أثارت محاضرة "الحداثة والعالم العربي" التي قدمها الروائي المغربي الطاهر بن جلون في قاعة المها بشيراتون الدوحة سلسلة واسعة من الاسئلة والانتقادات والمداخلات من قبل النقاد والأدباء والإعلاميين. حيث طرح بن جلون في محاضرته قضية إشكالية ربط فيها بين الحداثة والديموقراطية وتحدث عن العلاقة بين الدين والدولة وخصوصا بعد الثورة الإسلامية في ايران عام 1979، وتطرق إلى أسس الحداثة في عالمنا العربي والى أهمية دور المرأة في تأسيسها، كما قدم قراءة لتقرير حول علاقة العالم العربي بالقراءة والكتاب مبينا النسبة الضئيلة لإنتاح العرب من الكتاب ونسبة القراء تبعا لاعداد محدودة تطبع في عالمنا العربي.. ففي البداية تحدث بن جلون عن حالة الانحطاط التي يعيشها العرب مشيرا إلى ان الحداثة هي الفعل الذي يمكنه ان يعيد الإنسان العربي إلى كيانه وان يحقق له التقدم وتعرض عبر اشارات تاريخية لماضي العرب معرجا على ان الحكام العرب في الماضي وحتى القرن التاسع الهجري يعتنون بالثقافة ويجمعون حولهم والشعراء والكتاب فيما يبدو ان حاضرنا غابت عنه هذه الحالة وغيبت الثقافة الأمر الذي غيب الحداثة. وتمحورت رؤية بن جلون في محاضرته التي القاها متعثرا بالكلمات العربية حول نقاط خمس هي: الحداثة منبع الحرية ولكل مجتمع حداثية والإرهاب هو التعصب الذي يحد من مسارات الحداثة والنهضة والحداثة مشروع متحرر في الزمان‚ وهي أيضا إطار عمل وارضية تنبثق منها الاختيارات الحقيقية. وتساءل بن جلون عن وجود الحداثة في عالمنا مشيرا إلى ان عالمنا لم يتشكل كجماعة مؤكدا ان حالة التعدد والتنوع التي تنتظم العرب كمجتمعات هو الخلاف لا الاختلاف مؤكدا ان العرب لم يصلوا إلى مرحلة الاعتراف بالفرد كإنسان وحذر من ان يكون الدين وسيلة لبلوغ السلطة فهو كما يرى مترفع عن اغراض الدنيا واعتبر ان أول الاشارات لدمج الدين في الدولة جاءت من إيران بعد ثورتها الإسلامية ودعا إلى اعلاء شأن الفرد. عليكم نصا ابداعيا فيه اضاءة لمشكلة نعانيها لاننا بحاجة في هذا الوطن العربي لأن نقوم بزلزال كي نخرج مما نحن فيه. واشار الى ان خيار الثقافة هو خيار الحداثة وقال: ان تبذل الجهود باتجاه الثقافة وإعلاء حضورها في حياتنا امر هام و سوف يبدل حالنا.
وحول فهم الديمقراطية على الطريقة الغربية عربيا قال: الديمقراطية ثقافة لا جنسية لها بدأت عند افلاطون ثم نسيت ثم عادت وهي يمكن ان تقوم في أي بلد وأي دين واي ثقافة كما ان الاسلام لا يتنافى مع الديمقراطية التي تعني ان احترمك وتحترمني وان نحقق احترام حقوقنا كبشر فيما بيننا ثم نخرج لاحترام حقوق أخرى كالبيئة والحيوان و هي أي الديمقراطية ــ ليست ايديولوجيا غربية او أميركية انها تعني ان نعيش معا وان نقضي على الطغيان وعدم العدالة في بلداننا.
