ت. وتقديم بُرهان شاوي: في المعرض الفرنسي العالمي لسنة 2003، وضمن نشاطات الجناح الروسي هناك، وتحت شعار مأخوذ من جملة للشاعرة آنا أخماتوفا "لقد علمتُ النساء الكلام" أقيمت ندوة للحوار عن كتابات المرأة الشاعرة في اللغة الروسية. الندوة افتتحها الكاتب الصحافي (فيكتور ايروفييف) و(الكسندر ميليخوف)، الى جانب نخبة من الشاعرات الروسيات المعاصرات امثال: أولغا سلافنيكوفا، سفيتلانا فاسيلينكو، أيرينا مورفيوفا، دينا روبينا، تاتيانا بيك، مارينا فيشنيفسكايا، اولغا سيداكوفا، والينا شوبينا.
لا نريد ان نغطي هنا هذه الندوة، لكننا نتخذ منها مدخلا الى عالم المرأة الشاعرة في روسيا. فقد ابتدا (أيروفييف) الحديث موضحا مكانة المراة في اللغة الروسية، قائلا بانها ، في الوقت الحاضر، تجاوزت الرجل وزاحمته شعريا، وصارت جزءا لا يتجزأ من حقيقة الأدب الروسي. فالنساء الروسيات كن دائما جزءا من الأدب الروسي، كبطلات وكموضوع ، الآن تغير الوضع فالمرأة صار ذات الأدب الروسي. علما ان الشعر الروسي لم يعرف أسماء شعرية نسوية عظيمة فقط، وانما حاكمن الرجال وعالمهم من خلال اليوميات التي كتبتها النساء أمثال: ناديجدا ماندلشتام، وبربيروفا، وانتهاء بالنساء المعاصرات اللواتي جعلن من الرجال كقطعة من الجليد الذي تلاشى تحت لهب كلماتهن. لكن هذا لا يعني اننا نستطيع تقسيم الأدب الروسي حسب الجنس، وانما وفق المعايير الميتافيزيقية، والآنسانية، والجمالية، ووفق المعايير الأدبية العامة.

الحديث عن الأدب النسوي هو قضية شخصية، مثلما الأدب الروسي بشكل عام هو قضية شخصية. وفي الأمور الشخصية اثبتت المرأة الروسية انها أقوى من الرجل بكثير. وهناك جانب سياسي في هذا الأمر، فالرجال في المرحلة السوفيتية، كانوا يكذبون كثيرا في أماكن العمل، وفي البيت، بعد العمل، كانوا يشربون كثيرا، بينما المرأة كانت تكذب أقل، وفي البيت تشرب أقل!! لذلك فقد احتفظت بنفسها أكثر من الرجل. وربما يمكن القول، كانت لها مكانتها على مستوى الدولة أو الحياة. وهناك جانب آخر في هذه القضية، هو أن الأدب الروسي الذي كان يكتب من قبل الرجال كان يتحدث دائما عن القضايا المصيرية، والأسئلة التاريخية، ولم ينتبه لحياة الانسان الفرد. النساء وحدهن تناولن المصائر الفردية، لذلك لهن منا الشكر.أما الكاتب والصحافي (ميليخوف) فتحدث عن عمله في التحرير الصحافي، وكيف انه كثيرا ما يقرأ نصوصا لنساء تمتاز بأختلاف واضح عن كتابات الرجال، من حيث ان المرأة تحتضن العالم بكل وكأنه دراما حادة.

المفاجأة في هذه الندوة كانت حينما جاء دور الكاتبة ( دينا روبنا)، التي وجهت النقد بداية الى ان الرجال هم الذين افتتحوا الندوة عن أدب المرأة، وانهما تحدثا عن المرأة وكيف تكتب..! وتحدثت عن ظاهرة في أماكن بيع الكتب الروسية، وهي وجود أرفف عليها عنوان ( أدب المرأة )، او( الأدب النسوي)، وهذا ما يثير السخرية، فليس هناك أدب نسوي أو ادب رجالي، وانما هناك ادب معاصر وحسب !!

