تتشكل الأبعاد الحلمية في الشعر المعاصر عن طريق نقل الفضاء النصي من فضاء انعكاسي الى فضاء تخييلي حلمي، يسهم في نقل الشخصية من واقع متحجر فوضوي مأساوي الى واقع فيه من البراءة والنقاء الشيء الكثير، وهذا المثول للواقع الحلمي هو شيء من استعادة الطفولة المفقودة التي لم تغادر خيال الشاعر.
وتتبلور الابعاد الحلمية في شعر ونصوص الحيدري من خلال طاقات تخييلية خاصة باشراك المبدع والمتلقي في سياق قائم على المزاوجة وبشهوة.
يعد بلند الحيدري من الشعراء الرواد الذين وظفوا الواقع توظيفا شعريا من خلال رصد المشاهد اليومية العابرة واعطائها بعدا طوباويا خياليا، وذلك بوساطة شعرنة الحالة المعاشة وتوصيفها ضمن اسطرة النص الادبي، بما يمنح القصيدة بعدا ديناميا متحولا من خلال جملة من العناصر الاسلوشعرية.
وتوظيف عناصر السرد والشعر معا، لايكتفي بالتداخل المضموني او التناص الفكري الادبي بل يتعداه الى ماوراء ذلك من قيم تناصية تدخل ضمن الجنس والنوع والنمط، أي يأخذ بعده الشكلي الخطير على حد تعبير جوليا كريستيفا التي ترى ان التناص لم يعد ذلك التداخل البسيط، وانما يشمل ابعادا اجناسية تتداخل فيها الفنون الادبية وغير الادبية بما يعطي النص صفة الجامع على حد تعبير جيرار جينت، فبلند الحيدري قد احس هذا التداخل الاستيطيقي بما اعطى النص بعدا حداثويا شموليا مغايرا، وهذا ما وصفه دريدا بمفهوم اختلاف الاثر، نقرأ في قصيدة الحيدري (( اقراص للنوم )):
قف وقرأ
لا تعبر
قف … احذر
……….
ماذا في صحف اليوم
اعلان باللون الاحمر
خذ قرصا للنوم خذ قرصا للنوم
……… لن اقرأ
……… لن اقرأ
سأنام بلا قرص للنوم
يتحشرج صوت البائع
يتدحرج
يرتج الشارع
شيء رائع
رائع
اقراص للنوم
خذ قرصا للنوم
………
-ناولني قرصا …. سأنام
-قرصا لأنام
………..
وينام الشارع
شيء رائع …..رائع
اقراص النوم ….(1)
يوظف الشاعر حدثا عاديا وهو تناول الاقراص المنومة للتخلص من ارق ما او لمغادرة الواقع المر، ولكن هذا الحدث يتبلور في سياق شعري غرائبي مختلف، مكررا صيغ الامر ( قف × اقرأ ))، (( احذر × خذ ))، وفي مقابل ذلك يأتي الحوار مخالفا لتوجهات الامر (( لن اقرأ، سأنام بلا قرص )) وهي محاولة لتغذية الانقطاع بين الانا والاخر بين السلب والايجاب بين القبول وعدمه بين الاستسلام للامر الواقع والثورة عليه، موظفا تقنيات المشهدية البصرية (( اعلان باللون الاحمر )) والسمعية الصوتية (( يتحشرج صوت البائع )) مركزا على حروف بعينها (( البائع، الشارع، شيء رائع ))، فضلا عن نقل الصورة كما هي عندما يقول (( يرتج الشارع )) بما يمنح النص بعدا تأويليا خاصا، فماذا وراء ارتجاج الشارع ؟
قد تقف ورائه كوارث بيئية او مصطنعة، ثم هذا الاستسلام في نهاية القصيدة لكي ينام كل شيء من بعده (( ينام الشارع )) وهذه النقاط الدالة على الحذف (( شيء رائع )) فيمكن تأويل النوم هنا - بالموت - او بالتخدير او بالراحة.
واضح هذا التداخل الاجناسي بين الشعري والقصصي، إذ استثمر الحوار بشكل لافت للنظر، مما يدل على اختلاف موضوع القصيدة وانشطاره بين متحاورين لهما وجهات نظر متباينة تختلف من حيث الثقافة والابعاد الفكرية والرؤية للكون والحياة والاشياء الاخرى لنقف في نهاية المطاف على توحد تام، وهو القبول بالتناول - هذا القرص – (( ناولني قرصا …… سأنام )).
* ديوان بلند الحيدري، دار العودة : 507- 562.




التعليقات