"المعنى في الحاشية" لعبد الرحمن الماجدي:
براءة البوح وجمال الألم


علي عبد العال: كتاب الشاعر عبد الرحمن الماجدي ليس كباقي الكتب الأخرى؛ على الأقل من ناحية الشكل والتصميم. إنه الكتاب الذي يجب أن تمسكه كلتا يديك لكي تقرأه، ثم لكي لا تجعله يتكسر بين أصابعك لأنه أشبه بجنح فراشة غض. وقبل الخوض بالشعر نقول عن تصميم الكتاب الجميل والغريب الذي وضعه الفنان ناصر مؤنس، إنه عمل فني مرهف، فيه ألوان مشعة ورائعة، تحلق كطائرات ورقية زاهية في روح القارئ. فيه نوافذ تنفتح على بعضها تحيط بها طلاسم غامضة وتشكيلات خطية تقع في أطر هندسية من مربعات ومثلثات في صياغة فنية فيها عذوبة وحرية. إذن نحن في الطريق إلى الإبداع. كل جديد هو "إبداع".
الحقيقية الواجب عليّ قولها تتلخص بنظرات أبني "11 سنة" حين حملق بالكتاب الذي بين يدي وقال:
ـ "بابا هذا شنو"؟
ـ "كما ترى أنه كتاب".
ـ "الله.. شكد حلو".
أعتقد أن الكتب يجب أن تكون على المستوى من الجمال والرقة والألوان الكثيرة الزاهية، على الأخص الكتب الشعرية. لذا كنتُ أنتظر ردود الفعل الروحية ومستوى البهجة التي تختزنها النصوص الواقعة بين دفتي هذه الزخرفة اليدوية التي تقرب من عمل فني خاص.

يا أخي..
يا مَنْ ينظرُ لسقوطي الوشيك،
ادفعني بكلتا يديك..

هكذا تأتي البراءة في القول، البراءة في تحمل جرعة الألم. براءة تكشف القرار الآثم الذي لا معنى له سوى الحقد المجاني من دون طائل.
القصيدة الحديثة مرحٌ مجنون. فكاهةٌ سوداء. سهامٌ مسمومة تُصيب النفوس المريضة بمقتلٍ. تلك مهمة كبيرة وجليلة تضطلع بها هذه القصيدة المقتضبة الصغيرة، المعدودة المفردات، لكن الواسعة الأطراف والطائلة للمعنى.

نصوص الماجدي الشعرية في "المعنى في الحاشية" تغطي مرحلة سوداء من تاريخ جيل الشباب العراقي الذي قضى زمنه في أهوال الحروب وعذاب فقدان الحرية وفقدان الهوية. تنجح هذه النصوص التائهة، النافرة بتغطية مشاعر وأحاسيس إنسان مقهور ومهزوم من الداخل. رجال ونساء، أطفال، وهلام من البشر الآخرين في خلاصة للمواطن العراقي المستلب المنتظر لخلاصه في حالة تكاد تكون واحدة وثابتة: الموت.

بلذة يمرّ الوقت على راحتهِ
مستذكرا نساء الحيّ يعبرن قناة الجيش بعباءاتٍ الصوفية
ليهبن السادن نذور حربٍ قادمة.
وبلذةٍ
ينزلُ
سلاطين
من
الزقورات
لينتظموا ضمن صف مهيبٍ في ساحة البلدية..
ص 12

نصٌ تختلط فيه عفوية الرؤية لمأساة كبيرة تحيق بالناس والوطن. مرارة نساء ينذرن النذور لسلاطين الحروب في دورة عنيدة من التاريخ لم تنته فصولها حتى الآن. المرارة والسخرية ومن ثم النزوع الإنساني الفطري نحو الاحتجاج الداخلي العميق على الظلم، أحاسيس ومشاعر وأفكار تنجح قصيدة الماجدي المختزلة، المختزنة على شحنة دافقة من الحرارة والجرأة على نقلها إلى فكر ورح القارئ.

مشاهد أكثر صخباً، وأكثر مأساوية تنقلها قصيدة الشاعر عبد الرحمن الماجدي بما يشبه الومض الذي يحدثه الطلق الناري في الجسد البشري. أو بما يشبه حد السكين عندما يقترب من الرقبة الضحية. في قصيدة "سؤال" الجميلة، المحايدة، التي تنقل الألم بطابع محايد، ومن السخط الصامت، يقول في القصيدة:

كيف أصف المشهد أيتها اللغة؟
هل أقول: ركضتْ جثةُ الجندي خطواتٍ بعد أن قطعتْ شظيةٌ الرأس؟
أم أقول: تدحرج رأس الجندي فيما ركضت الجثةُ خطواتٍ؟
أم أقول: اختفى الرأسُ فهربت الجثةُ؟
أينَ أصبح/ أمسى/ بات/ صار/../ الجندي؟
مع الرأس أم مع الجثة؟

هذا جزءٌ من موروث الحروب التي خاضها العراقيون مرغمين من جيل الشاعر عبد الرحمن الماجدي. أية مخيلة تتسع للشعر بعد هذه المشاهد الدامية؟ أي مهمة ثقيلة ينوء بها هذا الجسد البشري الذي يمتلك موهبة الكلام والقول والكتابة؟ أي مهمة شاقة يلقيها التاريخ على آدميين اخترعوا الأديان وكتبوا الملاحم ويتوجون رؤوسهم بأبيات الشعر والشعراء وهم يرون بأم أعينهم هذه المشاهد الهمجية البشعة؟

في نصوص "المعنى في الحاشية" يشترك الشاعر الماجدي مع شعراء عراقيين كثيرين وحدّتهم تجربة فريدة من نوعها: الكتابة خارج حدود الموت المحدق. الشعراء العراقيون يبدعون القصيدة من حيث الشكل ومن ناحية المضمون ليس فقط بارتكازهم على تاريخهم الأدبي الضخم في هذا المجال، وإنما يرتكزون على تجارب حياتية، سياسية واجتماعية خطيرة وكبيرة. لذا يتحول "الإبداع" إلى ممارسة واقعية، وليس مجرد تنظير. عندما تكون الكلمة الصغيرة المكتوبة لا تعبر عن فكرة ناضجة ومتكاملة، ولا تعبر عن نظرية لقلب نظام الحكم، ومع ذلك يمكن أن يُقطع رأسك لمجرد قولك هذه الكلمة، تصبح مهمة الشعر ومهمة القصيدة تهمة خطيرة بحد ذاتها. لذا برع جيل الحرب في الحرب الثقافية الخفية التي تؤكد على ديمومة الحياة على الرغم من إرادة الطغاة. والشاعر عبد الرحمن الماجدي أحد ضحايا هذه الحروب على ما أظن. نصوصه مشبعة بالمرارة، لكنها تفتح كوات صغيرة ومضيئة من خلال روح طفل أو ذكرى بعيدة كالحلم، أو عتب قديم على الأحبة والأصدقاء "اللؤماء" وغدر الأيام، والسخرية الشاملة من الحياة.

•"المعنى في الحاشية" شعر ـ عبد الرحمن الماجدي
•تصميم الغلاف والتخطيطات الداخلية: ناصر مؤنس
•الطبعة الأولى: 2005
•الناشر: دار مخطوطات