-1-


عند باب اليمن
قال لي صاحبي:
إن نزلتَ بصنعاء ”
واستقبلتك المنازل
آهلةً بالنجوم
فلا تنسني ! "
قلت: " إنْ "


في سنة 1978 رحلتُ على جملٍ في قافلة صغيرة من ثمانية أشخاص هربا من النظام السابق لأصل بعد سبعة أيام إلى الكويت في طريقي إلى عدن . كم كانت دهشتي حين رأيت الجمل هذا الحيوان الضخم الذي أقلني يستحيل طائراً بجناحين وهو يستروح الماء على بعد أميال، ولكن دهشتي كانت أعظم حين رأيته في عدن يجرّ العربات في الشوارع مبقعاً بالطين والغبار .
وها أنا ثانية أو ثالثة لم أنجُ من وهمٍ تخيلتُ فيه أنني أودعت جملي عند سور صنعاء ودخلت بابها الكبير، وقد أسلمتني دروبها القديمة إلى معصرةٍ للزيت لأرى جملي وهو يرقد بين الجدران محصوراً يحدق بي وكأنه يقول : " ألا تذكر ؟ ألم أحملك طويلاً في الصحراء ؟ " ... كانت عيناه الكبيرتان تتسعان وكأنهما عينا كائن خرافيّ :

في معصرةٍ للزيت
رأيثُ الجملَ الرابضَ بين الجدران
يحدّق بي
ويقول :
" أ لمْ أحملك طويلاً في الصحراء ؟
أ لمْ أحملك طويلاً في الصحراء
أ لمْ ؟ "

قلت في سرّي :" كم أنت محق أيها الصديق بسام حجار عندما نعتَّ جمالي بأنها جمال ميثولوجية إبّان قراءتك لمجموعتي ( الشاهدة ) التي احتوت على قصائد عن رحلتي في الصحراء ، قبل ما يقرب من ربع قرن . يومها قلت هل يعرف الشاعر بسام حجار أن رحلتي حقيقية وليست وهماً ولكنني ها أنا أتخيل واقعاً وأعيش وهماً تاركاً جملي عند سور صنعاء ، لأراه ثانية في مصبغة للزيت، ولعلّ ما أكّد وهمي هو أنّ الدرب الموصل إلى المعصرة هو الدرب ذاته الذي قادني إلى بيت إبرهة ... عندئذٍ تخيلت وكأن أفيالاً تتقدمني وهي تنفخ في أبواقها باتجاه السماء.
وحين وصلت البيت لم أر سوى سور حائل وحفرة قديمة تحيط بها بيوت أبوابها حديدية صدئة وكأنها تقول لي من أوصلك هنا المصادفة أم آلة الزمن؟
ويبدو أن المصادفات قد تراكمت في حياتي حتى حسبتها ضرورة.


-2-

في ساحة يملؤها الأطفال مدّ لي محمد يده فقلتُ له :
أ للمصافحة يامحمد أم ...-
قال لي وقد تنبّه إلى شئ ما في داخله استيقظ فجأةً :
- للمصافحة
وكم كانت دهشتي حين صادفت محمداً ثانية ليرافقني إلى ( الجامع الكبير) صديقاً ودليلاً عارفاً بصنعاء وتاريخها الميثولوجي كجملي.
في الساحة ذاتها لم أكن وحيداً هذه المرة. كان في صحبتي أصدقاء قدامى موفدون إلى مؤتمر وزراء الثقافة العرب لم أرهم منذ سنين صادفتهم هناك ، وأصحاب جدد من أطفال تحلّقوا حولنا ولكنهم سرعان ما وقفوا معنا للتصوير جزءاً منا، وليس ديكوراً لسائحين قادمين من البعيد .
كانت الألفة تضئ في الحوانيت وفي أنفسنا ونحن نرى شعبنا في وجوه الناس وضجيجهم وتحاياهم وبضائعهم وأوعيتهم المليئة بالبطاطا الساخنة والبيض.
وحين جاءت عربة صغيرة محملة بالخبز المدور الأبيض الصغير لم يتمالك صديقي كامل شياع من شراء عدد من الأرغفة التي أضطر إلى وضعها في كيس .
لم نكن جائعين ولكننا لم نجد أنفسنا إلا ونحن نجهز على الأرغفة جميعها.