وحول سؤاله عن اقترابه من الغرب وامكانية ابراز القضايا العربية فيه قال: في كتاباتي التي أنشرها في أكثر من صحيفة غربية اكتب عن القضية الفلسطينية وقضايا المهاجرين وغيري من المثقفين العرب الذين يعيشون في الغرب يقومون بهذا الدور وقد اسهمنا بتغيير النظرة السالبة الينا في العديد من مجتمعات الغرب‚ لكن الفضائيات اليوم هي الأكثر حضورا في تغيير هذه النظرة وعن كتابته بالفرنسية وانتمائه لهذه اللغة قال مشكلتي بسيطة وثقافتي مزدوجة لكن الفرنسية سيطرت علي عشوائيا ولم تتركني اكتب بالعربية وحين اكتب لا افكر بأي لغة لأني اتوجه الى قراء عديدين انني أفكر بالصور حين اكتب.
الجدير بالذكر ان الطاهر بن جلون هو ابن مدينة فاس المغربية العريقة.وقد ولد فيها عام 1944 و نشأ في كيان عائلي مستقر، وفي أسرة ميسورة الحال درس الفلسفة، وتخصص في علم الاجتماع. وحصل على درجة الدكتوراه في الطب تخصص 1975 وعمل محرراً ثقافياً في صحيفة اللوموند الفرنسية، ومن أشهر رواياته «حرودة، غزالة، وتنتهي العزلة، يوم صامت في طنجة، طفل الرمل، ليلة القدر، ليلة الغلطة، نزل المساكين، المرتشي، صلاة الغائب» اعناب مركب العذاب، الكاتب العمومي، تلك العتمة الباهرة، وله كتاب شهير بعنوان «العنصرية كما شرحتها لابنتي، وهو عن مظاهر التمييز العنصري في فرنسا، وقد نالت رواياته اهتماماً عالمياً كبيراً، وترجمت الى معظم اللغات الحية، وحظيت روايته «تلك العتمة الباهرة» بالاهتمام، وحازت على جائزة «ايمباك» الادبية الدولية، واشادت لجنة تحكيم الجائزة بالرواية بوصفها تحفة فنية جددت الغرض الحقيقي من الادب وهو ما لا يفعله الا كتاب يصدر من وقت لآخر، ورائعة ادبية مكتوبة ببساطة ملتهبة، واناقة أسلوبية مجردة من الزخارف، وكان ابن جلون قد نال جائزة «غونكور» عام 1987 عن روايته «ليلة القدر» والجدير بالذكر انه من المرشحين لنيل جائزة نوبل في الأدب، وقد تميز عالمه الروائي بأنه نبش عميق في العلاقات الاجتماعية الشائكة في المجتمع المغربي.
ويقول عن كتابة رواياته بالفرنسية: انني اكتب بالفرنسية ومعلوم انها ليست لغتي الأم غير ان ذلك لا يعني انني غير راض عن العربية، كما يدعي البعض، فدراستي كانت باللغة الفرنسية، وقد فرضت علي كما تفرض علينا الملابس والآلات والمعلبات و«اضاف انني استطيع ان اكتب خارج اللغة الفرنسية مع أن كتاباتي تحمل وتعبر عن هموم الانسان العربي» وبالفعل فإن الكثير من روايات بن جلون تحتفي بالمكان المغربي باعتباره ثقافة، وتغوص في الخيال الشعبي تستقرئ ابعاده وتصعده بحيث يتحول الواقع الى رمز، والكلمة إلى اشارة وهو يقول: «يمكن للخطاب أن يصل بالاشارة أو الأغنية أو عبر اللوحة الزيتية، فاذا كان الأمر كذلك فبالأحرى أن توصل اللغة الفرنسية التي اكتب بها خطابي ورسالتي على الأقل لعدد كبير من العرب في المغرب العربي، ويضيف «إنني اكتب في قضايا اجتماعية وسياسية حساسة أحس انها عميقة، كذلك اكتب عن علاقة الرجل والمرأة بكل ابعادها، واعتقد انني اذا تناولت هذا بالعربية فقد يكون فيه مساس بها أو اساءة اليها». في روايته «ليلة الغلطة» يتداخل الاسطوري بالواقعي، والرمزي بالحقيقي، وتصبح