مدرسته فريدة وأشهر فنان في عصره

أكثر من سبعة معارض تقام الآن دفعة واحدة للرسام آرنولف راينر. ويعتبر هذا الفنان في الوقت الحاضر من أشهر الرسامين الألمان الذي يستقطب الإهتمام لطريقته الفريدة في صنع اللوحة، ولنهجه التجريدي المتحرر من اسلوب التجريديين الكلاسيكيين. أما طريقته الفريدة التي أُعتبرت رائدة فهي الرسم على لوحات سابقة مرسومة سُميت بـ "أُوبرمالونغن" أي الرسم فوق الرسم، والتي أرتبطت باسمه.

أقرب معارضه إلينا في برلين هي تلك المقامة في "غرونفالد" وفي "بوتسدام". ومع أن المعرَضين يضمان عدداً كبيراً من أعماله عبر مراحل تطوره الفني إلاّ أنهما لايفيان للإحاطة الكاملة بعالم الفنان الذي أنجز في عمره الطويل عدداً هائلاً من الأعمال.

جاء آرنولف من فينا التي ولد فيها الى برلين خصيصاً لإفتتاح معرضه المقام حالياً. وبالتأكيد للإجابة أيضاً على تساؤلات النقاد والمعنيين والصحافيين الذين وجدوا في حضوره فرصة نادرة للإلتقاء به. تمشى الفنان قليلاً مع عدد من الحضور في بعض قاعات المعرض المقام في " هاوس آم فالدزي" ببرلين، ورافقه في تجواله منظمو معرضه الآخر المقام في بوتسدام تحت إسم " حدائقٌ ومناظر".

لا شك بأن الإهتمام بالفنان آرنولف وبأعماله، في الوقت الحاضر، كبيرٌ وواضح. يعرف هو ذلك. ويعرف بأن الأسئلة كثيرة، وأحياناً معادة، لكنه مرهقٌ في هذا اليوم، شعث الشعر، و مشتت الذهن. يتجوَّلُ مع الآخرين في بعض الغرف ُثمَّ يتعب ويجلس لكي ينهي الآخرون جولتهم فيعودوا إليه.
وليس من الغريب أن يفعل ذلك لأن آرنولف راينر يبلغ الخامسة والسبعين. وهو واحدٌ من الفنانين المهمين في النصف الثاني من القرن العشرين في النمسا، إن لم يكن من أهمهم إطلاقاً. وقد أُعتبر كذلك منذ حوالي نصف قرن من الزمان.

وُلِدَ آرنولف في العام 1929 في بادن بجوار فيينا. وعُرفَ كفنانٍ طليعي وفعال فيما يسمى بـ " الرسم على الرسم" الذي التصق به وأصبح مشهوراً. كان آرنولف يستخدم لوحات الآخرين فيلوَّن عمله عليها حتى تضيع معالم اللوحة الأصلية، أو لا يتبقى إلاّ القليل من تلك المعالم بحيث لايمكن التعرف على الأصل. ومع الزمن يصبح الزملاء الذين يقدمون لوحاتهم ليرسم عليها في طريق الشهرة فتلمع أسماؤهم. أصدقاء وزملاء مثل أميليو فيدوفا، من فينيسيا، الرجل العجوز والفنان المهم في الرسم الإيطالي المتحرر من الشكل. أو مثل فيكتور فازاريلي الشهير بمدرسته البصرية .

لقد عرض آرنولف أعماله في المراكز العالمية المهمة . عرض في مركز بومبيدو بباريس، كما عرض في كوكنهايم في نيويورك وفي عدد كبير من المعارض الفنية العالمية بحيث لا تحصى فعلاً. والآن بمناسبة بلوغه الـ 75 من العمر يقام
له عدد من المعارض التي تعنى بعرض تسجيلي لأعماله، منذ بداية سيرته الفنية. وهكذا تقدم معارض آشافينبرغ، ومعرض مولهايم ومونستر واورليانز ونيتسا وبوتسدام وبرلين إحاطة شبه كاملة بحياته الفنية في خط صاعد. ولكن المؤسف لنا في برلين ـ غرونفالد إن العرض صغير الى حد ما: بضع مئات من أعماله. لوحات وأعمال التلوين على الصور . والواقع أن العرض المقتضب غير عادل في تقديم عالم الفنان آرنولف الزاخر المحتشد بطبقات وبمراحل تضيء حالاته المتغيرة من الغضب والعنف الى التوحش والى النكوص والهدوء ومن ثمَّ الى البهجة أو اللعب، ولكنه، على أية حال، يقدم عالم الفنان على الرغم من اقتصاره على جزء من ذلك العالم .

