا الجنون، وأنا موافق على أنه فعلا كذلك، بيد أ