يلجأ علي الطرابلسي في هذه المجموعة القصصية إلى الدقة في اختيار المفردة المناسبة في تعبير حقيقي عن فن القص في القصة القصيرة الذي يقوم على الاختزال ، فالإخبار يأتي بعبارات موجزة لكنها موحية وكاملة المعنى ( آخر قصة لن يأتي...) في قصة النورس ما أن نقرأ عنوان القصة حتى ننتقل إلى أجواء البحر حيث النوارس تخفق بأجنحتها محلقة فوقنا تنظر إلينا بإشفاق نحن العاجزين عن الطيران ، وبعبارات قصيرة نجد أنفسنا قريبين من البحر " كانت أنوار مصابيح مراكب صيادي الأسماك تتلألأ من بعيد ، عند نهاية تمازج السماء بالبحر، ورائحة الأمواج تتضوع في كل الاتجاهات " ، يبدأ القاص قصته بقوة تحمل معها روح المفاجأة حين يستخدم دون تمهيد الجملة الفعلية " هجرني النعاس" ليضعنا وسط الحدث ، ثم ينتقل إلى أفعال أخرى ترسم لنا حركة الحياة بالتقاطات ذكية يدفعه أرقه الذي لابد أنه تمخض عن قلق إلى البحث عن الهدوء والوحدة عله يجدها عند البحر ، البطل يتماهى مع الراوي أو قل الراوي نفسه فالسرد يأتينا على لسانه من خلال لغة القصة ومن خلال إسقاطات الراوي على ما حوله نكشف الحالة النفسية له فقمره برتقالي والأمواج كسلى سرعان ما تتلاشى ، القارب قديم وللذكريات رماد ثم يصرح بحاله حين يبحث في هذا الرماد عن حالة الضياع والقلق التي يشغر بها فهو يبحث " عن وميض من الشوق والدفء يبدد الهموم التي أثقلت رأسه " ، غير أنه لا يجد أملاً في الخلاص " من حياة أطبق عليها البؤس هي أقرب إلى حياة الدود ومن وحدة جارحة كلها أوجاع وآهات التصقت بحياتي وتناسلت معها منذ زمن بعيد " ، استخدام القاص لمفردة تناسلت هنا ينم عن كثافة الحزن الذي يغلف حياته فيبعث فيه شعوراً باليأس والإحباط " ولكنني أحسست بأن روحي أصبحت شعلة منطفئة وقلمي جف مداده هذه الليلة " حتى ليبلغ شعوره بقساوة ما هو فيه حين تغدو الهموم أمواجاً تجتاح روحه " وأمواج الهموم تجذبني إلى أعماقها السحيقة المعتمة " ، لا يحدد القاص لحظة السرد غير أن القارئ يهتدي إليها من النص نفسه ، إن القصة تحمل جانباً رمزياً ذلك هو النورس وارتباط هذا الطائر بالحرية ، فالنورس المحلق وقع أسير شباك صياد يعثر عليه البطل فيجده وقد علق جسمه وأدمى ، حتى أن الشرك حوله يبدو " كرحم موبوء " ، يجد القاص في النورس نفسه فهو فقد حريته أيضاً ليتحول النورس إلى معادل موضوعي لحالته ، وما سعيه لفك أسره إلا تعبيراً عن رغبته في تحرره وفك أسره ، يصور النورس وكأنه إنسان يحادثه ويحس به " ونظر إلي بعينين وديعتين ارتسم في صفائهما ألق السماء الزرقاء وسحر الغيوم الشفافة ، ثم صفق بجناحيه ، وكأنه في شوق لأن يعانق حريته الأبدية حيث البحر والأفق البعيد اللامتناهي " ، يطلق البطل طائره المقيد ويشعر لذلك بسعادة لا مثيل لها ، ويحصل التبادل الروحي بينه وبين الطائر يفصح عنه القاص بقوله " ثم طار نحوي وأخذ ينثر على رأسي المتعب قطرات من الماء من جناحيه المبللين ويطلق صيحات سعيدة امتزجت مع إيقاع الموج الخافت. اجتاحتني قشعريرة لذيذة لم أشعر بها من قبل ، أحسست بماء الحرية العذب ينسكب على جسدي المنهك أنعشت قطراته روحي الظامئة وبعثت في أوصالي نبض حياة متدفق " ، ينتقل هذا الشعور إليه حين يتبدل كل شيء بعد لحظة الشعور بالحرية " فاستلقيت على الرمال الذهبية وهب نسيم بارد من ناحية البحر داعبني برفق وحمل على أجنحته شذا أعشاب البحر رذاذ اليوم أغمضت عيني فاستسلمت لهدهدة نوم لذيذة " ، القاص يحرر الطائر رغم عجزه عن تحرير نفسه لكنه لا يفقد الأمل وهي رسالة فينبغي أن نحلم و " أنا أحلم بأن كل نوارس البحر تملأ الفضاء السرمدي بأجنحتها البيضاء وأنا أحلق معها كطائر أسطوري بجناحين من نور " القاص علي الطرابلسي وإن كانت هذه مجموعته الأولى إلا إنه ليس قاصا مبتدئاً فيبدو من خلال قصصه أن له دربة في هذا المجل فلغته أنيقة يختارها بعناية ويبني قصته بحرفة قاص متمكن من أدواته وإذا كان يعتبر القص هواية فقد أجاد هوايته ونحن ننتظر منه المزيد من الإنتاج.
