قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أحمد عبد الحسين: وباء العافية
تزامنَ سقوطُ صدام لديّ مع توجّهي لكتابةِ مقالاتٍ نقديةٍ أردتُ منها مساءلةَ المنجز الشعريّ العراقيّ في العقدين الماضيين. كانت الحربُ وحمّى متابعتِها السببَ في الحمولة السياسيّة التي اكتنفتْ تلك المقالات.وقتها كتبتُ (حربٌ على الينابيع) و(شعر وديموقراطية) اللتين ركزتُ فيهما على كيفية تعاطي الشعر العراقيّ مع الواقعة (السياسية تحديداً)، وظهر لي أن جيلينِ شعريين كاملينِ كانا ينْظرانِ إلى أن اهتمام الشاعر بالسياسة هدمٌ لروحه وابتعادٌ عن ذاتٍ نبويّة لا تترصّد ما يحدث ولا تكترث به، بل هي هائمة في سماءٍ غفلٍ تبيّنَ لاحقاً أنها مصنوعة من ألفاظٍ لا تختلف كثيراً عن الألفاظ التي خُلِقتْ منها الذات النبويّة للقائد الأوحد.
دائماً كانت الواقعة اكبر منّا لأنها خارج محيط رصدنا.
كنت أستغرب كيف ان صبيّاً كصدام حسين تسلّم قيادة العراق عام 1968 مع وجود حراك ثقافيّ كبيرٍ أبرز تجليّاته الجيل الشعريّ الستينيّ الذي ملأ دنيا العراق والعرب شعارات تخطٍّ وإزاحة وتجاوزٍ. الآن فقط أزعم أني فهمتُ السبب. كان الشاعر لا يفهم السياسةَ إلا بوصفها تحزّباً، ولهذا كان يتّبع أحدَ سبيلين: إما أن يأتي بالحزب كلّه إلى القصيدة (البياتي، سعدي يوسف، غزاي درع الطائيّ، كاظم السماويّ... الخ)، أو يتنكّر لما هو سياسيّ لأنه أكبر من التحزب الذي هو الإسم الآخر للسياسة لديه.
غير أن الجيل الشعريّ الشابّ (داخل العراق) أغلب أبنائه مستقلّون، وقد تخلّصوا من هذه الثنائية المضحكة، فأنا أقرأ لهم نصوصاً تقول الواقعةَ السياسيّة بتلقائيةٍ لم نعهدها في شعرنا العراقيّ أبداً، لا تجدُ في نصوصهم تشنّجَ المتحزبين التقليديّ ولا ثرثرةَ "الغنوصيين" ـ بالأذن من خزعل الماجدي ـ.
سقوط صنم العرب الأكبر في التاسع من نيسان كان " بالنسبة لي في الأقلّ" نهاية هذه الرؤية الناصّة على نبويّة الشعر. ثم جاء مشهد صدام ملتحياً ومخبولاً يفتح فمه أعرض من الشاشة ومن ذهولنا، ليكشف عجزنا، ويصيب ادعاءنا النبوّةَ في الصميم.
ليس هذا حدثاً عارضاً. يخطئ من لا يحدس أن صورة صدام المخبول هي في حقيقة الأمر إهانة مستحِقّة لأدبنا العراقيّ ولشعرنا تحديداً. لم نكن مستعدّين لواقعة كهذه لأننا تنكّرنا لكل الوقائع.
اللغة الشعرية تغيّرتْ. لم يعد البذخ اللغوي كيلاً بلا ثمنٍ يغري أحداً بقراءته. لم تعد سائدةً تلك الجملة الشعرية ـ الحكمة أوالنبوءة التي اعتاش عليها أدونيس وتسرّبتْ إلى مدوّنات الكثيرين.
أُعيدَ الاعتبارُ إلى المعنى. لكنّ الصورة غير مكتملة تماماً. فـ(القديم مات والجديد لا يستطيع أن يولد) حسب غرامشي، غير أني أثق ببشارات ولادة هذا الجديد.
كلُّ هذا لم يكن سببه الأوحد سقوط صدام. لكنّه أحد أكبر أسبابه.
ديموقراطية في الحياة السياسيّة محرّضة على ديموقراطية في الشعر.
أثق بهذا، لأني أعرف أن العافية تُعدي... تماماً كالأوبئة.
لنؤمنْ بفايروس العافية.

***


سهام جبار: المشكلة في الامية الثقافة
لقد بدأت بالفعل معاناة التغيير في استراتيجيات الكتابة، بوصفها مشروعا ممكناً لا نصاً منجزاً، اذ لا بد من ان يأخذ ذلك مداه لكي يظهر أثره في النتاج الشعري الجديد، فالتغير في العوامل الموضوعية المحيطة لا يكون انعكاسه مباشراً وسريعاً بل متدرجاً وبطيئاً.. لقد شعرت اكثر من ذلك، بان ما كتبته قبل الحرب وخلالها قليل الفاعلية من جهة ويكمن عمله في اتجاه السلب، اي النقض والمهاجمة والانتقاد في حين تتوجه بي الحرية الان الى البناء لا الهدم، الى الانتماء لا الرفض والنفي.. انني سعيدة بهذا التغيير فلقد اعطاني مبرر وجود بعد ان احبط وجودي وضمرت اهميته، الان صرت اهتم بان اكتب بعد ان عطلت امكانية الكتابة بوجود صدام، لان الحرية شرط الكتابة ولم نكن أحراراً بل مقموعين ومكبوتين ومغيبين حتى عن ذواتنا. كذلك اعطاني هذا التغيير مساحة اختلاف عما كتبت سابقاً، وفي الحقيقة انه هذا شرط اساسي من شروط قصيدة النثر ودوامها، لا يمكن ان تكتب الا لتختلف، لتغير، لتتفرد، لذلك اجد ان مستقبل قصيدة التي اكتبها مشرق، اما عن القصيدة العراقية فلدي تحفظات تتأتى من نشوء أجيال على نحو مموه وعاجز بسبب من انهم لم يتعلموا الامور على حقيقتها وانما عرفوا البدائل فلم يدركوا الغاية من الكتابة بهذا الجنس او ذاك واستفادوا من صيغ وأشكال لم يعانوا في ايجادها واستعياب احتياجهم اليها. المشكلة في الامية الثقافة، انها عقم ابداعي يجعلني متخوفة من مستقبل الكتابة في العراق الا ان ذلك ليس نهاية المطاف، والامل أولى من كل ما شهدنا من سوء.

