الى السيدة نهى الراضـي
أن قلبك الحريــري
تملـؤه الأزهـــــــار
و فوانيس ضائعــة
و زنابــــق
و نحــــلات.
لـــوركـــا
فكرت أن أكتب اليك بعد قراءة يومياتك عن بغداد و لكن يا لحسرتي... فقد رحلت و لم يسعفني هذا الرحيل المفاجئ للكتابة اليك ، لقد أختطفك الموت مثلما أُختطفَ العراق من قبل حفنة من الرعاع قدِمُوا من هذا المكان الموبوء المسمى بالعوجة ،قرأت ما بين السطورفي يومياتك عن بغداد فصعقت للحقائق التي بقيت تدوي في رأســي المعطوب أصلاً، أستوقفتني كلماتك طويلاً تلك التي كم كنت أتمنى أن أجد لها تفسيراً يضاهي حقيقتها، لا أدري ما الذي أصاب عفوية الأشياء و من أين لي القدرة التي من خلالهـا أعيدُ ترتيب الوطـن كما كان من قبل بعد أن عبث به و بعثـره البرابرة الجـدد. للأسف الشديد لقد مــرّ هذا العمــر سـدى بعد أن أدركـت تماماً أن ما جــرى و ما سيجـري لاحقـاً قد حمـل معـه تلك التراكمات الفظيعـة التي أفـرزت القشـة التي ستقصـم ظهر البعيرـ لاحقاً ـ بعد أن أعطبت روحــه و جعلته نافذ الصبر في صحرائنا الربذية.
يا سيدتــي السومــرية.... يتثائب الزمـن و يتمطـى ربما الصفحــة التي تتبدل في الوطن هـي صفحة الوفيات فأرض الراحلين العراقيين تتسع حتى تحتل صفحات أخرى و يبقى الموت يزحــف حتى يأكل من الصفحات المجاورة و ربما سيأتي يوماً و هو ليس ببعيد سنضطر على دفع أعلان أنتقالنا الى رحمتـه تعالى، فصلتنا الوحيدة بالواقع هي المؤامرات الدنيئة، الأنفجارات، السيارات المفخخة، الأنقلابات و الموت الذي نسمعه جيداً و نحن على مرمى حجر من الوطن، ها أنت تغادرين و تبقى أنية الزهور على مقربة من قبرك تتطابق و ألوانك التي كم كنت تتمنين أن تتزين بها جسور بغداد، و نبقى نحن نترتقب موتنا القادم بمنتهى الحرص و الأستعداد، كم ميتة سيموت العراقي حتى يغلق باب القيامة من خلفــه، يبدو أن مبدأ الموت العراقي سيستمرالى أجل غير مسمى و أن المفارقات اللفظية في ألف ليلة و ليلة ستتحول الى الف مقبرة و مقبرة وووووو......
هذا العالم الشاسع من المفردات الساحرة في يومياتك و الذي يحمل الكثير من الشحنات الشعرية يؤثث أجندته الخاصة متحدياً بالوقت نفسه صانعي الموت و بيقيني انه يتحرك في مساحة قادرة على صنع الحياة التي تدفعنا لتجاوز حدود الموت و الغاء سطوة صانعيه. لذلك سنعتني بكل ما كتبته الفنانة نهى الراضي حتى لا ينفرط عقد كلماتها الساحرة و تتبدد في هذا التيه الذي نحياه، لم يتبق لي في هذا الغياب البهي الذي يباغتنا بين حين و آخر لكوكبة من رموزنا الثقافية سوى هذا الصراخ المرير الذي يغالب حالاتنا القلقة ،. يبدو أن سوء حظنا أكبر مما كنا نتصوره في فقدان من أَحب العراق حد التوحد مع عذاباته، و أخيراً أستطيع القول بان الأنتصار الذي يحققه الموت ليس سوى هزيمة ساحقة لــه.
مـــرثية نهـــى
حين أجهشت الزهور بالــرحيق
صباح الخيــر يا نهـــى
يا خبيـرة الآثار و طلاسـم بابــل
أيتها المرأة التي تمشي مأخوذة بالغيوم
أنت المترعـة بجمال عشتـار
و حكمــة شهـرزاد
كيف ستتحمـل بغــداد غيابك المفاجئ؟
هذا الغياب البهي....
يا كحــلة غافيــة ما بين دحلــة و الفرات
و يا وشمــاً على جسر الرصافــة
علـى شاشة الدنيا
كنت تتحدثين....
الكلام شريحـة من الــزبــدة فوق رغيــف عراقي مطعـم بالعسل
الأصابـع تتمايــل كالسحر
فتشيــر لأمـرأة بارعــة الخيال
هـل أنتهـى يوم قيامتنا ؟
مضيت الى حيث البياض
و مضينا الى حيث الشعر
فــي ظهيرة تموزيــة
سقطت بين يديّ يومياتك عن (اللصوص و الكلاب و الندم)
و كأن بصخرة سيزيف تهشم رأسي
لم نستطع حملها فسقطنا معاً
و حُسمت هذه الأسطورة
........
........
ها هـــــي ألـــوانــك....
البرتقالـــي: حبك للمك حمورابـي
الأزرق: دجلـــة في صباح باهـر
الأبيض: حفيف الشجر قرب شباك غرفتك
الأسود: الكحلة الهاربة من الرصافة الى جانب الكرخ
هــي: تتهادى الهوينـى على ضفاف دجلتها
ما ذا تقول اليدان المتصافحتان
فــي تلك الــزاويـة
أنـت ضـفـة....
تهمـسين ـ بلغـــة سومـرية ـ لتلك الضفـة
متى نلتــــقي ؟
و باللغــة ذاتهــا...
فــي أقصـى الــزاويـة
تقولين....
لقــد أجهشت الزهور بالرحيق
لرحيلك هكذا
يا الله...
خذ المتيمة بحب الرافدين
بمنتهى الرفق
* نهـى الـراضي: رسامـة و نحاته و خبيرة آثار عراقية من مواليد بغداد 1941 ألتحقت أوائل الستينات بمعهد ( شو سكول أوف آرت) بلندن ، صدر لها كتاب بعنوان ( يوميات بغداد) عن منشورات lumen الأسبانية/ 2003 و الذي كتبته أصلاً باللغة الأنكليزية، توفيت في بيروت الأسبوع الماضي.




التعليقات