لا يستعير القاص علي الطرابلسي عوالم قصصه إلا من واقع شهده أو سمع به عن قرب ، وفي لغة صافية سلسة يطوعها يقدم لنا قصصه الإثنتي عشرة التي ضمتها مجموعته القصصية الأولى. الدكتور علي الطرابلسي متخصص بالجيولوجيا ويبدو أن حبه لمعرفة أسرار الأرض دفعه إلى الاتجاه لكتابة القصة ليغور من خلالها في النفس البشرية يبحث في دواخلها ، أو ليس الإنسان جرماً صغيراً انطوت فيه أسرار الكون الكبير؟ أنه البحث في الاتجاهين من أجل الوصول إلى قناعات تجعل لحياتنا قيمة.
لقد حرص الدكتور علي الطرابلسي على أن لا ينشر قصصه إلا بعد أن يتمكن من ويدرك حرفة الأدب ، وهاهو يقدم لنا عمله هذا وسط إلحاح محبيه ليجمع قصصه التي نشر بعضاً منها في صحف عربية ومواقع إلكترونية ، في مجموعة يقدمها للقارئ العربي وقد فعلها أخيراً.
في قصص علي الطرابلسي تجد حنيناً طافحاً لماض لن يعود أبداً ففي قصة ( الأشباح ) التي ( تحمل براءة الطفولة ودفء الأمهات ورعب الزمن المظلم في ذاكرتنا المهترئة أحسست وأنا أقرأ النص بالمعايشة الحسية لأبطاله ربما لتقارب الأفكار المتعلقة بالجان والأشباح بين ريف البلاد العربية رغم تباعد الديار بين المشرق والمغرب وأضفى مبدعه من سيرته الذاتية ربما جواً حميماً على النص فجاء مليئاً بالصدق الفني والواقعية ضمن إطار سردي محكم يتكئ على لغة عذبة سهلة الوصول عميقة المعنى) 1.
لقد وضع القاص يده على كنز تراثي يحمله كل واحد منا غير أن للمبدع فضيلة تدوينه وإعادة إنتاجه من جديد ضمن سردياته ، إنه الانطلاق في مهــب
الدهشة نحو طفولة غادرتنا ومازالت تتلبسنا – ففي – الأشباح – قدم ( بعض صور للريف التونسي في تصوير عفوي لحياة طفولة الكاتب مع بعض الإسقاطات الهامة التي جاءت متناثرة بين سطور القصة كشجرة التين والبخور الذي زرع الاطمئنان في الطفل والشموع المعبرة عن ثمة يقين وثمة حقيقة أمل بالإضافة إلى الأسلوب التعليمي التي تقمصت دور المعلمة لتقنع الطفل بمسلمة لا تملك معطياتها غير حفنة بخور وجذوة نار وشمعتين أي أنها تقول نحن من نصنع أشباحنا وعفاريتنا وخوفنا وإن أردنا أن نكن شجعان فنستطيع وها هي شجرة التين الملازمة لكثير من القصاصين هذه الشجرة ذات الثمار الشهية الطازجة هي نخلة وثمرها تمر غير أن طولها أفقي ورائحتها تضاهي رائحة البخور المحترق غير أنها لا تحترق بل باقية في ذاكرتنا ) 2.
