قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في حوارٍ، كان قد أجراه معَهُ محمد ضمرة ونشرته صحيفة "الحياة الجديدة" الفلسطينية، بتاريخ 25/9/2003، يعترف الشاعر الفلسطيني محمد حلمي الريشة بأنه قد " غيّر رأيَه السلبي في قصيدة النثر، وأنه صار يقرأها برغم تحفظه على كثيرٍ مما يكتب باسمها. كما أشار في الحوار ذاته، إلى أنّ قصيدة "نتوءات مائية" التي كانت بداياتها تراوده فيما هو يتأمل زرقةَ بحر مدينة غزة، هي أوّل ولادةٍ لـ قصيدة النثر ( لديه ). ومبيناً أنّ الجزءَ الخامس من مجموعته الشعرية العاشرة (خلف قميص نافر) قد انفرد بـ" قصائد نثرٍ" كما يسمّيها! مشيراً إلى أنّه بعد هذا الجزء لم ولن يكتب قصيدة التفعيلة، ولا يفكّر بالعودة إليها على الإطلاق!

على ما تقدم رأيت أن أشيرَ ببعضِ الضوء إلى مَطبات هذا التحوّل الفجائي الذي انتاب تقنية شكل الكتابة ، لدى الريشة، بهذه الجرأة. في هذه الزاوية، إذن، لن أتعمّق كثيراً في قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر ما لهما وما عليهما، ولكنني أودُّ الوقوفَ على أمرٍ كثيراً ما أنتبه إليه في أثناء قراءاتي لقصائد شعراء اعترفوا بشرعية قصيدة النثر في زمن متأخرٍـ ما اعتبرَ مأخذاً فنياً على منجزاتهم ذوات البداية المتأخِّرة في الكتابة المتحرّرة، في مقابل النهاية المتأخرة للكتابة المشروطة. على أية حالٍ، أماميَ الآن الإصدار العاشر ترتيبياً للشاعر الريشة، ويحمل عنوان "خلف قميص نافر"؛ الجزء الأخير منه – إذا ما احترمنا الدقة، واستحضرنا من أجل التوضيح، التمثيلية الإحيائية- هو بمثابة نطفة في إمكانية ميلاد " قصيدة نثر" ؛ والإشارة كما اتفقنا تذهب لـ قصيدة " نتوءات مائية". وحتى لو افترضنا جدلاً بحصول تكوين الجنين الفني داخل كتابة "نتوءات مائية"، فإن ذلك الجنين المحتمل، على أية حالٍ، لم يبشّرنا ، بصرخته الأولى ، بالمعنى التبشيري والمعنى الإحيائي الفني لشرط سلامة ميلاد "قصيد نثر" كما نتوقعها كون أن "أفق الانتظار" بحسب جماليات التلقي عند ياوس " يمثل لحظة رابطة بين تجربتين لدى القاريء: تجربة متحققة تتجلى في تمرسه الجمالي بأعمال أدبية مألوفة عنده وتجربة مرتقبة تتمثل في تطلعه إلى اختبار أعمال أدبية جديدة ممكنة تنزاح عما اعتاده وتتسم بالغرابة والبعد عن متناول إدراكه". ما لفت انتباهي في مجموعة الريشة -التي أجزاؤها الأولى "تفعيلية"، والجزء الأخير فيها منثور- هو أنّ الشاعر الذي قرّر، منذ هذا الجزء الأخير، الفكاك من قصيدة التفعيلة، لم يكن على جرأة واضحة ليطبق فك الارتباط، بينه وبين التفعيلة، بحذافيره. ذلك أن قراءة متأنية لأجزاء " خلف قميص نافر" ومقارنة ناضجة لآخر جزءٍ فيها، سوف يتمخض عنها اعترافٌ ثانٍ؛ لكن هذه المرّة من القاريء، مفاده أنّ: الريشة لم يمارسْ على ذاته الشعرية جرأة التخلي عن طابع التفعيلة، وهو طابع ينطوي على تعشيق جبري في " نتوءات مائية"، كتحديد مبدئي. وبعبارة أخرى، فالريشة في تكيّف خَفِي في باطن التفعيلة؛ هذا يجدر معه القول: إنّ الشاعر منذ كتابته الشعرية الأولى وحتى " نتوءات مائية"، ما كان له أن يتجاوز كرامة الخليل بن أحمد الفراهيدي، فهذه الموسيقى تجري منه مجرى الدماء في العروق. مما أبقاه، ذلك، في حنين إلى " الجَدّة " ( التفعيلة ) فيما هو يسافر في " الجِدَّة " ( قصيدة النثر ). حالة التردّد في كتابة القصيدة بين الوزن وعدمه هي بمثابة منطقة اضطراب الشاعر، حتى في مجموعاته اللاحقة "هاويات مخصبة" و"أطلس الغبار" يقلقنا بحث الريشة المضطرب عن خلاصه، بمعنى حلوله في كتابة جديدة متجاوزة. لأنه منذ البداية لم يراعِ شرط الإيمان الفني بـ"قصيدة النثر"، ولم يتعاطَ – قبل "نتوءات مائية"- معها، بكيفية التلقي والتفاعل معها بجمالية وفنية، بوصفها لوناً مجاوراً لقصيدة التفعيلة. إنّ اعتراف الريشة المتأخّر بـ"قصيدة النثر" أوْقعَهُ في منطقة الـ"مع ضد" دون حصول الـ"تجاوز" بالمفهوم الهيغلي؛ إنما القراءةُ -الآن- تُصَرّحُ أو تكشف عن "وجود مأزقٍ" في إنتاجية النصّ وفنيته، في الجزء الأخير من مجموعة " خلف قميص نافر"، والذي هو امتدادٌ حتمي لماضي التفعيلة الموجودة في الأجزاء الأولى للمجموعة، ولمستقبل النصّ الذي نقرأه -الآن- في مجموعتيه اللاحقتين "هاويات مخصبة" ، وأطلس الغبار". وهنا، بالتحديد، ينبغي الانتباه إلى أن لـ"قصيدة النثر" خصوصية وذاتية بعيداً عن التعشيق، والمصنعية. إن إنتاجية الريشة -الآن- في مأزق فني، ذلك لأن المُنْتِجَ في حالة إلتحاق سريع، واستدراك شعري يعتقد، أي المنتج، أنه من شأنه أن ينتج الكلمة الشعرية الخاصة به في فضاء كتابة جديدة تتجاوز شروط الفراهيدي، وملحقه الأخفش. وبتقنية توصيلٍ أخرى: فإن المأزق الفني، لدى الريشة، يتمثّل في سعيهِ للتخفّف من ظلال العادة، بممارسة تثير الغرابة، بوصف الأخيرة ليست ندا للعادة؛ بقدر ما أنها تبرز كمشكلة جمالية في "أفق الانتظار" المتلقي، و "مسافته الجمالية". إنّ اعتراف الريشة الصحفي، بتخليه عن كتابة قصيدة التفعيلة" لا يعني، على أية حالٍ، إدراكه للشروط الفنية المتعلقة بـ"قصيدة النثر" ففي حالة كهذه فإن بداية التحول عنده، إنما اقتضت منه الاشتغال بوعي مخلص من أجل طرد التفعيلة من " نتوءات مائية" وما لحقها مستقبلاً، وهو ما يعني، في الوقت ذاته، إنتاج الكتابة في معملٍ نظريّ وعرٍ، بنظرة المتلقي-" قارئ قصيدة النثر". .

[email protected]