قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

موسى الخميسي من روما: اومبيرتو ايكو(المولود في مدينة الكساندريا الإيطالية في الشمال عام1932) أستاذ النقد الأدبي وعلم الاشاريات في جامعة بولونيا بإيطاليا، قبل ان يكون روائيا معروفا سبق له ان نشر عدة كتب في مجال الدراسات الأدبية الحديثة ودراسات العصور الوسطى، وترجمت العديد من كتبه الهامة الى عدد كبير من اللغات العالمية، كان أبرزها كتاب" نظرية الإشارات" و" دور القارئ: دراسة في إشارات العمل الأدبي". لكن شهرة ايكو لم تتجاوز نطاق دائرة المتخصصين الى آفاق القارئ الأدبي العام الا عندما كتب روايته الشهيرة( اسم الوردة) التي ظهرت في إيطاليا أولا عام 1980، ولكنها سرعان ما غزت العالم بعد ذلك بعامين او ثلاثة، وبيعت منها ملايين النسخ في ترجماتها العديدة، فأصبحت واحدة من أهم الروايات

الجديدة في العالم.بعد صمت دام أربع سنوات على عمله الروائي " بادولينو" يعود ايكو من جديد ليتحدث هذه المرة عن سيرته الذاتية من خلال إعادة تركيب الإحداث الشخصية في روايته الجديدة " شعلة الملكة لوانا الغامضة" التي تدور حول رجل ستيني اسمه " يامبو" يستيقظ ذات يوم ليشعر بأنه فقد ذاكرته ولا يعرف من هو، ولا ماهو اسمه ولا يعرف انتمائه العائلي ولا وزجته ولا أولاده.
يعيش" يامبو" ذاكرة شخصية انفصامية لعوالم مشتتة يحاول إعادة تركيبها ضمن واقعه الاجتماعي الجديد، اذ لا يمكن السير دون الرجوع الى عصره الأول، والمعرفة الواسعة بالانثروبولوجيا للواقع الاجتماعي من خلال العودة الى الذاكرة المليئة بالشواهد التي عاشها جيل الخمسينات والستينات في القرن الماضي، يستعير منها ذكريات وشواهد وإشارات مرجعية وأحداث تاريخية وسياسية ودينية وعلى رأسها ماصنعته الفاشية الإيطالية كفكر وممارسة في بناء المجتمع الحديث. انه أشبه بالنهوض العاري والوقوف على صخرة التاريخ الحديث للمعرفة، يروي من خلاله الظلم الذي عومل به الإنسان، والقهر الذي احتمله طيلة سنوات، والحلم بالحب والحرية، وبالآمال الكبيرة التي خابت بعد ان بنيت على تقديرات طوباوية.
تبدو هذه الرواية وكأنها نشيد او نشيج داخلي، ذاتي، لشخصية عارفة بكل شيء، شخصية فقدت ذاكرتها الا انها تمتلك علم واسع، انها رؤيا الإنسان المحاصر بالإحداث والأفراح والمسرات ، كما انها رؤيا تاريخية لها خصوصية بالسيرة الذاتية والعديد من الشواهد التاريخية التي عاشتها ايطاليا في القرن الماضي إضافة الى الثقافات الشعبية لهذا البلد الذي يرث أكثر من أربعين في المئة من التراث الإنساني.
الوضع الذي آل اليه " يامبو" يدفع زوجته الى التجوال معه في محطات حياته الأولى المليئة بإرثه من الذكريات، واستحضار كل ألوان الثقافة التي يعتبرها أكثر من غيرها في تمييز الجنس البشري عن غيره من الأجناس، كونها هي التي تؤكد الصفة الإنسانية في الجنس البشري. في اعتقاد " باولا" الزوجة المهمومة لربما تكون كل هذه الأشياء " متكأ" للشفاء من هذا الاغتراب الذي أصاب الذاكرة ،الا ان " يامبو" واناه الضالة كما هي الحال عند جيله تظل منقسمة رغم كل محاولاته البائسة لإعادة حيويتها من جديد من خلال العبور الى عوالم الماضي وفك أسراره وجراحاته، فالإنسان حسب اعتقاده قد يتفق مع بعض الناس والإحداث والذكريات في نواح متعددة، ولا يتفق مع أي من يحيطه في نواح أخرى.