تحمل قصص علي الطرابلسي تلميحاً لأفكار حرص على عدم بثها بنبرة وعظية تنفر القارئ فجاءت مثل ومضات هنا وهناك تنير القصة وتمنحها عمقاً وجدية ، وهي في الغالب تجارب عاشها وأراد إشراكنا معه في لذة المعرفة والمتعة ، فكانت تلك القصص التي لامست شغاف قلوبنا عبر انسلالها إلى وجداننا ونحن نتابع أحداثها بشغف وروية.
لا يتناول القاص موضوع الوطن بأسلوب خطابي ولا يملأنا بالصراخ بمفاهيم حبه الذي بات تفسيره مختلفاً من شخص إلى آخر ، إلا إنه يلامس بشفافية عذبة هذا الموضوع من خلال قصته ( الموت بين أشجار الصنوبر ) في ثيمة لطيفة تنقل إلينا معاناة الشعوب من الاستعمار حتى بعد رحيله ، في هذه القصة نجد القاص ( يعب من بئر قرانا الطاهرة وأريافنا الجميلة ، وهو يلتقط هذه الفكرة الجديرة بالتناول ويسبر لنا أغوار شخصياته البدوية من خلال وصفه السهل / الممتع لحياة شخوصه البسيطة ، ومن خلال تداعيات جميلة وساحرة تحيل القارئ إلى أزمنة البهاء والطهر التي لوثتها المدنية المزيفة بألغامها ، ومتفجراتها اللعينة التي تركها المتناحرون ، غربان شؤم تنذر بالويل لكل أبنائنا البسطاء وبوادينا الطاهرة الآمنة) 3.
لا ينحاز القاص علي الطرابلسي في قصصه لغير الإنسان كونه إنساناً ، متنقلاً في بلاد الله الواسعة يبحث عن شخصياته التي كتب عنها بمودة وحب وإعجاب و إشفاق أحياناً ، أنه يستدعي حدسه في كل ما كتب ولا يعبأ بغير ذلك وتلك هي صفة المبدع الحقيقي.
إن قيمة العمل الإبداعي لا تحدد بما يقدمه العمل من رؤى وأفكار وحلول بقدر ما يقدمه من إثارة للمتلقي بما يطرح من أسئلة ما كان يصل إليها دون قراءة لهذا العمل ، فالمتلقي لم يعد يبحث عن عمل يجعله مسترخياً بقدر حاجته إلى عمل يثير التساؤل في نفسه ويجعله أقدر على التعامل مع عصره وتقديره قيمة الأشياء ، إنها مهمة تنقل القارئ من سلبية التلقي إلى المشاركة وتجعل المبدع أكثر قدرة على الإمساك باللحظة الهاربة ، بما يمر في حياتنا دون أن يستوقفنا لإنشغالاتنا الكثيرة فيأتي المبدع ليضع يده عليه ويدعونا لكشفه.
تعامل القاص الطرابلسي مع القصة القصيرة باختزال شديد لكنه أغدق عليها عمقاً وجعلها أكثر تعبيراً ورصانة ، لقد وجد فيها ضالته ، فمن خلالها تمكن من إيصال أفكاره إلى الناس عبر توليفة رقيقة هي هذه المجموعة التي بين يدي القارئ يتفحصها ويعايش أجوائها ، فيسأل نفسه كم مرت بنا مثل هذه الأحداث ولم نسجلها؟ أليست حياة كل منا ضاجة بالحكايات والقصص ؟ إنه السؤال الذي يتردد في أذهاننا وتبقى الإجابة عليه أن ليس الجميع قادرين على ذلك.
لا يجمع بين قصص المجموعة سوى الفعل الإنساني ، فقد تنقل القاص زمانياً ومكانياً ، جال في الماضي ليقتنص من شخوصه ومر بالحاضر ليستعير من أحداثه فكانت هذه القصص.
