بيروت من جورج جحا: تشكل الاحزان والديار المهجورة وصور الزمن الراكض والغصات.. بعض أجواء كتاب اميلي نصر الله الجديد "رياح جنوبية" خاصة في القصة التي تحمل هذا الاسم مما يعيد تذكيرنا بان في البكاء على الاطلال رمزا لمعاناة الانسان الدائمة. وليس المقصود بالوقوف على الاطلال "التقليد" الجاهلي الذي وصف بانه كان شكلا ملزما.. بل المقصود ما يجسده الادب الانساني في كثير من مجالاته من فجيعة الانسان الدائمة المتمثلة في التحول والغياب ومن اشكاله المختلفة الارتحال والموت.
كتاب نصر الله الروائية وكاتبة القصة القصيرة التي ترجمت أعمالها الى عدة لغات صدر عن دار "نوفل" للنشر في بيروت في 195 صفحة متوسطة ووصف بانه "مجموعة قصص" اشتملت على 16 عنوانا.
الا ان قراءة المجموعة تخلق انطباعا في النفس بان قسما ليس بقليل من موادها ربما كان أقرب الى ما صار يوصف باسم النص او النص المفتوح الذي تجتمع فيه خصائص مختلفة منها القصصي والوجداني الشعري والتحليل الفكري والسياسي والتعليق المباشر من الكاتب أحيانا. الا ان نصوص نصر الله في حالاتها المختلفة تبقى في عالم قصصي انه لا يتخلى عن السرد حتى حيث يصف او يحلل.
في "رياح جنوبية" نجد ان الفيض الشعري عند نصر الله ابنة جنوب لبنان الذي "هجرته" الى السكن في بيروت دون ان يفارقها هو.. يذكر بمعاناة أدباء وفنانين لبنانيين كبار في تناولهم موضوعات الهجرة الى الخارج والهجرة الداخلية الى المدينة ووصفهم القرى الخالية التي تركها ابناؤها بسبب الحاجة المادية او الحرب او كلتيهما.
مثل هذه المعاناة أدباء وشعراء منهم مهجريون ومنهم بشكل خاص فؤاد سليمان (تموز) في تضرعاته "ردهم يا بحر" وحديثه عن القرية المقفرة والابواب المغلقة التي يلفها الغبار والبيت الذي عمره لهم الوالد وراح في غربة لم يعد منها وعن البلابل ذات المناقير الحمر التي تأتي من القرية الحزينة لتزوره في بيروت. ومنهم كذلك الاخوان رحباني في نتاجهم الغزير.
تقول اميلي عن هذه الرياح الجنوبية في ما هو أقرب الى الفيض الشعري الوجداني "جاءت مع الربيع. تسللت من خياشيم الابواب والنوافذ هادئة حانية. شعرت بها تنتقل فوق رموش عيني تفتحهما تلامس جبيني... رياح جنوبية. اه كم اشتقتك. فجأة تأتين تجتاحين كياني حاملة عبير الصعتر وبخور مريم ونكهة الكروم وعطر الزيتون ناقلة الي ذلك العالم القديم الذي ما عرفت عالما أقرب منه الى شغاف القلب."
تضيف في رومانسية حزينة "اه مااعذب دمعا يسيل توقا اليك. من مكاني البعيد ابعث الرسالة. أحملها طيور السنونو كي تغرسها في عش لها تحت الباب الشرقي أو في عباب شجر اللوز العتيق... ولكن ماذا بوسع الرسالة ان تفعل ماذا يمكنها ان تقول. هل تدخل غرف الدار تتفقدها غرفة غرفة وتمسح الابواب العتيقة بأنامل الشوق وتقبل الجدران تقبل الجدران.. والرسالة هل تتوقف عند باب تهاوت مفاصله واندثر طلاؤه وظل برغم عسف الزمن وطول الهجر ظل يشد أوصاله كي لا يسمح للعواصف بان تتسرب الى الداخل...
