قراءة في كتاب "لدي اسئلة كثيرة ليوسف ابو الفوز"

ربما يكون الكاتب العراقي يوسف ابو الفوز اول من التفت الى معاناة الطفولة وتيبس مشاعرها خوفاً واحتراقاً ورعباً، وربما يكون يوسف ابو الفوز من القلة الذين خلطوا مشاعرهم الأنسانية بمشاعر الأطفال فيخلط عمره وتعبه الأنساني ويدسه بين وجوه الأطفال وتجمعاتهم وحركاتهم ، ويوظف طاقته وقدرته في التحدث والفات نظرهم واهتمامهم فيتحدثون معه عن اسرارهم.
ربما يكون يوسف ابو الفوز من العرب القلائل التي جاهدت لتنشر ارواحها فوق روابي كوردستان وترسم بكلماتها فوق ورق يضيع في كل الاحيان بنتيجة القصف المعادي والتنقل السريع، عوالم ومشاعر وصور تكاد ان تبقى عالقة في الذاكرة، غير انها نقشت حكاياتها في وجدانه فبقي امينا عليها، بالرغم من تعدد المحطات والاغترابات والقطارات والمنافي، الا ان ابو الفوز يبقى ذلك الطفل الذي ينتمي الى الحكايات.
ربما كانت الاقتناصات التي استلها ابو الفوز من دفتر الذاكرة تصلح ان تكون شهادة صادقة ومليئة بالوجع الانساني، وهي تؤرق ليل القرى الكوردية الممسوحة من خارطة الوطن المستباح، او بيوت ترحل كما يرحل الريح والثلج كل عام، او كطيور السنونو التي تهاجر بعد اول قذيفة مدفع او ارتطام صاروخ بصخرة كوردية.
ربما تنتشر الحكايات انتشار الشظايا وتفتت الصخور، وربما تحلق مع السحاب فوق هامات الأطفال مثل البالونات التي فرت من ذاكرتهم، لكنها ترتسم فوق وجه الطفولة ابداً. اقول ربما وانا اضع ثقتي في الصور التي جسدها الكاتب ودون ان يزوقها او يرشها بملح الحزن بدت من خلال عبارات الاطفال عفوية تارة ونابعة من أعماق القلب في كل الاحيان. والأسئلة الكثيرة التي تزدحم في رأس الأطفال، نفسها تلح على ابو الفوز ان يجد الجواب، كيف يعيش الناس في الخراب ؟ واين يلعب الاطفال.. وبماذا يلعبون ؟؟
وحين يكتب شاعراً مثل عبد الله به شيو الذي كتب مقدمة الشهادة بالعديد من كلمات الالم والوجع، ثم يدلي بشهادته حول دائرة الضمائر المتقدة التي بدأت تتسع، وأشارة مثل هذه تؤشر بما لايقبل الشك أن مثل يوسف ابو الفوز العديد من الضمائر العربية التي تضع ليس فقط الأطفال والحقيقة، وانما حقوق شعب كوردستان كلها في الضمير، وحقاً أن اتساع دائرة الضمائر الحية والمتوهجة تتقد يوماً بعد يوم تجاه حقوق شعب مثل شعب كوردستان، حاولت السلطات الشوفينية بما تملكه من امكانيات وقدرات ان تلغي فقط انتصار الضمائر الحية، بل وأن تغتال الضمائر الحية فسقطت الى الحضيض وتألقت تلك الضمائر أبداً .
ويبدو ان العبء الانساني الذي تحمله مضاعفا يوسف ابو الفوز يكاد أن يتضاعف، فهو يختزن في ذاكرته ليس ما يقوله لنفسه بل حتى مايتحدث به الاخرين، فيصير وعاءاً مليئا بالحزن واللوعة، ولذا تاتي حكايات النصير بوتان والنصير بسام والنصير ابو امال ووصفي وابو بشار وابو حسن الحبيب وفرهاد وحيدر ابو حيدر وابو احرار وأسماء اخرى عبقة ، غير ان لكل واحد منهم حكاية مع طفل كوردستاني وفجيعة وحزن يكبر مع ثمة سؤال يكبر، أين هم الان ؟ بل اين شخوص الحكايا وهم الذين منحوا اعمارهم للعراق ووزعوا ايامهم في خدمة الأنسان في كل مكان.