تناول هموم الإنسان مع من يحب ، فكانت قصة ( غروب شاحب ) عن ذلك المكسيكي الذي خذلته حبيبته مع سائق شاحنة ، حين وجده يغني بقلب ملتاع عند النهر الذي شهد نهايته ، وقصة ( أحلام من رمال ) وبطلها حسن ابن القرية الذي ذهب للحصول على مؤهل علمي وعمل محترم في المدينة يؤهله للزواج بمن يحب ، فعاد ليجد نفسه أمام خذلان الحبيبة ولكن من نوع آخر فكان أن هجر قريته في أول قطار. أما قصة ( لن يأتي أبداً ) فقد كانت بطلتها الفضيحة حين تلحق الإنسان واضطراره إلى الهرب من المكان الذي يعيش فيه ، وشاهدنا ضعف العم عقيل بجثته الضخمة أمام مغريات الجسد ، حين يمتزج عرقه مع جسد حورية زوجة العم عاشور.
في قصة ( النورس ) كانت هناك الحرية التي نحلم بها جميعاً ويفتقدها معظمنا حاضرة في العمل حضوراً طاغياً ، فاستعار القاص سقوط طائر النورس في براثن الشرك ليرمز به إلى حيرة الإنسان وتكبيله بالضوابط الاجتماعية والسياسية الصارمة فيستلب الإنسان ولا يبقى مبرر لوجوده فماذا يحل به؟
يتناول القاص الموت حقيقة واقعة بكل ما يمثله عندنا من رهبة وخوف ، من زاويتين مختلفتين الأولى الموت في سبيل الوطن كما هو الحال في قصة ( عين غزال ) ، والموت بما تركه الاستعمار كما هو الحال في قصة ( الموت بين أشجار الصنوبر ) ، في الأولى يقدم إصرار الفلسطيني على الدفاع عن أرضه في وجه الاحتلال الإسرائيلي ويدفع ثمنه بالاستشهاد ، وفي الثانية إشارة خفية إلى ما يتركه المحتل من قتل وخراب حتى بعد رحيله حين يموت عبد السلام بقنبلة من مخلفات الحرب العالمية الثانية.
قصة ( ديك الجن ) هي أقرب إلى الفانتازيا ، تتحدث عن أولئك الذين يركبون الموجة كيفما كانت ويتحولون إلى أبطال في الصدفة التي يصدقونها فيما بعد ، وما أكثر هذه النماذج في حياتنا ، مقابل من يدفع حياته ثمناً حتى دون أن يتذكره الآخرون . في حين نجد في ( سراب ) شابا مغاربيا هاجر إلى أوروبا حالماً بمستقبل وردي انتهى به المطاف ميتاً بعيداً عن أهله دون أن يحقق أحلامه بعد أن تناول كمية كبيرة من المخدّرات.
بناء الشخصية القصصية
معظم شخصيات القاص علي الطرابلسي شخصيات مسحوقة بسيطة لا تملك من حياتها غير أحلامها التي لا تتحقق ، ففي قصة ( أحلام من رمال ) الشخصيات حسن طالب باحث عن عمل في المدينة ، وصابر عامل ميكانيكي والمكان قرية قصية فقيرة في الريف . في ( سراب ) عامل في فندق ، في ( الموت بين الأشجار ) عمال بسطاء ، في ( النورس ) لم نتعرف على البطل جيداً لكننا تعرفنا على قريته الفقيرة ، في ( لن يأتي بعد اليوم ) بائع متجول ، في ( غروب شاحب ) مكسيكي بسيط بلا عمل ، في ( الأشباح ) الأجواء لقرية تجسد بدائة الحياة وبساطتها0
إن سعي القاص إلى الانتباه إلى هذه الشريحة المهمة الواسعة في عالمنا العربي شريحة البسطاء والمهشمين يدل على شعور عال من المسؤولية وصدق في الانتماء إلى الإنسان ، الانتماء هنا ليس الانتماء الطبقي وإنما الانتماء الوجداني الذي يمنحنا شعوراً جارفاً بالانحياز إلى ما هو نبيل. لقد راهن بعض المبدعين على الحديث عن الثراء وأجوائه ، لكن ظل البعض منها لا يلامس القلب وهو ما ابتعد عنه القاص علي الطرابلسي.
من خلال مطالعة سريعة لمصائر هذه الشخصيات نجد أن معظمها مصائر مأساوية ، وهو تعبير عن الخيبة التي يشعر بها الإنسان حين يجد أن نماذجه مأزومة ومهزومة معاً . والسؤال الذي ربما يتبادر إلى أذهاننا ألم يجد القاص غير هذه النماذج التي طرحها؟ أغلب الظن أن القاص حرص على أمرين أولهما الصدق الفني فأختار نماذج أنشغل بها فعلاً ولم يستحضرها إرضاء للقارئ ، والثاني شعوره أن الشخصية الإشكالية هي أكثر تأثيراً في القارئ ، والأمران نابعان من حرص القاص على تقديم فن جميل.
