كنا أربعة عشر عضواً في ما يسمى بالمكتب التنفيذي لمنتدى الأدباء الشباب، أولئك الذين طلب منهم مقابلة نجل الرئيس في ظهيرة عراقية من مطلع تسعينيات القرن الماضي، والمفارقة في كوني، وربما معي آخرين من هذه المجموعة، لم نكن متأكدين من مغزى دعوتنا الرئاسية هذه، كان الأمر بالنسبة إليّ يتلخص في الحصول على إجازة لمدة ثلاثة أيام من وحدتي العسكرية صادرة بسبب موعد مع نجل الرئيس، ومن يرفض منحي مثل هذه الإجازة ؟ … أثناء اللقاء، وبعده عرفت أننا تقدمنا بطلب لحل المنتدى والاندماج مع أتحاد الأدباء العراقي على أن ترافق ذلك مجموعة من الإجراءات منها إجراء انتخابات جديدة في الاتحاد وإضافة مئات الأعضاء اليه وغير ذلك..
خرجت من التجربة منخوراً من الداخل وأنا أشعر بأن صرحاً عراقياً عملاقاً يتهدم أمامي دون أن أكون قادراً على إنقاذه، بل العكس هو الصحيح فقد كنت أحد اللاعبين، ربما الثانويين، لتهديم صرح اتحاد الأدباء العراقي.. كانت هذه السنوات التي أتحدث عنها هي سنواتي الأولى الحقيقية في عالم الثقافة والفنون والآداب العراقية.. ويبدو أنه قد حكم عليّ، ومعي الآلاف من مجايلي بأن يبدأوا مشاريعهم الإبداعية بين حقول ألغام مختلفة، وكان عليّ تجنب هذه الحقول التي قد تطيح برأسي بأي لحظة والابتعاد ما أمكنني ذلك عن دوامة تلك الألغام حتى وجدت نفسي آخر الأمر مؤلفاً لمسلسلات تلفزيونية متوسطة الجودة أبعدتني كثيراً عن كابوس الثقافة العراقية المحكومة بحد السيف وأمنت لي عدم الحاجة إلى التسول على باب المؤسسات.
الأمر يبدو اعتيادياً جداً في العراق الماضي، ولكنه ليس اعتيادياً أبداً في الحسابات الشخصية وكذلك في حسابات الثقافة أو حسابات الدول، حتى تلك المجاورة للعراق وتمتاز بأنواع القهر الذي قد لا يكون مستنسخاً عن النسخة العراقية.
أبلغ دروس تلك المحنة كان يتمثل في الجلادة، كيف تسير في حقل الألغام ولا تنفجر من حولك الشظايا..
تجربة منتدى الأدباء الشباب، ومن بعدها تجربة العمل في المؤسسات الصحفية والإعلامية العراقية وضعت أمامي الكثير من الأسئلة حول معنى المثقف، معنى حريته، وجوده.. وبالطبع كان من المستحيل عليّ أن أجد الإجابات الشافية حول أسئلتي تلك في ظل واقع ملتبس لا تكاد تميز فيه غير الرداءة.. تذهب إلى المقهى إياها وتجد بانتظارك حشد من المثقفين الذين يدمنون الدومينو، أما في بار الاتحاد فالأمر لا يختلف كثيراً وأنت ترى النقاشات الصاخبة حول قصيدة نثر جديدة فيما يتعالى حولك مزاد مختلف عن أسعار القصائد في الصحف.. تذهب إلى مقر عملك في الجريدة وتجتهد في إخراج صفحة ثقافية رصينة تفاجئ في اليوم التالي أن هذه الصفحة قد ألغيت وحل محلها بأمر رئيس التحرير صفحة جديدة لا تسهم إلا في تخريب الثقافة !