اذا اردنا نموذجا روائيا تتشابك وتتمازج به الاوشاج العراقية السياسية والاجتماعية بشكل متزامن، حيث يبدو الهم الاجتماعي المرتبط بالسياسي اهم اتجاهات العمل الروائي، فاننا نستطيع ان نشير الى فؤاد التكرلي في روايته "الرجع البعيد" ورواية "عاصفةالرمال" للدكتورة خولة الرومي، التي رسمت حيزا من صنع رؤية واقعية عن مجتمع بكل طبقاته وشرائحه الاجتماعية، كان يغلي بتحولاته، مرتدا الى عهود الظلام، ومتطلعا لدحر انكساراته ووجوده المأساوي. فقد اعادت في عملها الروائي هذا الصادر عن "دار المدى" العراقية تشكيل المرجعيات الواقعية السياسية في فترة تاريخية حرجة من تاريخ العراق لتدرجها في السياقات النصية، لتعري الواقع والمجتمع، وتفضح التناقضات في العلاقات المجتمعية، ولتنتقد بقسوة بالغة وجارحة، وهي تلجأ الى الاساليب الحلمية تارة والكابوسية في الكشف عن مشاعر وافكار ومواقف ابطالها.
د. خولة الرومي احدى الروائيات العراقيات الجديدات التي افلحت بجدارة في الكشف عن فساد الطبقات الحاكمة وجشعها وانانيتها ولا اخلاقيتها في عراق ما قبل ثورة 14 تموز 1958 صاغتها بملحمية غطت عليها نكهة التاريخ، فيها حاضر الانسان المتطلع نحو المستقبل وامكانية الانتماء الى الغد الذي كان يرى به خلاصه وانتصاره ، وهو ما ظهر في خاتمة الرواية المتفائلة التي عمل جميع الابطال من اجل تحقيقها من خلال اعلان انبثاق عصر جديد يقع بالرؤوس الكبيرة في السلطة وفي بيت العائلة، في اطار لا يخلو من تراجيديا محزنة.
"رقصة الرمال" بفصولها الستة عشر،التي تبدو للوهلة الاولى وكأن اثنين من الشحاذين يروون وقائعها تحاكي تاريخا مهزوما بين ماض وحاضر نسجت احداثه كما يقول الكاتب عبد المنعم الاعسم في مقدمة الرواية( شحاذون، طلاب، مجانين، بنات ذوات، مسؤولون متسلطون، لصوص، حراس ليليون، شرطة، موظفون، ربات بيوت، مناضلون، ومتمردون وجواسيس ومنهارون انذال.. ومتطلعون للحرية وآخرون للمال وغيرهم للمتع او المواقع او الامجاد". فهذا الوعاء التاريخي لهذه الرواية التي لم تأخذ الاهتمام الكافي من قبل المتابعين ونقاد الرواية من العراقيين والعرب، جاءت متماسكة البناء ومنسجمة في احداثها التي تؤرخ لفترة زمنية شديدة التعقيد والحساسية، تنساب احداثها وتتطور من خلال تقنية غير معقدة في طريقة السرد، ومن خلال حذاقة مرموقة في الحبك، تجعل القاريء يعيش معها بألفة ومتعة كبيرتين، بكل فضاءاتها وحوافزها وتطاحناتها وجراحها وندوبها الجماعية والفردية.
لقد سمت خولة الرومي الاشياء بمسمياتها، وتحدثت بوجدانية فائقة، وقاربت التاريخ العراقي المعاصر وحايثته،فهي جعلت منه مسارا يساير ويتولد من مسار الاحداث العائلية، يتحدان في خط واحد ليس بعيدا عن التطابق الكامل مع الاحداث السياسية التي عاشها العراق في الاشهر الاخيرة التي سبقت هذا التحول السياسي الخطير في مسيرته، فقد الغت الكثير من المساحات الفاصلة بين التاريخ والادب الروائي، وقدمت نموذجا روائيا لا يخلو من مباشرة يتداخل فيه الادب بالتاريخ بالسياسة عبر حالة التوحد ، حتى اصطبغت روايتها وحقيقة الاحداث التي روتها تاريخيا بالطابع التوثيقي ونهلت من احداث تلك الفترة التاريخية لتقدم سيرة تاريخية لحياة واحدة من عوائل المجتمع العراقي، وما كان يحيطها من عوائل اخرى تعيش على حافات مدينة بغداد في بيوت الطين والصفيح، تقبع بفقرها وبؤسها وتحمل في جوانبها أمل الخلاص ،ولا تستطيع تحقيق انسانيتها نتيجة تسلط قسوة الحياة المتمثلة بسلطة الدولة الغاشمة ونموذجها سلطة الاب " غالب المنصور عقيد الجيش المتقاعد، الانتهازي الوصولي ، الذي يحلم بالصعود حتى على اكتاف احلان ابنائه، ويفرض هيمنته التسلطية على افراد عائلته المتكونة من ثلاث بنات وولد وزوجة تركت بيتها ذات يوم ولم تعد منذ خمسة عشر عاما. ويقف الى جنبه صديقة" حازم الحلاوي" مدير دائرة الامن العام في العهد الملكي الذي انتحرت زوجته من شدة قسوته ونزقه ونزواته، وظل حتى النهاية يحلم بفتك الاعراض وانتهاك الحرمات تلبية غرائزه المرضية وجشعه وانانيته ولا اخلاقيته التي تمثل النظام الحاكم آنذاك.
