قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بيروتمن جورج جحا: قد تصعب قراءة رواية "أوجاع التطواف" للكاتب الاردني ممدوح ابو دلهوم دون التساؤل عن تلك المرونة البعيدة المدى التي أعطيت لمفهوم الكتابة الروائية في هذه الايام وما سمي "النص المفتوح" من مجالات لتداخل فنون كتابية مختلفة. حمل الكتاب وصفا في أعلى غلافه بأنه "رواية" لكنه في الصفحة الخاصة بالعنوان الداخلي حمل بالاضافة إلى تعبير رواية وصفا آخر ورد تحت "أوجاع التطواف" هو "مونولوجية روائية." إلا أن قراءة الكتاب قد تؤدي الى تساؤل القارىء عن كل ذلك فما ورد فيه يحمل مجموعة تشابه بفنون وأساليب عديدة ليست من الفن الروائي بالتحديد بل هي أقرب إلى ان تجعل منه كتابة شعرية وسياسية ساخرة ومؤلمة وتعيد طرح سؤال هو.. هل اتسعت مظلة الفن الروائي إلى هذا الحد.
فالكتاب حيث يروي يكاد يروي عن كل شيء تقريبا أو عن أشياء كثيرة دون اطار قصصي ينتظم هذه الاشياء التي تطل كسرد مرة وكشعر مراة أخرى أو كتعليق وتحليل سياسيين يرتديان "قبعة الغموض" التي لا تتحول إلى قبعة اخفاء كلي ونهائي. وقد يصح القول إنما يجمع مواده قد يكون حرارة تشبه حرارة الانفعال في الشعر.
وقد صدر الكتاب ذو الصفحات المئة والخمس عشرة المتوسطة القطع عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" وهو الكتاب العاشر لممدوح ابو دلهوم منذ سنة 1972 وجاء بعد تسعة كتب أخرى بينها روايات ومجموعات قصصية ودراسات سياسية ونقدية أدبية.
أول ما يلفت النظر في عمل ابو دلهوم أنه يبدو.. مجازا وعن قصد وسخرية على الأرجح.. كمن يرتدي "سروالا" عربيا قديما أو "سروالين" أو سراويل كما يقول من يصر على فصاحة اللفظ.. ونثر فوق ذلك بعض أشهر العطور الفرنسية متكلما بلغة العصر الحديث.. بل بلغاته أحيانا.. عن كتابه وفنانيه وفلاسفته وقضاياه المختلفة مما زاد في جعل هذه الثياب تبدو أقرب إلى تنكر ساخر متعمد منها إلى عودة إلى أصالة أو تراث. واعتمد هنا أسلوبا يعود في كثير من خصائصه وسماته ومن حيث التراكيب والألفاظ والمعاني إلى نهج كلاسيكي عربي ذي متانة وفي الوقت نفسه يسيل شعرية واضحة وأن تكن حادة في الغالب.
أما ما أعطي منذ القدم مصطلح "المضمون" فقد جعله الكاتب مزيجا غريبا حينا وظريفا حينا آخر.. يجتمع فيه الماضي تراثا عربيا قديما والحاضر الحديث في وجوهه العالمية المتعددة والعربية المعاصرة كذلك ولا يقتصر هذا الحضور على الثقافي وحده بل يتجاوزه إلى وجوه متعددة من حياة عصرنا السياسية والاجتماعية وسائر تجليات الحاضر المتنوعة.
تحت عنوان "اهداء" قدم المؤلف كتابه إلى من التقى معهم فكرا وتجربة أو استشهد باقوال لهم أو باشخاص من قصصهم أو بنتاجهم الشعري. قدمه اذن "إلى ادباء حرافيش بعينهم والمناسبة في تقاطعات الكتابة." وتلا الاهداء عنوان هو "حواش واشارات لقراءة ما بين السطور." وبغرابة أو فلنقل بطريقة غير مألوفة.. تبدو ظاهرا مثل "خربشات" لوحة تشكيلية من أنماط معينة أو مثل بعض القصائد الحديثة التي تلعب بالكلمات وترسم أشكالا مثل المعادلات الرياضية.. يسعى إلى أن يوضح "الحصص" في مواد الكتاب فيقول تحت الرقم 1 وبهذا الشكل " (كثيرا) ... للذي أنا به بسبب ما يجري في معمورتي الشماء وصدى لمرحلة الأكتئاب القومي.. التمزق الاجتماعي وحالة تهوين الذات.."