تنوع الجغرافيا وتوحد المصائر
تنقل القاص في قصصه من أمريكا إلى أوروبا كما هو الحال في قصتي ( سراب ) و ( ألم بين شروخ الإسفلت ). أما الوطن العربي فكان حاضراً في قصصه في بلاده تونس كما في قصتي ( الأشباح والموت بين أشجار الصنوبر ) والسودان ( ديك الجن ) والجزائر ( الساحل الأحمر ) فأظهر ولاءه لأفريقيا التي إليها ينتمي وكانت هناك قصة واحدة عن القضية الفلسطينية ( عين غزال ). إن هذا التنوع إنما يفضي إلى توجه القاص نحو الهم الإنساني الذي لا يتحدد بجغرافيا، فالظلم والجور لا موطن له ، وما تنقله في البلدان العربية إلا شعور منه بوحدة الهدف والمصير ، فما ليس هو عالمي لابد أن يكون قومياً.
الدراسة الفنية
إذا كان شكل القصة هي الإطار الذي يجمع الفكرة مع اللغة لتقدم لنا شكلاً نسميه القصة ، فإنها تعبر عن فنية القاص ونجاحه في تقديم رؤيته إلى المتلقي وهي ليست بالمسألة السهلة . لقد تعامل القاص الطرابلسي مع موضوعات قصصه بحميمية عالية غير متكلفة ، فكانت قصصه تنساب إلى القارئ بيسر وسهولة ، وهذا لا يعني أن القاص لم يبذل جهداً في ذلك ، بل أن جهده كبير حتى لتبدو تلك القصص أنها غير مصطنعة ، مع أن القصة لابد أن تقوم أصلاً على اختيار شخصياته كما ذكرنا من الطبقات المسحوقة في انحياز واضح إلى تلك الطبقة ، كان يرسم شخصياته بعناية كبيرة رغم إنه يكتب قصة وليست رواية. كما اهتم القاص بوصفه للأشياء كالطبيعة والمرأة وغيرها من العناصر الأخرى.
اهتم القاص الطرابلسي أيضا بالجانب النفسي لأبطاله فكان الوصف يتوافق مع الشخصية ، في قصة ( النورس ) نتعرف على البطل مهموماً مدحوراً لا أمل له في شيء فيقول عنه ( ولكن أين الدفء والشوق من حياة أطبق عليها البؤس ... هي أقرب إلى حياة الدود ، ومن وحدة جارحة كلها أوجاع و آهات ، التصقت بحياتي وتناسلت معها منذ زمن بعيد ) حتى القرية كان يراها بمنظار أسود ( كانت قريتنا تغط في نوم عميق ، والبيوت العتيقة المطلة على الشاطئ تبدو كأشباح صامتة تصغي لهمس الموج ).
للقاص تعامل لطيف مع اللغة فيستخدم الإيحاء أينما كان ذلك ممكناً ليرتقي بعمله الفني ، ففي إشارة إلى اللقاء الجنسي بين حورية زوجة العم عاشور والعم عقيل البائع المتجول في قصة ( لن يأتي أبداً ) أخبرنا بحياء ما تم بينهما ( وتساقطت الزهور البيضاء من أطراف ... ثم التصقت ظلفتا الباب ) في إشارة إلى السقوط الأخلاقي.
إنه يبني قصته من ( أيقونات عذبة بسيطة تتوالد على نحو تصاعدي يستدعي بعضه بعضاً بحيث تتكامل الثيمات المنزاحة عبر المحكي الذي تحول مع مرور الوقت إلى نوع آخر من القبض على جمر الحقيقة ) 4. في قصة ( النورس ) حين يطلق النورس بعد فكه من أسره مستشعراً بالحرية " أحسست بماء الحرية العذب ينسكب على جسدي المنهك ... أنعشت قطراته روحي الظامئة ، وبعثت في أوصالي نبض حياة متدفق ".
وبهذا يكون علي الطرابلسي قد خط لنفسه مكاناً بين المبدعين ونحن بانتظار القادم الذي سيكون أكثر عمقاً وشفافية معاً.
باسم عبود كاتب وناقدعراقي




التعليقات