لا أدري لمَ كان البَيْض أشدّ بياضاً في سوق الملح
والبطاطا أشهى
خلف براقع البخار
وأقراص الخبز البيضاء
أشدّ تواضعاً
في عربتها المدفوعة باليد
قال كامل وهو يمضغ الخبز:
أ ندخلُ هذا الممرّ " ”
قلتُ له وأنا أمضغ الخبز أيضاً :
" لندخلْ "
ثمّ لم نبصر السوق
كنّا ببغداد نقطع ذاك الممرّ

كنا ندخل صنعاء كأننا ندخل حاضر العراق المتداخل ليفضي بنا إلى ساحة بسعة الأفق. كانت الدروب تلتقي وتفترق حاملة أسماءها الغريبة ... أسماء بائعيها وتجارها وعامليها من نحاسين وحدادين ومهن أخرى ولكن ثمة درب ... درب صغير محتشد بالناس لم أهتد إلى تسميته فسميته
( درب المجانين ).
كان الناس فيه خفيفين موشكين على الطيران بألسنة تلهج بالمديح والألغاز...
- هلو ... هلو
وعندما نطقنا بألسن الناس لا الطير ضحكوا
قالت امرأة :
- حبيبي
وأطلق آخر طير شتيمته واختفى .
وحين انتهيت إلى آخر الدرب فاجأني عابر وهو يحيي الحوانيت ومالكيها واحداً واحداً ، بخطواته البطيئة، وهندامه الحضريّ ، ووجهه الوقور، ولايمل من ترديد كلماته كأنه يعلن النفير نفير سلام لا حرب : السلام عليكم ... السلام عليكم .... السلام عليكم

فجأةً
أجدني في دربٍ ضيّق
وسْط أناسٍ يحتشدون
وطائرٍ يصيح :
سلامٌ عليكم معشرَ الأنس”
سلامٌ عليك أيّها الطائر
وأنت أيها الغريب
عليك السلام "


وفي الساحة ذاتها يا لدهشتي ، أنا الطفل المسحور أبداً ، حين عدت إليها ، لم أتخيل أبداَ أنّ لي أصحاباً أيضاً من أهل صنعاء يطلون على الساحة ملائكةً في جوّ غابرٍمن البيوت المتداخلة وأبوابها الصغيرة وهي ترتفع وتنخفض في حركة دائمة. كان ثمة محترف لفنانين ولوحات تستحضر المكان والتاريخ.
أربعة فنانين : آمنة النصيري بعالمها الطفولي وصنعائها التي تشف فتستحيل حتى جدرانها ظلالاً تبتعد كلما اقتربنا منها لتسكن أحلامنا أبداً ، ريمة قاسم بأشيائها التي تشف وتعتم وتتداخل لتغدو هواجس
وأسراراً ، طلال نجاربحروفه التي تتقدم أشياء وكائنات تكاد تنطق ، مظهر نزاربألوانه المترفة وعالمه الساكن البهيج :

هنالك في مكان ما
بعيداً عن الأشجار
ثمة نجومٌ تطلّ على شرفةٍ
عند باب اليمن
أنتِ فيها المليكةُ
آمنةً
آمنهْ


وفي وسط معرضهم الذي حضرته قبل يومين جاءني الشاعر علي المقري هامساً أن عبدالقادر باجمال صديقي القديم منذ عدن يريد أن يراني . لم أكن أعرف أنه حاضر. وعندما احتضن أحدنا الآخر وسط زحام الحاضرين من وزراء ضيوف ومرافقين، كانت عدن تحضر أيضا ماثلة بعد خمس وعشرين عاما من الغياب ومعها تحضر أخوة وتباريح وأحزان :



حين ناديتني وسْط جمعٍ من الناس :
" هذا أخي "
كنتُ ألقاك في عدنٍ
بالتقاطيع تلك الأليفةُ
والطيبةِ اليمنيةِ
أفضي إليك
وتفضي إليّ
ونبكي على عدنٍ
وهْي تبكي
ونقطع عشرين عاماً إليها
ونبلغ صنعاء
أيّ السبيلين جئنا ؟
وأيّ السبيلين ننشدُ ؟
أيّ السبيلين ؟
هل كنتُ ألقاك في عدنٍ؟