، تتأفف وتذهب مذعوراً إلى دائرة السينما والمسرح علك تجد هناك بعض الأمل فتحاصرك مجاميع الغجر والراقصات ومهرجي المسرح التجاري، تفرّ إلى دائرة الإذاعة والتلفزيون ولا تجد أمامك إلا شكوى المصور والمونتير وعامل الصوت من تدني الأجور وصلاحية الآلات المتخلفة فيما يطلب منك السيد مدير التلفزيون صراحة أن تبث في برنامجك الثقافي لقطات للممثل السمج إياه ما دام يدفع بشكل جيد لإدارة التلفزيون..أين تولي بوجهك ؟
هذا السيناريو الواقعي يصلح مدخلاً لسؤال مفاده :ما الثقافة ؟
وقد يبدو السؤال ساذجاً أول الأمر، ولكنه سؤال مفيد على أية حال، فمن خلال التفكير قي هذا السؤال تستطيع أن تحدد من هم المشتغلين في حقل الثقافة، ومن هم جمهورها، وكيف تنحرف إلى أقصى البؤس في الوقت الذين يتحتم عليها أن تصل بالانسان إلى أقصى الفرح.. ومن مظاهر بؤس الثقافة في العراق الماضي ما حصل حقاً من إلغاء منتدى الأدباء الشباب السالف الذكر وتحويل أعضاءه إلى اتحاد الأدباء.. فقد كان من نتائج هذه الخطوة تفريغ الاتحاد العراقي العريق من أهم رموزه لصالح حشد من الموهومين وقلة قليلة من الموهوبين، وبالتالي صارت أمسيات الإتحاد الروتينية في أربعاء كل أسبوع أماس فقيرة حقاً بحضورها الثقافي، وكان قبل هذا التاريخ قد شهد بأعوام ظاهرة بدأت بالتتابع، ونعني بها ظاهرة تفريغ البلد من مبدعيه، وبالوصول إلى عقد التسعينيات الدامي كان هذا التفريغ قد وصل إلى ذروته متخذاً أشكالاً مختلفة منها الهجرة ومنها الانزواء والانسحاب من المشهد برمته.
لم يكن ثمة من يفكر في سؤال ما الثقافة، وهكذا تناسل الشعراء والقصاصون والمحللون والنقاد والممثلون والمخرجون وكتاب الدراما والرسامون والنحاتون والموسيقيون والمطربون.. تناسل صار ظاهرة مريعة، مخيفة جداً، وبالطبع فقد كانت المؤسسة الاعلامية والثقافية تبشر بها وتصورها على أنها صورة عن ( الحريات ) أو ( المناخ الثقافي المتجدد ) في البلد، ولكن الحقيقة كانت على النقيض من ذلك.. كان المئات من هؤلاء قد دخلوا إلى المشهد لرخاوة هذا المشهد وسهولة الطعن فيه من خلال اختراقه بطريقة أقل ما يقال عنها أنها كانت همجية للغاية.. وعلى سبيل المثال هنا سنعلق على قضية الشعر في العقدين الأخيرين، على اعتبار أن الشعر العراقي كان، وما يزال، رائداً في المنطقة..لقد انزوى الشعر العراقي بعيداً في العقدين الأخيرين بصورة لافتة لا لجهة غياب أبرز الشعراء العراقيين بين منفى ومعتزل ( البياتي، سعدي، الحيدري، الملائكة، طهمازي، العزاوي، بولص، فوزي كريم ) ناهيك عن أبرز شعراء السبعينيات.. ومن كان موجوداً في المشهد خلال هذين العقدين كان حضوره هامشياً للغاية لا لأسباب شخصية كما يخيل ولكن لأسباب أكبر من الشعراء أنفسهم..