قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

(1-4)

إنّ الأغنية اليوم أصبحت تعتمد بشكل كامل على الإبهار البصري الخادع


إن الأغنية العراقية في وضع لا تحسد عليه اليوم، وكأنها عنوان الحال العراقي العام، فقد أصبحت نتيجة حتمية لتراكمية مكتسبة من نتاج وسلوكيات ثقافة النظام المقبور، الذي أشاع نتاج ثقافي"خاكي" اللون وتصفيقي مادح بشكل مقزز لمخالفته الواقع الحقيقي، لخلوها من البعد الإنساني، وإن استخدمت كل أساليب التزويق العالية الجودة أحياناً، لغرض تمرير القصدية الدعائية المطلوبة إدارياً، حيث سهرت وزارة الثقافة والأعلام بكل مؤسساتها الإدارية والإنتاجية آنذاك، بما وهبت، وما امتلكت من الإمكانيات المادية والفنية والخبرة عند ملاكاتها المنتجة والمتسترة بالصفات الوظيفية والمسميات الإبداعية الفنية، لنراهم اليوم يملؤون المهرجانات والندوات تحت ظلال أحداث مخططات الأصلاح الترقيعية التي يجري تنفيذها في بغداد بشكل ناشز تحت مسميات التغير. فحين كان النظام السابق يجيش المظاهرات هاتفتاً لسنوات طويلة ومستمرة في شوارع العراق : ( عاش عاش عاش البكر... والبعث دومه منتصر... ) ليظهر الآن بصورة لها دلالة الأستنساخ الثقافي وإستمرارية الطباع العراقية المتكونة خلال النهج الثقافي القاتل ، عبر الشواهد اليومية السابقة، التي تستنهض بوعي هو من بقايا سياسات النظام الديكتاتوري، أو من دون وعي أحياناً كثيرة، كما يظهر الهتاف أعلاه كمثال صارخ لثقافة تعَوَّدَها الكثيرون ولم تمت الى اللآن ، فها هي الجموع تصرخ بإندفاع سياسي : (عاش عاش عاش الصدر... علاوي والمجلس كفر...) أو الهتاف الدموي ( بالروح بالدم نفديك ياصدام...) ليصبح الآن رائجاً بمسميات كثيرة مع بقاء الدم والفداء، مثلما بقيّ النشيد القومي العربي الذي كتبه الشاعر الفلسطيني الكبير " ابراهيم طوقان " وألحان " الأخوين فليفل " والنشيد هو " موطني " الذي هو أحد الأناشيد التي زخرت بها اذاعة القدس بعد نكبة العرب عام 1948.
وهنا أسجل الوضوح المتداول والمشبع للذاكرة العراقية اليومية، بما أصرالنظام السابق على إشاعته وإنتاجه معاً. بذلك يمكن لنا أن نلمس استمرارية الانهيار الثقافي العام عند جميع جوانبه وأشكاله المتعدد، ومنها الصورة الساذجة والرديئة للأغنية العراقية اليوم، وسط هزال الوضع الثقافي العربي الرسمي المسيطر على الفواصل الحياتية عموماً. فلم يبقَ للمتلقي العربي والعراقي خصوصاً، أيّ مساحة عامة يمكن خلالها الحصول على الزاد الثقافي الخالي من الغث، عبر الوسائل الأعلامية المتواجدة رسمياً، والتي يزدحم بها الفضاء العربي.
لذا يمكننا القول، إنه لا يمكن خلق أرضية التواصل في إبداع الفن الغنائي ذي الجودة والمتوازي في الأبعاد المميزة له ، بكل خصوصيات موسيقانا ذات الوجه الحضاري الجمالي ، مالم نزيح شيئاُ من الركام الهائل من ترسبات النهج القديم والواضح في ما لًقِنَ من ثقافة استهلاكية سطحية ذات خواء فني ضحل. إنّ الأغنية اليوم أصبحت تعتمد بشكل كامل على الإبهار البصري الخادع، من خلال الصورة المتناقضة مع بيئتها، والمقلدة لهشاشة ثقافات أخرى سطحية، لها تأثير تظليلي وتخديري مقصود في فعاليته التشويهية لذاكرة المتلقي. ولنعترف علناً من إنّ المتلقي بات غير مكثرث بما يقدم له من لهو سمج التكوين، وهو اللاهث في الدوامة اليومية بحثاً عن لقمة الخبز. بذلك فقد الكثير من الوعي المطلوب لماهية حاجاته الضرورية، نظراً لأضمحلال حوافز الحوارات الداعية نحو تحصين المتلقي وتسليحه بأساسيات حواس التذوق والأختيارات الجيدة، وسط غياب الجودة فيما يقدمه الأعلام. فبقيّ المتلقي محاصراً بجو ثقافي مقرر ومبرمج بشكل دقيق، خاصة إشهار وتسويق الأغاني الهابطة. نتيجة اخفاقات وغياب الحركة السياسية العراقية للبرنامج الفكري والثقافي الأستراتيجي والمرحلي.