المرأة رمزاً لمدينة طنجة بما تحمله هذه المدينة من أبعاد انطولوجية وغرائبية، وباعتبارها مدينة القاع والأدب والشفافية والجنون، وعلى طريقة ألف ليلة وليلة، تتشابك الحكايات وتتقاطع، وتتعدد أساليب السرد والساردين وفي رواية «صلاة الغائب» يروي ابن جلون جزءا من سيرته الذاتية وهي أشبه بيوميات خاصة، فهو يبحث عن هويته ويريد ان يعطي لجذوره معنى، فكل شخص يقدمه الكاتب يكافح في مجاله ويقول عن ظروف كتابة هذه الرواية «كتبت هذا الكتاب ابان اضطراب في مشاعري عشته يوماً بعد يوم من الضياع، وطاردت ابطالي وسافرت بنفسي معهم وعندما حانت لحظة فراقهم طاردوني في احلامي ونومي، وحياتي، لقد تسلطوا على وكانت تلزمني بضعة أشهر كي اخلص نفسي منهم» وفي ثنائية «طفل الرمل» و«ليلة القدر» نرى الأسرة هي البطل فنحن في هذه الثنائية أمام ابن جلون بشكل آخر، ذلك الصبي الذي وجد نفسه في أسرة أنجبت عدداً كبير من الإناث ولم تنجب من الذكور سواه فاستحق كل الرعاية والاهتمام باعتباره الذكر الوحيد في المنزل، وقد قام الكاتب بتغيير هويته ليتخيل أحمد الطفل الذي جاء في أسرة لم تنجب سوى الاناث وأحمد هذا ليس سوى بنت لكن رب الأسرة أقسم على امرأته ذات يوم ان تلد ولداً، حتى لوكان بنتاً فسوف يكون ولداً، لذا فعندما ولدت الأم أنثى كان على الأب أن يعلن على الملأ انه رزق بمولود ذكر بعد أن اعطاه الله سبع بنات - وتدور احداث هذه الثنائية الروائية على لسان هذه الأنثى/الذكر أو الانثى التي عليها ان تتصرف كأنها ولد، فهي عندما كبرت كرجل يحمل في جسده امرأة بدأت تدرك الحقيقة وراحت الكوابيس تنهشها ولم يكن أمامها سوى أن تسجل معاناتها يوماً بيوم.. راحت تراسل صديقاً مجهولاً اكتشف سرها وحرص على مقاسمتها احزانها وهمومها.
تبدأ أحداث الجزء الثاني من الثنائية حين يموت الأب ويكون هذا الحدث بمثابة انطلاق الشرارة لكل مشاعر الانثى المتفجرة في الفتاة أحمد التي عليها أن تنبذ اسمها الرجولي وتعطي لنفسها اسم زهرة وتقرر ان تنطلق في المدن والبلاد.
اما روايته «تلك العتمة الباهرة» فانها تعالج بتقنية ادبية احدى الصفحات الحالكة لواقع حقوق الانسان في المغرب ومتمثلة في ظروف سجن ضباط متهمين بالتورط في عملية انقلابية ضد العاهل الراحل الملك الحسن الثاني عام 1971م، ويرى بعض الكتاب ان الرواية قوبلت بنوع من الفتور في المغرب خاصة من طرف الأوساط المهتمة بحقوق الإنسان التي اخذت على ابن جلون صمته لفترة طويلة عن معاناة معتقلي تزمامارت رغم وزنه الدولي على الصعيدين الأدبي والإعلامي، يعتبر بن جلون احد الاسماء البارزة في الأدب المغربي المكتوب باللغة الفرنسية وهو من المرشحين لنيل جائزة نوبل في الأدب.
وعلى الرغم من انه يعيش في فرنسا منذ وقت مبكر من حياته إلا أنه دائماً مهموم بقضايا العرب، وفي ديوانه «ضباب الذاكرة» كتب اشعاره عن قضية فلسطين وعن الحرب الأهلية في لبنان، ويبدو مدى تغلغل مشاكل بلاده العربية في وجدانه وهو في مهجره الذي اختاره فهو يفكر فيها وهو يركب المترو، وايضاً حين يجوب شوارع المدينة التي يعيش فيها، وقد عبر عن هذه الأحاسيس في يوانه «منتهى العزلة».




التعليقات