وفي ظل ذلك كان الشعراء الجدد الجادون يبحثون في أروقة سوق السراي عن مجاميع زملائهم المنفيين فيما تكون البارات والمقاهي ركناً لجمع شمل المعتزلين بالجدد في حوار عن إشكاليات الشعر الجديد مما كانت تعتبره المؤسسات الرسمية خروجاً على الطاعة..وقد استثمر المئات من الدخلاء هذه الوضعية للنفاذ إلى المشهد ذاته بأسلحة أخرى كانت قوية بما يكفي لتكريسهم وتلميعهم من على صفحات الجرائد والمجلات العراقية.. شعراء يتناسلون بطريقة مرعبة وهم يكتبون نوعين من الشعر لا ثالث لهما : فإما مدائح رخيصة للسلطان وإما قصائد سهلة في موضوع الحب..وعندما تصل إلى الأعوام الأخيرة من عقد التسعينات تصاب بالذهول حقاً لحجم الخراب الذي ساد مفاصل الثقافة العراقية.. ففي العام 1999 صدر العدد التاسع عشر من مجلة الموقف الثقافي التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة وتجد فيه ملفاً في صدر العدد عن ( ملحمة أم المعارك ) بمشاركة الكتاب : مؤيد عزيز وعبد القادر جبار والدكتور عوني عبد الرحمن السبعاوي فيما كتب رئيس تحرير المجلة الدكتور مرشد الزبيدي كلمتين عن أم المعارك، وعن الصحوة القومية ! أما مجلة الأقلام فكان محورها للعدد الثاني من العام 2000 مكرساً للاحتفاء بالشاعر حميد سعيد، وكان العدد الأول من مجلة الطليعة الأدبية في سنتها الثالثة ضد الشعر بامتياز عندما نشرت المجلة ما يقاب العشرين نصاً لشعراء جدد عمل أغلبهم على الإساءة للشعر ليس إلا..هذه الأمثلة الثلاث عن حال الثقافة العراقية في أواخر القرن الماضي تعطي صورة باهتة، بل وقاتمة لما آل إليه المآل، وخاصة في الشعر.. فمجلة تحتفي بأم المعارك بأقلام نخبة من الأكاديميين وكان من الممكن دراسة أثر الحروب المتتالية في خراب الشعر، أو دراسة أهم التجارب العراقية الخارجة من رحم الحروب، أو دراسة التيارات الجديدة في الشعر العراقي بعد الحربين … ألخ.. ومجلة أخرى، هي الأبرز في الثقافة العراقية ما زالت بعد عقود الموت لا تجد غير الشاعر وكيل الوزارة للاحتفاء به، فيما تمنع وبشكل مباشر وصريح أي ذكر لأي من تجارب الشعر العراقي المشرقة، خاصة تلك التي تعيش في المنافي ومنها تجارب لرواد الشعر العربي الحديث، ولا تجد مجلة ( الإبداع الجديد ) غضاضة من التشهير بقصيدة النثر العراقية، صاحبة الانجازات المشهودة، غير نشر المزيد من الرث الذي دأبت على نشره، وبشكل يومي الصحافة المحلية، جنباً إلى جنب مع نماذج هذه القصيدة بأشكالها المتجددة !
كيف قدر للمؤسسة الرسمية أن تقود مثل هذا العبث، وبنجاح ملحوظ ؟ من المؤكد هنا أن ثمة العديد من المثقفين قد عملوا بثبات مع هذه المؤسسة في خططها الخبيثة تلك، فكانوا جنودها الأمناء لتحقيق ما تحب وترغب.