هذه المقدمة قد لا تستعرض ادب المرأة الروسية، أو دورها في الأدب الروسي، ونتاجاتها، لكنها تؤكد على ان الصراع والسجال الحامي حول مفاهيم (الأدب النسوي) و( ادب المرأة) ليس ببعيد عن ساحة الأدب الروسي المعاصر، اذا لم نقل بان مثل هذا الصراع والسجال قد مضى بعيدا وقطع اشواطا، قياسا الى غيره من آداب العالم. فالى جانب دور الصحافة النسوية الخاصة، نجد ثمة دور نشر تهتم بنتاجات المرأة اكثر من غيره، بل ويكفي أن نقول بان كل النصوص التي ترد في هذه المقال منتقاة من موقع على الأنترنيت اسمه ( الأدب النسوي المعاصر)، وهو موقع يؤرخ لأدب المرأة، ولتاريخ المبدعات من روسيا او من آداب العالم الأخرى. وهو موقع مفتوح ويتجدد يوميا..!

صحيح ان الأدب الروسي، لا سيما في القرن التاسع عشر، لم يشهد كاتبات بمستوى الكتاب الروس الكبار الذين نعرفهم، ولا شاعرات عظيمات مثل بوشكين وليرمنتوف وتوتجيف، وغيرهم، لكننا ومنذ بداية القرن العشرين شهدنا إشراق شمس اكبر شاعرتين في الشعر الروسي على الإطلاق، وهما (آنا أخماتوفا) و(مارينا تسفيتايفا).. وتعرفنا على بطلات ثوريات أمثال ( الكسندرا كولنتاي)، و(ناديجدا كروبسكايا)، ورائدات فضاء، وسينمائيات رائعات امثال (لاريسا شبتكو)، وممثلاث عظيمات، ومقاتلات شرسات ضد النازية، ويكفي ان الأجيال االروسية، والسوفيتية سابقا، ظلت تنشد اغنية (كاتيوشا)، وهي عن المقاتلة(كاتيوشا) التي ناضلت ضد النازيين الألمان، وصارت بطلة وطنية، حتى ان اسمها أثطلق على نوع من الأسلحة والصواريخ.!!!

صحيح ان المرحلة السوفيتية روجت دعاية جبارة حول دور المرأة وتحررها، مستمدة من الموقف الإشتراكي المتحرر من المرأة، بل انها رفعت دور المرأة الى مستوى القداسة، لكنها ايضا سجنتها في هذه الصورة الأيقونية التي رسمتها لها، وقد انعكس ذلك في الأدب والسينما بشكل واضح.. لكن ذلك لم يمنع السلطات البوليسية من جرالنساء الى معسكرات الأعتقال، والى اقبية السجون السرية، ويكفي ان نقرا قصيدة ( قداس جنائزي) لأخماتوفا لنعرف الحقيقة المرعبة عن النظام السوفيتي، لا سيما في مرحلة ستالين، بل ان حياة الشاعرتين الكبيرتين: أخماتوفا وتسفستايفا، ومصيرهما المأساوي اكبر دليل على ذلك..

إنهيار الاتحاد السوفيتي المروع،المثير للسخرية والدهشة، كان صدمة آيديولوجية قبل ان يكون صدمة سياسية، فلقد فتح بوابات التاريخ امام الأسئلة الصعبة، ووضع سؤال الأسئلة أمام مجهر الفكر والضمير: ايهما أفضل، الخبز أم الحرية ؟؟الحرية الجديدة دفعت بالملايين من النساء من جمهوريات الاتحاد السوفيتي المنهارالى الدعارة في مختلف بلاد العالم، ومنها بلادنا العربية المسلمة والمتدينة والفاضلة، ودفع بملايين المسنين والمتقاعدين الى مشارف الموت جوعا، الا انه انهى ايضا تلك الوصاية والرقابة على الأخلاق والأحلام، وعلى اللغة!!

لسنا هنا في موضع إستعراض واقع الأدب الروسي بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ولا في مجال المقارنة بين الأدب في المرحلتين، لكن يمكن تأكيد إشارة ( ايروفييف) بان موضوعات مثل: الوطن، الأمومة، البناء الشتراكي، البطولة والتضحية، مصير الانسان والشعب، الحزب، وغيرها من الموضوعات قد إختفت تقريبا من الأدب الروسي، والنسوي منه بالتحديد، وصار التاكيد على المصير الفردي أو التركيز على التفاصيل، وتفاصيل التفاصيل. وتلونت اللغة بطيف من السخرية، والمرارة والتهكم، والعدمية، والهموم الوجودية. وانه من المبكر على المختصين في شؤون الأدب الروسي ان يطلقوا الأحكام القاطعة في مسيرة هذا الأدب منذ إنهيار النظام الشيوعي، لكنهم لا يتوانون من رصد الظواهر..!