- 3 -

من بين الفعاليات الثقافية والفنية التي أقيمت بمناسبة إعلان صنعاء عاصمة للثقافة العربية 2003 استوقفتني ، أثناء زيارتي ، الأمسية التي أقامتها الفرقة الأندنوسية .
كانت هذه الفرقة مفاجأة حقّاً : شبان يرتدون قمصاناً مذهبة وسيدتان إحداهما ترتدي ثوباً أسود مهيبا وطرحة سوداء شبيهة بطرحة القرويات المصريات وشراشيب تتدلى عند مرفقيها. سواد مبهج مزيّن بالكرستال والخرز اللامع الذي يشع فيحيل السواد إلى عرس كعرس صنعاء في الليل. وحين وقفتْ تغني الأغاني اليمنية مع هزهزات جسدها المتزنة ولحظات صمتها بلغ الطرب بالناس مبلغاً كبيراً. وكانت المفاجأة حين انعطف الغناء إلى الأغاني المصرية تؤديها سيدة أخرى شبيهة بحورية بحر صغيرة بثوبها الأزرق الموشّى ، ووجها الطفوليّ لتغني أغنية ( الأطلال ) وتعقبها بأغنية أخرى هي ( الليلة عيد ). ولم يكن حضور ( محمد) المغني الشاب ذي القميص المذهب بأقلّ من حضور هاتين السيدتين ( فائزة وحورية ) وهو يغني أغنية ( يا زارعين العنب ) .
وخلف هذا الحضور كانت صنعاء حاضرة عبر ديكور جميل بسيط أخاذ : بيوت صنعاء بسقوفها المتراكبة وشبابيكها المستطيلة والمدورة أو المزينة بالأقواس وهي تختفي وتظهر ويتقدم بعضها بعضاً في حركة دائبة ... سقوف تعلو وأخرى تهبط ... سقوف تتقدم ... سقوف تتأخر ، نوافذ مفتوحة وأخرى مغلقة يتوارى خلفها بشر يصغون.
غير أن هذه الحركة سرعان ما صمتت عندما شرعت الفرقة الأندنوسية بالغناء اليماني الحضرموتي وقد أصبحت قامات المغنين تعلو الأقواس وهي تسوّر البيوت بنيةً وحمراء مائلة إلى الورديّ تفصلها فسحتان إحداهما مستطيلة تبدو خلفها سماء زرقاء مبقعة بالبياض.
منظر باهر لم يكن ديكورا عارضاً بل صنعاء ذاتها ببيوتها وبشرها في خلفية المسرح ... صنعاء المحتجبة ... صنعاء وهي تخلع سوادها وأخفافها لتتنزه في بيوتها حافية جميلةً مرتجفة ...
كانت ذكرياتي تتسارع في هذا المشهد الذي يضبطه إيقاع متزن من الدفوف والطبول والبيانو والمزمار وهي تتبادل الأدوار وتترافق بألحانها في تناسق أذهل الحاضرين .... كل ذلك ووجوه العازفين والمغنين تبدو أشدّ ألفة . إنها تقترب بملامحها من ملامح الحاضرين . لقد اتحد الاثنان : الفنان والمستمع في شخص واحد يغني ويسمع .
أين هم الآن ؟ في أية جزيرة من الجزر الأندنوسية الباكية التي عصف بها المد التسونامي ؟
أين هم الآن ؟
من يخبرني ؟

-4-

حين غنّى ( السنيدار)
" يا غصنَ صنعاء "
ألفيتُهُ واجماً
يقطفُ القاتَ من غصنه ،
ويردّد :
" يا غصنَِ صنعاء
يا غصنَ صنعاء
آهْ "