يبدو الشعر العراقي في العقدين الماضيين هو الأكثر تمثلاً لما حصل من تخريب مقصود في الميدان الثقافي العراقي.. وهو تخريب يذكرني بقوة بالتخريب الذي مارسه تيار المسرحيات البكائية في المسرح العراقي المدعوم من قبل أعلى مستويات القيادة..لقد كان ظهور عبد الرزاق عبد الواحد أو لؤي حقي أو رعد بندر أو علي الياسري أو غزاي درع الطائي من خلال شاشة التلفزيون العراقي صادحاً بالغناء والتغزل بحنكة القيادة، أو من خلال حضورهم القوي في صفحات الجرائد والمجلات العراقية توجيهاً غير مباشر للشعراء العراقيين وجمهورهم بأن الشعر الحقيقي المطلوب هو هذا الذي ينشر، أما غيره فهو عبارة عن تهويمات لغوية لا معنى لها، أو ربما يكون من معانيها المستترة التحريض ضد القيادة !.. بهذه البساطة، والرعونة أيضاً تقرر سحق أي تجربة شعرية جمالية في حال ولادتها، خاصة بعد أن تم الإيحاء للجمهور بأن القصيدة الأخرى، غير المنبرية، لا رقيب عليها فروّجوا لنصوص نثرية لا تعد ولا تحصى كانت تنشر تحت مسمى قصيدة النثر من قبل أسماء مجهولة بدأت تطفو على السطح على اعتبار أن هذه النصوص هي قصيدة النثر العراقية، فيا لرداءة هذه القصيدة !.. إنها لعبة محبوكة بعناية كما يبدو، استهوت الكثير من اللاعبين في الحقل الثقافي للانجرار إليها فكتب غير ناقد مهاجماً ( قصيدة النثر العراقية ) ومتهماً إياها بشتى الاتهامات استناداً إلى ما تنشره الصحف، فيما تبرع آخرون من الشعراء والنقاد على حد سواء بالكتابة عن فضائل الكتابة بعمود الشعر التقليدي ومناسبة هذا اللون الشعري ( لما يمر به العراق من ظروف عدوان وصمود القيادة ) الأمر الذي فرّخ المزيد من الشعراء الذين كانوا يتبارون علانية في المقاهي والمنتديات الأدبية الرسمية عن أسعار قصائدهم، تلك الأسعار التي كانت تمنحها القيادة لهم باستمرار، بل والأمرّ من ذلك أن بعض محترفي الشعر قد قرروا الدخول في هذا المزاد بشروطهم هم هذه المرة، فكانت الاتفاقات تجري بين ( شاعر محترف ) لكتابة قصيدة عمودية ( عصماء ) على أن ينسبها لأحد الأصدقاء وينشرها باسمه وحين يصل ثمن القصيدة من البلاط يتقاسم الاثنان هذا الثمن، وربما يدفعان في أحوال أخرى إلى المحرر الثقافي الذي نشر القصيدة بالاتفاق معهما !
ومن يجرؤ على التدخل، من يجرؤ على الصراخ، من يفكر في معنى الثقافة ؟ وإذا كان الشاعر بطبعه يكره السلطة فقد صار الشاعر نفسه سلطة ! وأغرب ما رأيت في هذا المجال أن يحمل الشاعر مسدسه في خصره أينما حل، ولم يكن هذا الشاعر رفيقاً حزبياً أو مسؤولاً أمنياً في الدولة !! صار الشاعر سلطة لا تعلو عليها إلا السلطة الأقوى، وهي سلطة القائد نفسه، فالشاعر استمد سلطته من قوة السلطة ذاتها.. وكان الكثير من الشعراء يتحدثون بلغة السلطة فهم يجهلون الكلام في لغة الشعر، بعضهم يرتدي بدلات ( زيتونية ) وبعضهم أطال شاربه تماماً مثل شارب الرئيس وأغلبهم يركبون سيارات فارهة !