أما منهاج المؤسسات التجارية التي يديرها عقل تخريبي خطير، فهو الذي يملئ الذاكرة يومياً بأغاني هابطة ممكن أن نطلق عليها أغنية " BIG " أي أغنية لمرة واحدة، بها لا يمكن المساهمة في تكوين ذاكرة تاريخية أو نفسية للجيل الحالي، فأغاني عبدالحليم حافظ الوطنية تسجيل المرحلة الناصرية في مصر، مثلما يمكن تسجيل مساحة معقولة لمستوى جيل الستينات من خلال أغاني فيروز.
وقد إستثمر في هذه المؤسسات التجارية العديد من مكوني "البرجوازية الطفيلية"، التي تولد دوماً تحت ظلال السوق السوداء حيث الغش والتزوير وغسل الأموال، وهي تستند في حركتها النفعية الإستغلالية لحماية ضامنة لها، من خلال مد جسور أواصر التبعية مع رجالات النظام الحاكم، أمثال "عدي وقصي وعبد حمود". فعندما يستولي الأول "عدي" على بث محطة من المال العام ويؤسس بها، مؤسسة "تلفزيون الشباب" هذه المحطة التي أعجبت الكثير، حين يمتدحها بوعي أو غير وعي...! لكونها الوسيلة الوحيدة التي كانت تضخ اللهو الهابط، حسب وصايا مالكها الوحيد سيادة الأستاذ إبن قائد الضرورة ومستشاروه.
إن "تلفزيون الشباب" ساهم بوعي تام في الأجهاز على ما لم تستطعه ماكنة إنتاج أغنية المدح والتضليل زمن الحروب والعنف في ما أرادت من انجازه في تدنيس ما أرادت تدنيسه، لخلق ذاكرة على مقاس ثقافة السلطة الديكتاتورية، التي أصبح رئيسها روائياً ومفكراً وشاعراً وفناناً تشكيلياً و..... لقد ساهمت هذه المحطة، "تلفزيون الشباب" ، بشكل واضح وصريح في هبوط الأغنية العراقية، بما أنتجت من أغاني ناشزة الشكل والمضمون، وأعني بذلك الكلمة واللحن والصوت. والكثير يذكر الهالة الدعائية التي حصل عليها " عادل عكلة " وهو من الأصوات الناشزة والخالية من الجمالية الأدائية، رغم رقي أجهزة التسجيل الحديثة المتوفرة في إستوديوهات التسجيل. ولنا ذكر ما أخبرني به أحد الموسيقيين العراقيين، من إن المدعو "عبد حمود" أوصى يوماً بــ"فتاتين" لا تمتلكا خاصية الغناء أو الأداء الغنائي على أقل تقدير، أوصى بهنّ- بقوة المرسوم الجمهوري -وهو القادر، بما يمتلك من سلطة على وسائل الأعلام الرسمية، لأن تصبحا "مطربتين"، لهنّ دور في الأغنية الهابطة.
عندما تكون السلطة لا تجيد سوى الهزائم والبناء فوق الجثث ورماد الحروب على حساب مصير الوطن وأبناءه، فإن خير من يؤازرها هم زمر المنتفعين، تتكون بهم بطانة تنتهز كل شئ من أجل الغنى السريع وكسب رضا السلطة، وتتنافس فيما بينها لتكون أكثر قرباً من أصحاب القرار في سياق السباق الاحتفالي للشعارات القاتلة، التي شيدت لنا تاريخاَ من الخراب والدمار والتفريط والتبذير الفاحش للمال العام وأهلكتنا بالحروب والاحتلالات. هؤلاء الغير جديرين بخلق أجواء طبيعية وصحية لثقافة إنسانية عامة، هم اناس بعيدون كل البعد عن طبائع أبناء المدينة او أي حاضرة عربية، وهذا ينعكس من خلا ل التشوه السلوكي والحياتي العام، فقد عبرت عن ذلك إبنة جزار العراق "رغد صدام " حين صرحت للأعلام العربي، من أن أبناء عشيرتها وعمومتها خصوصاً، خيرهم إن سنحت له الفرصة سيصبح معلماً، هؤلاء تحديداً وبفعل سلطة أبيها(صدام) تحولوا بفسحة زمن قصير الى أصحاب ثروة وسلطة. وهاهي الأشرطة المصورة ( على أقراص السي. دي ) تكشف وتبين المستوى الضحل في ثقافهم العامة، التي صدقت بها أبنة صدام...! فهذه الأشرطة، تكشفهم مرتمين وسط أجواء قريبة لتلك الموبوءة بالتفاهة. وليس غريباً أن يكون "علي حسن المجيد" مثلاً أو من كان على شاكلته في هرم السلطة، في هذا المستوى من الذوق الضحل للغناء الرخيص، يجد من يوفر له رغباته وحاجته من الغناء الهابط، فيبادر ذلك البرجوازي الطفيلي الانتهازي الطبائع والحركة والسلوك في إنتاج أغنيات تكسبه الربح المادي السريع، مدعوماً برضا رجال السلطة.

يتبع