في يومي الأخير قبل حلول المساء، قال لي حافظ الذي رافقني سائقا ًوهو يمضغ القات : " سأريك هذا المساء ( المتنزه ) المطل على الجبل . كان ثمة سيارات متفرقة بسائقيها وهم يمضغون القات منفردين أو بصحبة أصدقائهم ، بينما تنتحي النساء مكانا منعزلاً يجتمعن فيه ويتسامرن بعيداً عن أعين الفضوليين ، وفي البعيد تلوح بناية وجبل أجرد .
أوقف حافظ سيارته مواصلاً قطف قاته الملفوف بقماشة كالطفل وكأنه يقطفه قطفاً من شجرةٍ ، ويدسه في فمه مسترخياً وقد غمرته سكينة وهو يستمع لغناء المغني أحمد السنيدار .
قال : " أليس هذا مكاناً جميلاً "
وحين سألته هل هناك أمكنة أخرى في صنعاء كهذا المكان
قال متوجسا : " ألم يعجبك ؟ "
قلتُ له وقد حدستُ رغبته في البقاء : " إنه مكان جميل حقّاً "
قال ليطمئن على مواصلة سكينته واستماعه للسنيدار :
- لو ننتظر قليلاً لترى أضواء المدينة وهي تتلألأ .
وحن بلغت به نشوة الاستماع ذروتها قال :
- السنيدار من أكبر الفنانين اليمنيين .. إنه يلحن جميع أغانيه بنفسه إلاّ أغنية واحدة لحنها له حسين شماحي.
قلتُ له : " وهل هناك مغنون لهم شهرة السنيدار ؟ "
أجابني :
نعم -
وأخذ يعدّد أسماء المغنين : على عبدالله السمه ، علي بن علي الآنسي ، محمد حمو الحارثي.
ثمّ عقّب : كلهم ممتازون ، أحيانا يتناولون أغنية يغنونها بالتناوب وبألحان مغايرة .

صمتنا نصغي إلى السنيدار:

ياغصن صنعاء اليمن
أنت الدوا للبدن

ثم جاءت اللازمة : آه ... آه ... آه
فردّد حافظ أيضاً : آه ..آه .. آه
ثمّ استمر يقطف القات قطفاً.
قال:
اعتبر هذا مقيل صنعاني-
ثمّ فاجأني بصوته وهو يغني :
" أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبرُ "
بنبرة ولحن يمنيين ، بينما انتقل السنيدار إلى أغنية أخرى

يا حبيبة عللي كلبي المتيم
لا أظنه أمر يفهم

كان حافظ عاشقاً استيقظت أحزانه.
وحين بدت الشمس في غروبها أشدّ وهجاً كأنها تريد أن تودّع العالم كان قلب حافظ يتوهج أيضاً
قال:
- حاولت كتابة قصة حبي وهي بعنوان ( اليتيمة ) بقلم حافظ يحيى الآنسي .
قلت له :
ومن هو حافظ يحيى الآنسي-
قال :
- أنا
أنت إذن من عائلة المغني علي بن علي الآنسي-
فهزّ رأسه موافقاً على ما قلت .-
قال :
- هل تريد أن تسمع القصة ؟
قلتُ له :
- ولمَ لا ؟
ثمّ بدأ يسرد قصته بهدوء الراوي وكأنه يقرأها في كتابٍ أمامه مستغرقاً فيها محاولا إحضارها بشخوصها وأماكنها وانفعالاتها لا يترك تفصيلا واحدا وكأنما هو يرويها لنفسه ويعيشها ثانية يستنطقها ويعيد تفصيلاتها بريئا يتلقى سهام الغدر والخيانة ، ولم ينقطع خيط روايته إلا مرتين مرة حينما فتحت شباك باب السيارة للهواء فباغتنا غناء يماني قادمٌ من شباك سيارة أخرى حيث آخران يتناولان القات في سلطنة واضحة، ومرةً حين بدت أضواء صنعاء أسفل الجبل تلمع من بعيد خافتة لتحل محل الشمس الغاربة فقطع حديثه قائلاً :
ما أجمل صنعاء في الليل -

نبتة القات أم غابةٌ
أنت فيها اليتيم الذي ضاع
أنت المتيّم
"صنعاء ...
صنعاء "
تهذي
وأنت بصنعاء
أيّ الطريقِ إليها
وأيّ الطريقِ إليك
وبينكما نبتةُ القات
بينكما غابةُ
سوف تقطعها باكياً
في المساء

-5-


عند باب اليمن ، حين غادرتُ ، تفقدتُ جملي فلم أره... قلتُ : لعلني خلفته هناك في معصرة الزيت .. من يدري ؟ :

قال لي صاحبي :
" إن رحلتَ
ولم تنسني
فتذكّر
أنّ طيراً بكى
عند باب اليمنْ "
قلتُ : " إنْ "