إن جدلية الثقافة تنحصر بشرط الحرية، وغياب هذا الشرط يعيق الممارسة الثقافية كما يعيق تلقيها.. لقد كنت أعتقد أننا نكتب الشعر بسبب المعاناة، وبسبب من قوة غامضة تدفعنا إلى الاحتجاج من خلال الشعر، وكثيراً ما كنت أتساءل مع نفسي : ولكن ماذا عن الشعراء الذين لا معاناة لديهم تشبه معاناتي الكابوسية ؟ شعراء الغرب مثلاً ؟ كيف ولماذا يكتبون ؟ وقد وجدت بعد حين، وخاصة عندما وصلت إلى الجنوب الأسترالي، بأن الشعر لا تصنعه غير الحرية الكاملة للمبدع..والشاعر الحر هو الشاعر الصادق، أو بمعنى آخر هو الشاعر الذي يكتب بدون ضغوط من أي نوع سوى ضغوط الإحساس بالانفعال الشعري الخالص.. أن تسوّد الصفحات في كتابة تعتقدها شعراً أو ما شابه، فهذا أسهل من أي مشروع آخر قد يخوضه المرء بصدق وانفعال حقيقي، أنظر إلى فعالية الحب، أو أنظر إلى متعة العمل في ميدان تحبه، هنالك المزيد من الممارسات الحرة التي تجد ذاتك فيها ولكن أن تعتقد بأن ذلك كله مجرد هراء من أجل أن تفرغ مكبوتاتك على الورق وتعيش عاطلاً وهامشياً وفاقداً للحرية، ثم تعتقد أنك تنجز ما يعجز غيرك على انجازه فهذا هو الهراء الحقيقي. أن قيمة الشعر، إذا كان له من حكم قيمة، فهي تتمثل في قدرته على ممارسة الحرية وسكبها على الورق، وبدون ذلك على الشاعر أن يفكر بأشياء أكثر جدوى.. لقد أغرقنا منظروا العقود الماضية بأقاويل غريبة كنا نصدقها ما دمنا نفتقد إلى الحرية التي تبيح لنا أن نفكر بطريقة صحيحة بما يقذفونه علينا من تنظيرات نجدها اليوم سمجة للغاية..العشرات من الندوات المتخصصة في مسألة ( الشعر والحرب ) كان يحتضنها فندق المنصور ميليا أو اتحاد الأدباء أو صفحات الجرائد، والمئات من المقالات والأراء التي كانت تحرض على كتابة مقيدة، وهل يمكن أن تقيد الشاعر ؟ كان الشاعر العراقي يحاط بالرغم عنه بأطنان من التنظيرات الفارغة التي لم تقل له أبداً أن الاحتفال بالحياة هو شرط للوجود الانساني.. وأطنان مشابهة كانت تدفعه إلى الإيغال بالنأي عن حريته المهدورة … حتى طقس الاحتفال بالثقافة كان يمرغ بالمسدس حيناً وحيناً بوحل التجهيل..
وبصدد الحديث عن طقس الاحتفال بالثقافة تشهد ولاية جنوب أستراليا ( حيث أقيم منذ سنوات ) مرة كل عامين مهرجاناً للفنون والآداب بمشاركة عدد كبير من الفنانين والأدباء الأستراليين وغيرهم.. والمهرجان الذي انتهت فعالياته مؤخراً كان فرصة، ليست نادرة بالتأكيد، للاحتفال بحرية الآداب والفنون.. يتضمن المهرجان فعاليات ثقافية عديدة ( شعر، نقد، قص، سينما، مسرح، موسيقى، غناء، باليه ورقص ) وكذلك فنون الاستعراض المختلفة وبضمنها فن الاكروباتيك.. اللافت في المهرجان هو المشاركة الجماهيرية الواسعة جداً في فعالياته بالرغم من ارتفاع أسعار تذاكر الفعاليات، كما قال رواد المهرجان، والذي يبدأ بفعالية عنوانها ( fringe festival ) وهي تتعلق بالثانويين في الحياة، أو أصحاب المواهب من غير المحترفين، حيث تحولت المدينة إلى مرقص ومشغل فني كبير، ترى الأزياء المختلفة بألوانها البراقة، فيما يعزف الموسيقيون مقطوعات مختلفة وسط أجواء تمثيلية احتفالية حضرها عشرات الآلاف من المشاهدين.. وتستمر فعاليات المهرجان الذي استمر أسبوعين وسط حشد جماهيري كنت أتساءل كلما مررت به عن غياب الجمهور العراقي عن فعالياتنا الثقافية.. كنت أستذكر بمرارة كيف يسحب موظفوا وزارة الثقافة والإعلام سحباً من مناضد عملهم إلى مسرح الرشيد كلما انعقد مهرجان ثقافي ! وشتان ما بين المشهدين.. والسؤال هنا : مال الفرق بين مهرجان للثقافة هنا ومهرجان هناك ؟ أليست الحرية هي الشرط الكفيل بإنجاح أي تجربة ثقافية ؟ ألم يفقد القارئ العراقي ثقته بالمطبوع المحلي فيما كان القارئ ذاته يتلهف للحصول على مطبوع المبدع العراقي حين يصدر في عاصمة غير بغداد ؟ كيف نحول الثقافي إلى طقس للفرح الشعبي ؟ لماذا نحصر معارضنا التشكيلية داخل أسوار النخبة، ولماذا يكون المسرح حاداً في حضور نوع واحد من أنواعه العديدة المختلفة ؟ كيف صارت الموسيقى مجرد مارش يتغنى بالموت فيما فضاءاتها لا تدخر وسعاً في إسعاد النفس البشرية ؟ إلا تشكل الأزياء مناسبة للفرح، وهل من المعيب أن نرى في احتفالاتنا الثقافية الفلوكلور العراقي وقد نشر أجنحته الملونة هنا وهناك ؟ من الذي يمنح الثقافة حياتها ووجودها، المثقف أم المتلقي ؟ ومن منهما أكثر سلبية من الآخر في انعاش الحراك الثقافي ؟ المزيد من الأسئلة من الممكن صوغها وأنت تراقب أحتفال الجمهور الضخم في مهرجان الجنوب الأسترالي الثقافي، خاصة عندما ترى وجوه المثقفين والفنانين فيه وقد ذهب تجهمها الذي تجده في وجوه المثقفين عادة ! وترى فرح الجمهور بفعاليات المهرجان المختلفة.
يبدو المثقف العراقي اليوم، وهو يستفيق بقوة من وهم الثلاثين عاماً الماضية، كائناً خارج من المحرقة.. التشويهات التي يعانيها الخارج من المحرقة يمكن أصلاحها بالكثير من الصبر والكثير من الحب أيضاً.. ويبقى أهم ما يمكن أنجازه يتمثل في إخراج الثقافي من مبررات العدم التي يغرق فيها لصالح مبررات الحياة التي تتحرك من حوله.. وكيف يتحقق ذلك ؟ إن التمرين المستمر على الإقبال على الحياة وشروطها الانسانية ليس إلا واحد من مبررات وجود المثقف في المجتمع، والمثقف الذي يدير ظهره إلى الحياة، متوهماً انجازات ضخمة من موقفه هذا، أنما هو مجرد متطفل على الثقافة ومكاسبها الوجاهية ليس إلا. القصيدة واللوحة والمسرحية وقطعة الموسيقى خلقت في منابعها الأولى لإسعاد الإنسان ودفعه في لجة السؤال الصعب، سؤال الوجود، وما التراجيديا إلا متناً في مركز السؤال ذاته، تماماً مثلها مثل الكوميديا..والمثقف الذي يسعى إلى انتشال ذاته، وذوات الآخرين بالضرورة، من محيط التبلد والكسل هو المثقف الأكثر بقاءاً في الوجدان، وهو الأكثر تمثلاً لمشكلات عصره.. البغض والحقد والكراهية ليست أبداً من صفات المثقف، وليس من صفاته أبداً كل هذا التجهم ! معنى الثقافة يكمن في سر الجمال، في المزيد من الأسئلة، والمزيد من التأمل ، أن الماحول من موجودات وأشياء، نبات وحيوان، وبالطبع ذلك الحضور البهي للإنسان، ما هي إلا مفردات التأمل الحقيقية التي تشغل المثقف وتقلقه وتدفعه دفعاً إلى صوغ قراءاته الشخصية.. هكذا سقطت من الشعر مقولات الأغراض التي استلهكها شعراء العمود، وهكذا سقطت أيضاً مقولات تسييس الفن ما دامت تسحق من أجل غاياتها الخبيثة رأس الإنسان. ما يتبقى هو الأثر الخلاق، المختلف بالنتيجة، والساعي إلى خلخلة المفاهيم الثابتة واليقينية التي لا ترى غير زاوية واحدة ولا تسمع غير صوت واحد.

عبد الخالق كيطان شاعر من العراق مقيم في أديلايد