"كل شيء ياتي مرة
الا انت ياطيران"

أي صورة فجائعية يرسمها زاخاروف الطفل النحيل وهو الذي ترعبه لحظات الزئــير المتكرر، وتجمد اعصابه ومفاصله حين تشخر كما الموتى من اعالي السماء حيث لامفر من الشظايا سوى الكهوف والحفر.
او خليل الذي يخاف الليل فلا تغمض عيونه ويمثل لوحات عسكرية لم يالفها، او فيدل النابض بالحيوية والشقاوة او العصفور الكوردي زوزك ذو الثلاث سنوات او ماجد ووفاء وريناز ورينوار وعاصف وفؤاد وحبيب... أين هم الان ؟؟
ذاكرة الطفولة وعذابات الأيام وتضاريس الحزن المرسوم على الوجوه الحلوة، والخوف المنتشر فوق تقاطيع الوجوة الترفة والبريئة، ودفء الأنصار الذين ينشرون ارواحهم فوق هامات الأطفال لحرمانهم من طفولتهم وأطفالهم، وربما لتجسيد محبة الناس.
ثم يقتنص الشاعر النصير عبد القادر البصري ( ابو طالب ) فيضيغ وسط محنة الناس وأزدحام الحروف بين ثنايا السهول وقمم الجبال واشجار الجوز الطويلة فيحيلها الى ومضات تمليء القلب حنينا وبوحاً واسرار طفولة فيقول :
"ومضة في سماء القلب
مرت ومر الطيف ضاحكا
قبل قليل
طائرة مرت،
بعدها..
كان الطفل قتيلا."

شهادات كل من نظمي عبيد 11 سنة، ونهاد طيب 12 سنة، وخيري سعيد 10 سنوات، ونبيل عبد الخالق 13 سنة، ونداء لطفي حاتم التي تصلح شهادتها لوحدها ان تدونها الذاكرة وتتحدث بها الاجيال فتتعلم القراءة والكتابة دون مدرسة وتتحدى القصف المعادي فلاتخافه ولاتختبيء، كما تتحدى المدفعية، وتصاب بالعمى لأربعة ايام من أثر القصف الكيمياوي، وتسير خمسة ايام بلياليها على قدميها الصغيرتين المتعبتين، وتنام في العراء وتاكل القليل القليل، وتتمنى ان يموت صدام، ولنداء قصص اخرى تتداخل فيها احلام الأطفال ومحنة الزمان والمكان، ونداء التي لم تتعد بعد العشر سنوات تجتاز الحدود دون تذكرة سفر ودون جوازات مرور، لكنها تؤكد شيئا واحداً هو أن للأرادة مكان في قلوب الأطفال والكبار.
ربما يتذكر سردار الشيخ القرى التي تضيئها قنابل الجيش في الليل، فيصير الضوء خيطاً كما تبرق السماء حنيناً في شتاء الناس الموحش، أو تنفلق القاذفات حين تنقض فوق المواضع والتجمعات توزع شررها، وتختلط اصوات انفجاراتها مع صرخات الطفولة، وسالم وبيريفيان وكل القرى التي طحنتها الحروب، ورسمت فوقها علاماتها، وبقيت فوقها أثراً لأقدامهم الطرية وبقايا العابهم من اغصان الشجر والعشب المتكسر بعد شتاء طويل، وتراب معجون بينابيع العيون الباردة، واكياس لااحد يعرف مابها فتبقى أسرارها عميقة ، وليالي دون نوم، ونوم لاياتي مع الجوع، وحشائش ليس لها طعم، واسرار يخونها عقل صغير يبوح بها ليوسف، وآه يايوسف من اسرار الاطفال.
المخيمات التي انتشرت على خط الحدود الآيرانية والعراقية، والحرس المدجج بالسلاح، واللغة التي لايفهمها الاطفال، وحشود من البشر تتجمع حول مواقد النار، وارغفة من الخبز تتكسر بين اياديهم فيلتقطونها من فوق الارض ، وصمت مريب فلا احد يسأل ولا احد يجيب، وأسئلة كثيرة !! ولكن الى اين الذهاب والخراب يحيط بالبشر ؟؟
يراقب الاطفال الرجال يلفون السجائر من ورق الدفاتر العتيقة، ومن اوراق الشجر المتيبس، ثم يختلط الهمس ببكاء الأطفال المرضى، ومشاعر تهتز لمجرد صدور اي صوت مهما كان مصدره ونوعه، وبرد ينخر العظام، وعراء وطين يلوث الملابس ويتدثر مع الاطفال قرب المدافيء البدائية، وشتاء لاينقضي، وصيف لايجيء، وقمر خجول يستحي ان يضيء فيختبيء خلف التلال او الجبال، ثم لايلبث ان يرحل دون ان يترك بطاقته او تذكرة للعودة.