وتحت رقم 2 يقول " (وإلى حد كبير) بازاء بعض محاولات الانسلاخ من الهوية العربية.. والوطنية.." وتحت الرقم 3 يقول "من (رماد) رواية متاهة الاعراب في ناطحات السحاب والرسالة الاولى إلى (مبدعها) الاستاذ (مؤنس الرزاز)." بعد القسم الخامس ننتقل إلى صفحة جديدة حملت عنوانا هو "رسم ابتداء" كتب فيها أبو دلهوم بطريقة كتاب المقامات وتشجيعهم قال وكأنه راوية في مقامة يتحدث عن بطلها وعذابه وكده في طلب الرزق أو "الخبز" في عصرنا هذا وعن قضايا هذا العصر خلال حر أغسطس آب "حشرنا ذات عصر لهاب من أيام أب ابان حين من الدهر غلاب في طريقنا نحو مدينة الزرقاء الشماء.. حيث نسكن بقرار خبزي بأمر معاشي في عربة سرفيس. غرباء ثلاثة.. كنا والرابع ملسوع بجمر التذكار مسكون بهواجس الانتماء وباناشيد الحرية و الوفاء (لوطن الحلوى) الذي كم نعشق." ولعل اختيار المقامات واجوائها لا يقتصر هنا على الظهور في اللغة المسجعة في معظمها وعلى بعض الغريب لغة وعلى فصاحة وبلاغة أحيانا بل ربما برز في ما بعد العنوان أي في الوصف الذي اختاره للكتاب وهو"مونولوجية روائية."
والمونولوج يقوم على صوت واحد وان أوهم أحيانا بتعدد الأصوات كما في حالة كثير من محتويات الكتاب. صاحب المونولوج اذن هو "راوية" والمقامات تقوم في ما تقوم عليه..على راوية وبطل. ولعل صاحب المونولوج هو من ناحية أخرى "حكواتي" بعض أنماط المسرح القديم وبعض حديثه.. ومنه ماتحول إلى "مونولوجست" في عصرنا يؤدي بمعان وأشكال قد تكون أكثر فكاهة من اسلافه. ويمضي أبو دلهوم متناولا موضوعات راهنة بلغة وأسلوب من الماضي يحمل غموضا يحتاج أحيانا إلى تنبه لربط معانيه بعضها ببعض. يتحدث هنا بتعابير منها القراني ومنها العصري.. عن وضع المنطقة التي تحولت إلى ساحة معارك وموت بطائرات وقذائف والآت حرب رهيبة.
يقول "لبى أول الملبين من الطارقين الملاعين فتداعى له كل ثاقب حاقب في المكان بكل ما في الغفلة الحمراء من نيزكية متحفزة.. ضاربة لكأنها من حطمة.. كانت.. لكن بكيد أرضي وائتمار أطلسي. أما المدي.. فصهيونية.. نار موقدة.. لعلها لا..بل ..واعنف." خلال سير الكتابة النابض دائما وبمرارة وسخرية تتردد أسماء ومصطلحات عديدة بعضها بحرفية تاريخه ومدلوله وقسم منها يتحول الى رموز.
من ذلك ما نورده دون ترتيب زمني.. "قدري قلعجي وتجربة عربي في الحزب الشيوعي.. السلفادورية الغامضة (سلفادور دالي).. ألوان اسخريوطية (يهوذا الأسخريوطي الذي سلم المسيح).. جهلي بسورياليتك.. تداعياتي القصصية.. كربلائياتي وسيابياتي السبولية (من بدر شاكر السياب وتيسير سبول) فيدور دستيوفسكي.. في غرفة سيبيرية التهاويم (الروائي الروسي).. لهذا المال التراجيدي السيناريو.. المكيافيلي الوصولي..." وعلى رغم "مونولوجية" الكاتب فنحن من خلال وصفه المؤثر للمفجع في عالمنا العربي نجده يلجأ إلى حوار فيختم حديث "اثنين".. بألم في وصف ما فاضت به النفس.. "هذه أغنية وليست بوحا "هذا مالدي.. فاشتر او دعني اذهب في سبيلي... "أي شوق في الشوك ياصاحبي.. فأنا قد بعت بيتي بالأمس باربعة الاف وقد كلفني أربعين ألفا فقط.. لأنه مسكون بيهودي سفلي."