هنا سنقدم بعض الشاعرات الروسيات المعاصرات، التي سيتحدثن عن انفسهن ببساطة مع نماذج من أشعارهن.. وسنرى كيف ان اللغة قد اختلفت، والرؤيا قد تغيرت..والموضوعات والاهتمامات قد تغيرت..رغم ان ملاحظة التغير تفترض المعرفة والألمام بما كان قبل ذلك..


لينــور غـوراليـك: الكتابة عقـدت حيـاتي

تقول عن نفسها: من الناحية التعليمية انا مبرمجة كمبيوتر، لكني لم أعمل في هذا المجال طويلا، وانما عملت مستشارة ومسؤولة إدارية لسنوات، رغم ان كل هذه الأعمال لم تكن ممتعة..أترى هناك اعمال ممتعة؟. أنا اعيش وحيدة، لا احب الطقس الرديء،. أعيش في موسكو، وهذا ما يثير دهشتي وحيرتي، أسيطول بي الحال هكذا؟
علاقتي مع الناس طيبة، لكني لا استطيع الاستمتاع معهم. أكتب كثيرا، والقي باكثر من 90 في المئة من كتاباتي في سلة القمامة، لنها لا تعجبني. أحب أمي وأبي كثيرا، الى جانب ثلاثة أو أربعة أشخاص آخرين. أريد ان اربي قطة، لأو على الأكثر اربي هرا. لدي آلام دائمة في مفصل اليد، واعجب احيانا كيف اني استطيع الكتابة، لكن بعض الأصدقاء يؤكدون لي بانني سأتعود على هذا الألم. ربما

* كيف هو شعوركم وانتم تقدمون تضحيتكم في عالم الأدب؟

- أنا لا اشعر بانني أضحي بشيء. أشعر بانني عصبية فقط. لا استطيع الكلام او اي شيء من هذا القبيل الذي يتطلب تجسيد المعاناة في كلمات أو لوحة. هذا شيء معذب. احيانا أفكر بصدق وجدية بانني لو لم أصاب بعدوى الكتابة لكانت حياتي أهدا وأكثر بساطة. الكتابة عقدت حياتي، لأن الكاتب يكون دائما تحت سطوة ظواهر أخرى.

* أنت متعددة المواهب، فانت كاتبة وشاعرة، وناشرة، وصحافية، وفنانة، ومترجمة!

- عن الموهبة وأسرارها لا أعرف شيئا. لكن ما اعرفه هو الأشياء التي أحب عملها، ولدي الكثير من الأشياء التي أحب إنجازها. وربما هي الدواء الدي أحتاجه، الى جانب بعض الأشياء المجنونة التي ترقد في اعماقي، والتي يحرقني الفضول لانجازها. ما يثيرني حاليا هي الموضوعات الدينية التي دفعتني لكتابة عدد كبير من النصوص التي نشرت قسما منها، وهي نصوص مفتوحة على ضفاف الشعر والسرد، وكذلك اجدني منهمكة بالرسوم المتحركة، وكما تلرون ان كل هذه الأشياء ليس لها علاقة بالموهبة!

* من تفضلين من الكتاب المعاصرين؟

-لا أود أن أسمي احدا، لآن ذلك سيكون بلا ذوق ولا معنى. لكني أستطيع القول بانني أريد أن اقرأ عن شخصيات حية. ففي الفترة الأخيرة صرت أميل لمعررفة الأشياء الصغيرة، اليومية، وطريقة تفكير الناس وأسلوب حديثهم، كيف يبتسمون، ويفكرونن ويتالمون، وعن كل التفاصيل التي تجري في قطار مترو الأنفاق. واعتقد ان افضل الكتابات في الفترة الأخيرة هي تلك التي تلتقط عالم المترو هذا.

تنـويعـات


( 1 )


يدخل في الساعة الثامنة،
يصعد الى غرفة المدير..
يطرق الباب بقدمه..؛
يرفع نظارته، أقواس تتطاير شررا..

يدخل هائجا،
لقد تعب خلال السنوات العشر الأخيرة..
تعب من تدريس السخافات والهذيان..
يستلم راتبه ومستحقاته..؛
ويذهب..