وموتى يتم دفنهم دون ان يتمكن الأطفال أن يطلوا على وجوههم أو يشغلوا فضولهم، ودون ان يشاهدوا وجوه اصدقائهم الذين رحلوا باردين، غير انهم لمحوهم متيبسين ملفوفين بثيابهم الممتلئة بالطين ، وامهاتهم منكوشات الشعر ومحمرات العيون، الى أين لااحد يدري ؟؟ فشتاء يعقبه شتاء !!
ربما في ليل القرى او في نهارات المجمعات التي صارت مكاناً وحيداً لحياتهم أن يتعلموا دون مدارس، ويلعبوا دون دراجات هوائية أو اصباغ ملونة، ويتسامروا دون ضجيج فقد اضاعوا طفولتهم عند مشارف تلك القرى التي لاأسم لها ولاأثر على خارطة الوطن. المقرات التي تنقل بها الكاتب ابو الفوز تشكل له نقطة الارتكاز التي يتوزع منها الاطفال وتتوزع معها قصصهم وخيالاتهم وحياتهم، منهم من عاد الى اهله، والعديد منهم ضاع بين تلك القرى التي مسحت من الخارطة، وبين كل المسافات القصية،واستطاع ابو الفوز ان يلتقط كل تلك الشهادات بأمانة المتابع لينقشها في ذاكرته فقد أضاع اوراقه مرات عديدة.
ولذا يتذكر المسرحيات التي اشترك بها الاطفال، ويتذكر رفاقه الذين انتجوا عملا مسرحيا في زمن ممتليء بالرعب والموت، غير ان الوجوه صارت كلها أطفال، فلا وصف لوجه مورد او ممتليء انما كانت كل تلك الوجوه صابرة وصامدة ممتلئىة بالغضب والعنفوان، غير انها ضاعت كما ضاعت قصائد الطفل زاخاروف التي قدم لها الشاعر ابو طالب البصري.
وكتاب "لدي اسئلة كثيرة" اذي كتبه ابو الفوز من اصدار وزارة الثقافة بحكومة اقليم كوردستان 2004، يشكل منجزا ادبيا يختلف عن مجموعته القصصية "عراقيون"، او تجربته الانصارية "تضاريس الايام في دفاتر نصير"، اوز في انتظار يوم اخر او طائر الدهشة والطائر السحري،غير ان شيئا ما يجمعها كلها بما فيها كتابه الخير لدي اسئلة كثيرة، وهو ان الكاتب يرصد معاناة الانسان ويترجمها الى الواقع فيسجل معانــاة العراقيين في المهجر، ثم ينقل معاناة الانسان وكفاحه في تجربة الانصار في كوردستان، ثم لايلبث ان يرسم صور المعاناة الأنسانية للعراقيين في مخيمات اللجوء، ,اخيرا مايختزنه في ذاكرته النشطة من قصص الطفولة.
وللشهادات التي دونها ابو الفوز معنى عميق يبتدأ من تخندق الضمير العربي في وصف المحنة، ويستمر من خلال الفجائع التي مرت كسلسلة طويلة على حياة الكورد كشعب، ومنهم خصوصاً الأطفال الذين تناستهم المنظمات الأنسانية، وغض الطرف عنهم المجتمع الدولي، وتنتهي بحلبجة وكل المحن التي سجلتها ايام التاريخ عليهم، لذا يستوجب أن تولي الدوائر الثقافية والسياسية اهتماماً كبيراً بهذه الشهادات وأن يتم توظيفها كتذكرة للأجيال القادمة، ويقينا لو اتيحت الفرصة للقاص يوسف ابو الفوز أن يتفرغ ليسهب في وصف الشهادات التي اؤتمن عليها كشهادة تاريخية لها عمقاً ودلالات كبيرة القيمة.