قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

حضور التقويم الكمي وغياب الخوض في قضايا الجوهر


مراكش من الحسن الحويلي: قد يكون من السهل نسبيا ضبط المسارالكرونولوجي للقصة القصيرة بالمغرب و تحديد مراحل نموها و محطات انتقالاتها بين مختلف الاتجاهات وحصر عطاءاتها من الجانب الكمي واحصاء عدد المشتغلين عليها والمنشغلين بقضاياها منذ أن اكتسبت في ستينيات القرن الماضي مشروعية الانتماء إلى الحقل الابداعي كمتن للحكي يحمل في ذاته مقومات استقلاليته عن باقي متون الحكي الأخرى.
لكن هل يمكن الحديث بنفس التلقائية عن رصد موضوعي للتحولات النوعية التي عرفتها القصة القصيرة المغربية على امتداد العقود الأربعة الماضية دون السقوط في مطبات البوليميك التي تطرح من أسئلة الخلاف أكثر مما تفتحه من سبل الحوار العلمي الهادئ؟ سؤال حاول ملتقى القصة المغربية القصيرة الذي نظمه مركز الدراسات و الابحاث الثقافية والتنموية بشيشاوة أمس السبت حول " تحولات القصة المغربية القصيرة " الاجابة عنه بشكل تتقاطع فيه حقيقة الرصد التقريري الكمي مع أسئلة الطبيعة الابداعية للمتن القصصي انطلاقا من التموقع الارادي للقاص بين منطق الخضوع إلى نمطية الكتابة كما حددها سدنة المعبد القصصي في مراحل التشكل الاولى و التمرد عليها كتعبير عن اسشراف مشروع لافاق كتابات تنحت من اللحظة أدوات التعبير عن الذات و الآخر.
ولم تخرج عروض أحمد بوزفورو أحمد منصور و أبو يوسف طه و الحبيب الدايم ربي عن الاستحضار الاكاديمي لفترات المد المتلاحقة التي عرفتها القصة القصيرة المغربية منذ ما قبل مأسستها كجنس ابداعي في سبعينيات القرن الماضي لتصل إلى ما اعتبره القاص و الباحث عبد الرحيم المودن نوعا من التسيب الذي كادت أن تضيع في سياقاته ضوابط القصة في مفهومها "البازيكي".
ويسجل الاستاذ المودن في القاموس الذي وضعه سنة1993 و أعيد طبعه سنة2002 ظهور ما لا يقل عن تسعين مصطلحا تدور كلها في فلك القصة القصيرة أقل ما يمكن أن توصف به أنها غريبة على نحو " التيكنو قاص" و " الجينوم القصصي" أو " الميكروقاص" و " القصة الانبوب" و " الانفجار القصصي" ... كل هذه المسميات ذات المرجعية التكنولوجية تبقى في نظر الاستاذ المودن بعيدة عن المرجعية الادبية لذلك فهي لن تحقق الكتابة الجمالية التي يريدها مبدعو هذه النصوص. فالشعار قد ينسف المعيارية لكن - يتساءل الاستاذ المودن - هل يجب أن يتم النسف بأدوات خارجة عن الحقل الشرعي للابداع القصصي أي الحقل الادبي؟ ان أصحاب هذه المصطلحات يدعون إلى احداث القطيعة مع النسق التقليدي للكتابة القصصية لكن " بضاعتهم" تبقى محصورة داخل "علبهم السوداء" لا يمكن النفاذ اليها لتبقى القطيعة المراد تحقيقها مجرد قطيعة ابستيمولوجية.
وربما كانت اشكالية الكتابة القصصية النسائية في سياق التحولات العامة للقصة القصيرة المغربية التي أثيرت بشكل عرضي من اللحظات المتميزة التي أعطت بعض الملح للملتقى خاصة و قد تبين من خلال موقفي أحمد منصور الرافض لمقولة الخصوصية النسائية في الكتابة القصصية و أبو يوسف طه الذي يعتبر ان للمرأة وحدها القدرة لتحسس ذاتها والانصات إلى خصوصيات مشاكلها أن سؤال التماهي بين الجنس و الكتابة لم يحسم بعد.
فبالنسبة لأحمد المنصور فان التقسيم بين ما هو ذكوري و ما هو أنثوي في الكتابة لا يعدو أن يكون تقسيما خارجيا لا يجد مبررا له في طبيعة النص المكتوب. لأن الأهم بالنسبة للقاص المغربي, هو جودة ما يقدمه الكاتب بغض النظر عن جنسه. لكن أبو يوسف طه يرى أن المرأة ظلت مغيبة كذات مبدعة و انه يتعين الإنصات إلى بوحها بصوتها الذي يحبل بنكهة الخصوصية الانثوية التي لا تستطيع الكتابة الذكورية بأي حال من الاحوال التعبير عنها.
و قد وجد هذا السجال امتداداته الطبيعية في الجلسة الخاصة برصد تحولات القصة القصيرة النسائية حيث سجلت القاصة ليلى الشافعي بلغة الارقام وجود تفاوت عددي فاضح بين كتاب القصة الرجال و النساء في المغرب حيث يشير دليل الكتاب المغاربة الذي اصدره اتحاد كتاب المغرب سنة1994 إلى أن هناك15 قاصة مغربية مقابل219 قاص بينما حصرت ببليوغرافية عبد الرحيم العلام عدد الروايات المغربية التي كتبت في الفترة الممتدة ما بين1942 و199 في252 رواية منها11 رواية فقط من انتاج نسائي.
وتعتبر ليلى الشافعي أن ضعف الانتاج القصصي عند النساء المغربيات يجد مبرره في كونهن " نساء قبل أن يكن كاتبات" و هو وضع يجعلهن " يعشن شروط النساء المتمثلة في عمل مزدوج خاصة عندما تكون الكاتبة متزوجة أو أم". لذلك - تضيف صاحبة الوهم و الرماد- فان الكاتبات اللواتي يؤلفن بغزارة هن " اما عازبات أو مطلقات" اذ غالبا ما تشعر الكاتبات الأمهات ب " الذنب " لانهن يتصورن ان الوقت الذي يخلدون فيه للكتابة هو وقت مقتطع من حقوق أطفالهن و أزواجهن عليهن.