تغيرات وتحولات لما بعد الحداثة

من روما: تشهد مدينة البندقية( فينسيا) افتتاح الدورة التاسعة لبينالى العمارة العالمي يوم 12 من الشهر الجاري وحتى السابع من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر القادم، حيث يشارك 170 ستديو عالمي للمعمار و200 نموذج بلاستيكي و 150 صورة فوتوغرافية، إضافة الى عشرات من أفلام الفيديو لأحدث المنجزات المعمارية خلال السنتين الأخيرتين لعباقرة هذا الفن العالمي أمثال بيتر ايزينمان، رون اراد، كينكو كوما، ماسيمو سكولاري، بين فان بيركيل.. الخ ويشارك الجناح الايطالي باسماء لامعة هي، ماريو بيلليني، اندريا برانسي، الدو تشيبش، ماسيمليانو فوكساس، رينسو بيانو، ماسيمو سكولاري. كما يشارك المعماري الحالم ارمين لينك بعرض تصوراته بمجموعة بلاستيكية عن عمارة المستقبل التي أطلق عليها عمارة ما بعد الحداثة.
ويطرح بينالى هذا العام الذي يحتل مواقعه التقليدية في حدائق قصر العروض والبادليونا الإيطالي والارسينالى ، إضافة الى جناح كرنفالي خاص وسط المياة أطلق عليه اسم" مدينة المياه"، تيار ما بعد الحداثة كأفق أكثر رحابة وأكثر تنوعا وأعمق اختلافا على العمارة الحالية التي تعتبر الأداة المعبرة عن حاجة المجتمعات الحسية، على اعتبار ان العمارة هي أكثر الفنون ارتباطا بالمجتمع، تعكس حساسيته الفنية ورخاءه الاقتصادي ومستوى تقدمه التكنولوجي إضافة الى عناصر المناخ والطبوغرافيا وبنية المنظومة الاجتماعية وتشكيل ذائقتها .
مرحلة ما بعد الحداثة التي يشبهها مدير البينالى لهذه الدورة كورت فورستر بأنها ستكون خلال السنوات القريبة القادمة جذرية" من قشرة الدودة الى الفراشة" تتبنى مواقف مخالفة لما عهدناه بالعمارة الحديثة التي نراها ونتابع إشكالها وتنوعاتها وخصائصها ، والتي أعلن انتهاء دورها الوظيفي وعدم ملاءمتها للقيم الاجتماعية والجمالية والتحولات العلمية والتكنولوجية والاتصالية التي ساعدت على إنشاء مجتمع المعلومات العالمي الجديد، إضافة الى الآلية التي غزت المجتمع الإنساني بحكم انتشار الآلات والتي تعيشها المجتمعات وتحقق يوما بعد آخر تواصلا متقدما وسريعا.

المعماريون الجدد وهم يوجهون ظاهرة انتشار العولمة بكل أدواتها ووسائلها الاتصالية الكونية، بطابعها الكوني الاقتصادي والسياسي والثقافي بدأو مرحلة التصدي لوسائل الاتصال الكوني المتزايد ومخاطر الانعزال الاجتماعي العميق، إضافة الى الأخذ بالاعتبار خصائص المكان الطبوغرافية والمناخ ، وطبيعة المواد الإنشائية الجديدة، والنسب البيئية المحيطة سواء الطبيعية او تلك التي يصنعها الإنسان، والتي تنزع نحو توحيد الأذواق وتقنين القيم الجمالية خدمة لأهداف السوق الاستهلاكية التي تسعى بدورها ، الى زيادة أعداد المستهلكين بشكل مطرد، على مستوى تخطيط المدن ، وتصميم البيوت وناطحات السحاب، وحتى تنظيم المكاتب الإدارية والتجارية لمواجهة مخاطر الانعزال

البناء الجديد قائم على الوظيفية والمكانة ويحمل رسالة مزدوجة تتمثل بالهوية الحضارية المنفتحة في البناء، إضافة الى مراعاة الفترة الزمنية التي تأسس بها البناء الذي لا يغيبعنه كما يدعي البعض اختزال المضمون والبعد الحضاري والجمالي والاختصار على البعد المادي الذي يطغي على حساب المضمون، فأطلقوا تسميات متعددة مثل" العمارة دون قيم" وعمارة" المنزل اللامنزل" و" مساحات وصناديق" و"عمارة المجانية والتجريد".. الخ ،اذ ان مثل هذه المقارنة لم تعد موجودة عمليا الا في بعض التنظيرات والمقولات،اذ لا يمكن تناول موضوع العمارة الذي يضم علوما دقيقة وجوانب فنية متعددة ، ويخضع لمستحثات العصر المتغير، دون النظر الى الجوانب المحيطة الأخرى فكما يقول كورت فوستر بان "الشاعر كان يتغنى بعيدا عن العمارة الا انه اليوم يمشي جنبا الى جنب المعماري" فالعمارة كأداة مادية ومنجز معرفي قادرة وبكفاءة عالية بتأمين حياة مدنية اكثر رفاهية، وهي ليست منفصلة عن تاريخ الانسان. وحتى بمعزل عن ما ينتجه العالم الغربي الذي لا زال يصدر لنا طرق الحياة الجديدة، وينظّر لنا مناهج وأساليب العيش، تظل العمارة الحديثة خاضعة لعوامل اختلاف المواد واختلاف التأثيرات. الإنسان اليوم يعيش جملة عوامل داخلية وخارجية تساهم بشكل مشترك لتأسيس نظام عالمي، تتمثل في تنظيم المصطلحات وصياغة الإجراءات وفق نظريات ومنهجيات تسير نحو التشابه والتوحد، تحاول تشخيص المحيط الاجتماعي وحصر المشكلات للوصول الى خطاب معماري واحد يذلل الكثير من المشكلات والمنافسات بين المعماريين والرسامين والمهندسين المهنيين وعلماء الاجتماع والجغرافيين والبنيويين ، وحتى النخب الحاكمة في قيادة الدولة الذين عادة ما تسيطر ذائقتهم في تحديد الشكل( كما هو الحال في الأساليب الفاشية والنازية والتجربة السوفيتية وما تبع ذلك من اساليب الدكتاتوريات الصغيرة) .
عمارة ما بعد الحداثة القادمة ستكون بجمالية ووحدة تنوع داخل الاشياء الموضعية وايضا في الفكر الذي يتأمل هذه الاشياء، وستكون كما هو الحال بالعمارة الحديثة وسيط يعبر عن البلاغة الحضارية التي سيعشها الانسان خلال السنوات القادمة.