"وكيف للرسالة ان تفتح عينيها وتضم مشاهد طوتها الايام... وتسجل صور الوجوه البعيدة والقريبة وجوه الراحلين والمغتربين والذين يحجون اليها مع كل رفة عين.. والارض تعد بانها سوف تظل تنبت القندول والقبار وتحجب فرحها وذهب السنابل الى ان تعود زنود تشتاقها وتعرف باي اللغات تخاطبها."
في القصة الاولى "سندريلا الحكاية" تبدو الكاتبة كأنها تقول "كان ما كان" وكانها تعيد كتابة قصة سندريلا الشهيرة برؤية مختلفة الى حد ما وبشعرية واضحة وبما يربط الامر بزماننا ولو من خلال اظهار الاختلاف اذ تتدخل الكاتبة مشيرة الى الفرق في أمور المعيشة ووسائلها ووسائل الترفيه وغير ذلك. وكأنها تشير في شيء من الرمز الى قضية المظلومين في العالم في كل ان والى انتصارهم النهائي والى ان الحلم قد يتحول الى حقيقة. تبدأ القصة المعروفة بالقول "عندما أعلنت الساعة منتصف الليل كان على سندريلا ان تغادر القصر وتهرب في عربة مذهبة تجرها الخيول الاصيلة قبل ان يذوب السحر وتعود الى كيانها الاول فتاة عادية وقبل ان تتلاشى العربة والخيول المطهمة وتتحول الى جرذان حقيرة. الليل هنا هو عالم الحلم.. والخوف هو من ان يطرد النهار هذا الحلم. لكن الاعاجيب قد تحصل ويتحقق الحلم في ضوء الشمس كما حدث لسندريلا.
في قصة "فتى الشاشة" نرى الفتاة المحافظة التي نشأت في عائلة متزمتة تكاد تمتنع عن الاحلام وتخشاها وتهرب من كل كلمة اعجاب. وبعد زمن من الكبت تعجب "بأمير" حديث من نوع اخر هو ممثل في مسلسل تلفزيوني وبعد تعارف تتجرأ وتدعوه الى حفلة في بيتها وعند دخوله قدم لها رفيقته قائلا انها زوجته.
انها هنا "سندريلا" أخرى مختلفة امتنعت عن الاحلام طويلا ولما حلمت حلما "صغيرا" لم يتحقق. اما سندريلا الاصلية فقد كانت تعيش احلاما بعضها جامح والغريب انها تحققت عبر "سحر" ما. قد يتساءل القارىء ما الذي تدعو اليه بعض شخصيات اميلي نصر الله هنا.. هل تدعو الى الاحلام ولو جامحة ام انها تدعو الى الامتناع عن كل حلم.
في "رعب فضائي" طرح "مشكلة" تتمثل في ظاهرة متفشية وذلك من خلال "سوغي" الخادمة السريلانكية التي بعد ان جرى وصل جهاز التلفزيون في غرفتها "بالكابل" اصابها شبه جنون بسبب البرامج الرهيبة التي تكاد لا تعرض سوى صور القتل والدمار فتوهمت المسكينة ان الجميع سيموتون كما يجري في ما تشاهده من برامج.
وفي النهاية وبمشورة من طبيب نفسي تقرر ان ترسل الى بلادها كي ترتاح ويعاد تأهيلها.
مخدومتها السيدة مرسال تتحدث مع صديقة لها في الموضوع فتتساءل اذا كان من المعقول ان يكون هناك بلد لم يصل اليه الكابل ومحطاته. يبدو الامر هنا كأنه قول رومانسي ان الحل الوحيد هو العودة الى الحياة الطبيعية لكن السيدة تتساءل عما اذا كان هذا الامر لايزال ممكنا. انه سؤال مؤرق اجاب عنه الشاعر العراقي الراحل بلند الحيدري متحدثا عن عبثية العودة الى قريته اذا قال "اين المفر وقريتي صارت مدينة."
- آخر تحديث :



التعليقات