برلين من مازن الراوي: في التاسع والعشرين من هذا الشهر سينتهي معرض التصوير الفوتوغرافي للسورياليين المقام في مدينة هامبورغ الألمانية. ويقول اوفه شنيده مدير قاعة هامبورغ للفن: "لم تعرض مثل هذه المجموعة الضخمة من الأعمال السوريالية المتنوعة بخصوص الفوتوغراف في معرض شامل مثل هذا". لقد تمّ استعارة الأعمال من متاحف عديدة ومن مقتنيات خاصة، في مقدمتها مركز بومبيدو في باريس، لتقدم لأول مرة عرضا شاملا عن التصوير الفوتوغرافي واستخدامه من قبل الحركة السوريالية منذ العام 1924 وحتى 1934.

أقيم المعرض في إطار الـ "ترينالا الثالث" للتصوير الفوتوغرافي لعام 2005 في هامبورغ الذي ضمّ معارض فوتوغرافية عديدة غنية ترافقها عروض وبرامج ثقافية. ويعتبر العرض السوريالي تتويجاً فريداً للترينالا ساهم في تحقيقه جمعية أصدقاء الفن وبدعم من صحيفة فيلت / فيلت آم سونتاغ يرافقه برنامج ثقافي بهذا الخصوص. ستخدمت السوريالية كأول حركة واسعة وعميقة في القرن العشرين "وسيلة" التصوير الفوتوغرافي المحدد بمواصفاته الخاصة لتجعل منه فناً وتطبقه على نحو مختلف، مغيرة من طبيعته التسجيلية والتشخيصية " غير الفنية " لترفعه إلى مصاف آخر: إلى الفن برؤية خاصة تتجانس مع عالم السوريالية. ويعتبر جي. أي. بوافار، وهو مصور فوتوغرافي من مؤسسي الحركة السوريالية التي تأسست في باريس. وفي العام 1924 كانت الحركة إلى جانب بوافار تضم مصوّرين فوتوغرافيين آخرين أمثال الأمريكي مان راي والفرنسي إيلي لوتار و كلود كاون الذي اميط الثام عنه في الفترة الاخيرة، وكذلك دورا مار. فضلاً عن فنانين تشكيليين مثل رينيه ماكريت البلجيكي وسلفادور دالي و والألماني هانس بيلمر الذين استخدموا " وسيلة " التصوير الفوتوغرافي، حديثة العهد، على نحو ما في أعمال سوريالية لهم.

لراؤول اوباك

قدم التصوير الفوتوغرافي مادة عيانية حاضرة للأستيتك السوريالي وتمكن عبر نظرة و تأويل وتحديد خاص أن ينجز "الدهشة والصبوة في الرؤية" إلى الصورة الفوتوغرافية بحيث تستجلب تلك الأعمال القدرة على التخّيل وتثير الاهتمام مباشرة بما تقدمه من انسلاخ وتحوّل في طبيعة الأشياء، وهي تقدم نوعاً من الفيتيشية وتبادل النوع في الجنس والفضائحية الخلاقة بحيث تثير دوماً الصدمة المطلوبة للدخول إلى التأمل. هذا بالإضافة إلى أنها منحت امكانيات جديدة لاستخدام التصوير الفوتوغرافي في الروايات وفي النصوص الأدبية وفي صناعة الصحف لدى السورياليين. وكما تقول الناقدة آنابيلا كورغن بأن " السوريالية واحدة من الحركات الفنية الكبيرة في القرن العشرين قادت مادة الفوتوغراف الجديدة آنذاك إلى مستوى العمل الفني الابداعي ووضعته قيد الاستخدام الخلاق مغيّرة طبيعته المحدودة ".

كلود كاهون

ويعلق الناقد ماتياس في صحيفة " هامبورغر آبند بلات " على الاعمال السوريالية المعروضة: " يتحوّل ما هو واقعي لدى امتزاجه بما هو حلمي إلى عالم تخيّلى خلاق. وما يقدمه هذا الفن للمشاهد من قوّة آسرة يعمل حتى اليوم فعله. لأنه كما يبدو يستحضر أمامه مادة محتشدة باللغز تثير فيه التأمل " و "السوريالية التي انطلقت ووضعت يدها على هذا المبدا كانت واحدة من اهم الحركات الطليعية، وربما من أهمها ".

وكما يبدو من مشاهدة اللوحات المعروضة بأن الفوتوغرافيين السورياليين في أعمالهم، كما لدى الفنانين السورياليين عموماً، لا ينطلقون من تحديدات وتوصيفات معينة، بل ينظرون نظرات مختلفة ومتنوعة للعالم الذي يحيط بهم. لذلك فإن أعمال الفنانين متنوعة. وعلى سبيل المثال أن فوتوغرافيين مثل مان راي أو إيلي لوتار في اختياراتهم لقطات من الحياة العادية ينتقون مادة يحوّلونها إلى أحجية مملوءة بالاسرار والخفايا بحيث يعيد المتأمل فيها ليس فقط معرفته بذلك الشيء وإنما يحفز فيه الجدل ويثير فيه الرصد والانتباه، فيما تعكس أعمال أخرى، على خلاف أعمال راي ولوتار، تمثلاً واعياً للمادة التي أمامها بحيث تغيّر وتحوّل الكاميرا تلك المادة التي قبالتها، من زاوية معينة منتقاة إلى مادة مختلفة، أو مادة هي ما فوق المادة التي هي في الواقع، كما يحدث في أعمال هانس بيملر.

لقد اعاد معرض السورياليين في هامبورغ الذي قدمته قاعة الفن كواحدة من أنشطة الفوتوغراف في تيرينالا 2005 فتوة السوريالية باعتباره من أهم المعارض، واستقبله الجمهور بدهشة شديدة، بينما حظي بكتابات غنية من قبل النقاد والمعنيين. لقد كان المعرض فعلاً استحضاراً للعقود التي عملت فيها السوريالية بفعالية في تقديم مادة عميقة ليس فقط لتطور الفن والثقافة وإنما للوعي الانساني بشكل عام.