يشتري لنفسه تلسكوبا..؛
يقضي وقته داخل العدسات..
يدرس مواقع النجوم..؛
لا يذهب الى البحـر،
وأنما يغرق في الكتب..
ويضيع عقله في الورق..!
ويصير أحب الرجال في الجحيم..
أكثر من كوريا وروسيا..!!!


( 2 )

يولد ضعيفا. ويعد الرياضة شيئا سخيفا..!
يذهب الى معهد الفيزياء..
ينهي الدكتورا..
يتزوج..
يجمع الكتب الأدبية..؛
يعمل ليل نهار..؛
يحل الألغاز الصعبة..
يذهب كجندي في فرقة المشاة الى بلغراد..؛
في إحتفالات النصر يسيعرض مع الجنود..
لكنه يعرج..!
ورغم ذلك يغني ويتنفس براحة..

ذاع صيته بين الطلبة
كشخص غريب الأطوار..
كان يلقي محاضراته ببساطة وحماسة..؛
وكان يردد دائما :
( العاقل يعيش بصعوبة)
لكنه، بمرور السنين، صار يعرج أكثر..
وصار يغني لنفسه..!

يصحو يوم الأثنين في سكون
يفتح النافذة، مثل كتاب نادر..؛
تدهشه اللحظة الساحرة..
كل شيء هاديء في البيت..
كيف تنام الروح في هذه الزرقة الصافية..؟
كم هو رائع ان يعيش المرء في هذه الحياة..!
كم هناك من الأشياء الرائعة في كنه الغيب..!

البيت هاديء.. والأبناء قد كبروا..ورحلوا..
وفي الدولاب ترقد أواني الخزف الصيني الفرفوري..

لكن ثمة حسرة كثيفة الشعر في الصدر..!




يـانا تـوكاريفــا : حكمتي بطيئة كالسلحفاة..!

تقول عن نفسها: لقد إنتظر والدي صبيا بفارغ الصبر، حتى إنهم اختاروا له إسما، لكنني خيبت أملهما، فلقد ولدتُ أنا. لكنهما أصرا على الصبي، وهكذا ولدت امي صبيا بعدي. ومن هنا فقد كانت لدي دمية أسمها ( الغني) وليس( الغنية)، وليس في ذلك ما يثير الدهشة ! أخي الصغير كان يتبعني مثل الذيا، وكان يتتبع حكمتي البطيئة كالسلحفاة أيضا.

- جدتي، أصحيح انه ليس للسماء نهاية ولا للنجوم ؟؟
- نعم..، هذا صحيح..، لكن من قال لك هذا ؟
- يـانـا

الشهود على طفولتي يقولون بانني كنت قادرة على تأليف مقاطع ذات قافية وايقاع، رغم سذاجة المعنى. انا لا أدكر شيئا، لكني اذكر انني تعلمت القراءة والكتابة بصعوبة.

قصائد ريفيـة

في القرية لا يعيش الرب في الزوايا *
برودسكي


غنائية

لقـد ذقـتُ جميـع النعـم والهـدايا..؛
أيتهـا الشـمس لـك العافيــة..؛
وليـكن حـليبـا دمـك...
معي تمضي كلبـة تمخر المياه..؛
أما الشيـاه..
فتعدبها الأغصـان..
وهـداياك من الورد..!

******

لقـد عضتني كلبة الـراعي..؛
إنهـا قوقـازية، أشبه بـدب..
لقـد عضتني كـلبة، لتكــن
تعــال الى هنا، وجربنـي..!





مقـبرة ريفية

هنا يرقـد جـدي وجـدتي..
ويرقـد خـالي الأكبر..؛
والأصغر الذي مات في طفولته..؛
وأحد اخوتي يرقد هنا أيضا..

إلا ان الشجار تنمـو هنا، رغم ذلك..
وأنا أقف ها هنا أيضـا..!


العـلاقـة الطيبة بالجياد

هـذه المهـرة تسـمى ( كورينا)
إنهـا هـادئة ومسالمة..
جـلدها إنسألخ حتى سال الدم، فهجم عليه الذباب..
إنهـا مهـرة فتيـة..؛
بيـد ان اللجــام واسع وكبير..
ولا يوجــد ثمـة لجــام أصغــر..!

لكـن شـد المهـرة بالعـربة مهـم جـدا..؛
مثـل العـلاقـة بالنــاس..!