تتحدث د. خولة الرومي في روايتها عن نسيج اجتماعي وبشري، متشابك وغير متناغم، تنزع عن وجوههم المساحيق والاصباغ لتدفعنا مباشرة في قلب القصة وابطالها كانها شريط سينمائي يحكي لنا شريط الحياة العائلة" غالب المنصور" وابنته البكر سهاد وشهواتها وحرمانها العاطفي الذي خلق لها صعوبات كبيرة للعيش الاليف مع اختيها الحالمتين بغد افضل، "نادية" التي تدرس في كلية الطب و" سمر" الوديعة التي تعمل بالتدريس واخوهما " عزام" الحالم هو الاخر بتغيير نظام الحكم من خلال انقلاب عسكري يطيح بحكومة نوري سعيد .
لا تختلف خولة الرومي عن الروائيات العربيات اللواتي يجدن بان المأساوية تتركز في احيان كبيرة في الشخصيات الذكورية ، التي تقود المجتمع ، ففي هذه الرواية تضعنا خولة الرومي في الاجواء والاجتماعية المتشابكة، فهي تطرح اسئلة جادة كثيرة عن ماهية الوجود وسير الاخلاق على نحو يستفز القارىء، ان لم يكن لتقديم اجوبته الخاصة، وفي عملها هذا قدمت لوحات سحرية يرى فيها القارىء جوانب مجهولة من مسيرة مجتمع العراق في واحدة من المراحل الحرجة من تاريخه الحديث، هذا المجتمع الذي يسحق انسانية المرأة وحقها في العيش" اللعنة على هذا المجتمع الظالم.. اللعنة على جميع الرجال.. يستغلون ضعف النساء لاشباع غرائزهم.. ثم يذبحون ضحاياهم غسلا للعار.. اي عار هذا الذي جلبته فتاة لا عقل لها.. كيف تذبح.. والمجرم المسؤول عن الجنين يمرح متمتعا بالحياة.. اين العدل.. لماذا لم يذبح هو غسلا للعار.. لماذا تذبح هي فقط؟ ..من المسؤول عن كل هذه اللاانسانية؟ من المسؤول عن هذا الجهل الذي يغرق في ظلمته الناس؟ من المسؤول عن هذه التقاليد التي توصل هؤلاء البشر الى مستوى الوحوش الضارية؟ ومن المسؤول عن شريعة الغاب هذه؟ من المسؤول عن انحدار النساء الى طريق الضلال؟ ومن المسؤول عن موت الشباب والآباء الذين يتركونهن دون سلاح امام مصاعب الحياة؟ وبدلا من مدّ يد المساعدة لهن، واقالتهن من عثرات الطريق يذبحن بحجة انهن اعداء للمجتمع.. انهن اعداء.. ولكن اعداء من؟ ومن اين لهن القوة التي تدفع الاخ.. الاب.. وابن العم.. والعم.. الى حمل السكين للخلاص من عارهن.. باسم الدين والاخلاق... اخبرني يا بشار ما هو العار الذي قامت به " ضمير" والذي اوجب ذبحها "؟
من هنا يبدو لنا ان احدى اهم سمات هذه الرواية لا تكمن فقط في ان مهمتها الاساسية ايصالنا الى اعادة تشكيل المرجعيات الواقعية الاجتماعية والسياسية وادراجها في السياقات النصية ، بل لانها استفادت وبشكل يكاد يكون توثيقي من حقائق تاريخية متعددة من خلال خلق عوالم حقيقية ومتخيلة تفكك الموروث لتظهر الفرد العراقي آنذاك خائبا ومغتربا عن نفسه ومستلبا وينتابه شعور بانه يعيش عالما معاديا له ومطاردا من قبل قوى كبرى قادرة بفرض تسلطها عليه.
انها رسمت ارضية ترجمت عليها ذاكرة وتاريخ وحقائق تعبيرية من افراح واحزان وحالات عشق تعصى على النسيان ولا يمكن اقتلاعها من الذاكرة الجماعية لما لها من ارتباط وثيق بهويتنا العراقية ، وجعلت لك الاحداث التي مرت شهودا تاريخيين ، رمزيين مملوئين بالحكمة وقول الحق كان لهم حضور تمثل في الشحادين اللذين وقفا امام بيت عقيد الجيش ووقفا امام الفتاة" ضمير" التي ترمز للمرأة العراقية بل للانسان العراقي النبيل بكل طهارته وعفويته حين ترتكب بحقها جرائم الاخرين، وحين يصار الى تحريف موقفها، وسرقة احلامها، وبالتالي اغتصابها وقتلها لفصل الحقيقة ومنع تآلفها مع روحنا جميعا.
كتشفت دز خولة الرومي من خلال هذه " المغامرة" الروائية في هذا التنوع الذي يقود لطرح الكثير من ا الاسئلة في المستقبل القريب وكانها تعقد مقارنة بين حال المرأة في الخمسينات وحال الانكسار والانكماش والانزواء الذي عاشته طيلة ثلاثة عقود من تسلط النظام العشائري الفاشي لتنفرج امامها ابواب الحرية من جديد في عراق اليوم.




التعليقات