يتذكر آرنولف راينر بداية عمله، وللمرة الأولى، في النهج الذي اختطه للرسم على الرسم فيقول مثيراً العاطفة والتعاطف معه: " كان الأمر بسبب من العوز والحاجة الماسة للنقود .. ونحن لا نملكها بعد الحرب. كان سعر القماشة التي نريد الرسم عليها باهضة الثمن ونادرة. كان علينا أن نرسم فوجدنا ضالتنا في أسواق الخردة والحاجيات المستعملة. الناس تبيع ما تملك ونحن نعثر هناك دائما على صور جاهزة للبيع" . ويغمض آرنولف عينيه متأملاً ويقهقه مفسراً كيف رسم حتى فوق صورته الشخصية. بالأحرى يمكن للمرء أن يقول لقد ألحَّ بالأصباغ وبالألوان، على نحو مزعج، ليخرِّب الصورة وليغيِّبُ الأصل!. ويضحك : " كنت كوميديا. في عملي هذا لم أكن أكره نفسي بالتأكيد. عموماً مبهجٌ هو عملي".

لم يستخدم آرنولد في لوحاته الرسم على أقنعة الموتي وحسب، بل استعمل أيضاً الرسوم التي رسمها المرضى النفسيين والعقليين، كما استخدم لوحة القماش على الصلبان وفلى الصور الدينية المسيحية. وما إذا كان مسيحياً يجيب آرنولف: " نعم .. ولكن دون اعتقاد ديني محدد، أو انتماء لطائفة مذهبية ". الدين بالنسبة له عاملٌ مُحفِّز ومُهيِّجٌ. إنه مَعين ونبعٌ للإلهام، لا أكثر ولا أقل. ومع ذلك نال مؤخراً درجة الدكتور الفخرية من جامعة مونستر ـ قسم اللاهوت. لكنه لايقبل البتة بأن ينادى بلقبه الجديد.

كان آرنولف، في بداية عمله، وهو في كامل طاقته وتفجره، عنيفاً ووحشياً طبع أعماله الأولى بتلك الطاقة، وهي تظهر في الألوان المستخدمة وفي الأشكال الفوضوية وفي طريقة استخدام اللون دون أية شفافية توحي بالهدوء وبالتأمل، أو بالعمق واطلاق سراح المخيلة. كان يخربش على القماشة ويلطخها بيديه العاريتين. يرسم في كثير من الأحيان بأصابعه فيتآكل جلدها فتوجعه. واستخدم اساليب مختلفة مع اللون على القماشة. وقدَّمَ مرةً عرضاً فنياً يشاركه فيه شمبانزي، وقد صُوِّرَ العرضُ على رق سينمائي يمكن مشاهدته. إلاّ أن آرنولف الذي بلغ الخامسة والسبعين الآن فَقدَ تلك الطاقة وأبتعد عن العروض الجنونية . لكنه في هدأته ما زال ينجز أعمالاً تتسم بالعمق وبالشفافية وتؤسس لنهج أشد إثارة للتأمل.

ليس كل ما تمَّ عرضه في " هاوس آم فالد زي " ببرلين وفي بوتسدام مثيرٌ يجعل المشاهد يحيط بتاريخ التطور الفني لآرنولف راينر، ذلك ان الفنان والمشرفين على العرض انتقوا في هذا العرض عددا من الأعمال أخلت في الواقع بالتوازن لما أريد له أن يكون . و هكذا يقدم المعرض عدداً كبيراً من الأعمال الحديثة . ومع ذلك فتمة أعمال باهرة يمكن مشاهدتها . ثمة أيضاً أعمال تجسد نهجه الخاص في تحوير وتشويه وجوهٍ وأشكال في لوحات فنية من عصر الباروك، فضلاً عن معالجة لوحات مواطنه المشهور فرانس مسير شمت. وقد حوَّر وغيَّر كل ما هو ظاهر وعياني في تلك الأعمال بحيث اختفت معالمها، فيما أوضحَ ما كان مبهماً ومخفياً فيها. وقد جاءت تلك الأعمال لتمثّلَ فلسفته في الرسم على الرسم.