***


هاتف جنابي: "سورة الفاتحة" على أدب التكسب والتوسل والمديح والقعقعة الفارغة

كنتُ في مسعاي الفكري ومنهجي الحياتي متمردا على المألوف. وبما أن البوحَ في هذا المجال، في بيئتي المحافظة، كانت تعني مجازفةً لا ترقى إلى سمو الهدف ولا تستكمل مقوماتِ المسعى، لذا تراني رميتُ بنفسي في أتون الكلمة، في لُجّة القول وميتافيزيقيا الروح والجسد. فعبّرتُ عما افتقدته في محيطي بالشعر، فأصبحت الكلماتُ بيتي، أملي، ضريحي وإمامي الحاضرَ الغائبَ المرتجى. كنتُ بفعل الفطرة والبيئة أكره الظلم والظالمين وإلحاق الأذى بالآخرين. كنتُ أجهد في النظر إلى أمام رائيا، مستشرفا، هادما، بانيا، وأنا في خضمّ تراجع الحاضر وتحجّر الماضي. لم تصمدْ طويلا معادلةُ فك العزلة وافتضاض مغاليق الحرية وتفكيك حصون الواقع الدموي. كانت دمويةُ الواقع تتماهى وحشرجة الضحايا متمادية في غيها وجبروتها الوحشي، ولطالما كانتْ أقوى منالخيال! لم يكن يربطني شيء البتة مع النظام السابق، لقد تربيتُ في طفولتي (في 1963) على منظر مشهد مريع بشع لمسامير طويلة وجدران ذوات أنياب حاقدة قد تركت الأظافرُ على سطوحها ندوبا وشروخا، لعلها استغاثات المُغَيّبينَ، ثمة مراوح منزوعة الرياش، ومنصات تلتصق بها الدماء والشعور، في قبو مسجد في مدينة النجف! أخذت هذا الأنياب تلاحقني أنّى ذهبتُ. كنتُ أردد فيما بعد بعض أبيات من قصيدة لي: "صحتُ صرختُ/ هوى بدني في الأقاصي/ أراني قتيلا ورأسي يُدَحْرجُ رأسي/... بعدها بسنوات كتبتُ ثم نشرتُ قصيدتي الطويلة نسبيا"العزف على الجمجمة". كان صدى العزف قد عمّ البلادَ بأسره، ذلك اللحن- المأساوي الذي غُيّبَ في ما وراء الحدود! لم يسمعنا العالمُ، وبالأحرى لم يردْ أن يسمعنا! كان سقوط الطاغية ونظامه قد تم في أعماق الأرض، في أرواح الضحايا والمقابر الجماعية والآثار المدمرة-المنهوبة، في خضم الدمار ذاته: في صراخ وولولة الأطفال على ذويهم المغيبين في المجهول، في صدور الأرامل وحناجرهنّ الممزقة، في بسالة الكلمة السجينة التواقة للانعتاق من براثن الإذلال والكبت والملاحقة والقمع والتزييف، في ظل نظام منحاز بجدارة إلى سبي اللغة والاستخفاف بالمعنى النبيل، في ظل أوضاع تُؤلّه الجهلةَ وتستمرئ في بعث الأساليب المنخورة ومكافأة النصّابين ودعاة "شعر الإحياء" المقبور، و"شعر المديح" على ألسنة أدعياء الشعر ممن لا يفقهون غير الكلمات المتحجرة، والعامية التي تتوسل وتدغدغ إليةَ الطاغية وبراغيث الظلام!
كان سقوط النظام يعني قراءة "سورة الفاتحة" على أدب التكسب والتوسل والمديح والقعقعة الفارغة، على الأساليب الأدبية التي قمعتنا كل هذه القرون، كلّ هذه الخمس والثلاثين سنة الباهضة التكاليف! كنّا، نحن الشعراء والكتاب والفنانين، نئنّ تحت ساطور الطغاة وأحابيل ملفقي الكلمات ودعاتها. لم يكن ثمة ما يربطني بالماضي الصدامي سوى البحث عن الحرية. ما لم أكسبه في الحياة ربحتُه شعرا ومنفى، وما فقدناها جميعا، قد فزنا به حريةً. الجميعُ أحرار ولو بالتقسيط! لم يتغيرْ مفهومي الشعري بعد سقوط "الصنم" لأنني لم أربط كينونتي وعالمي الفكري-الجمالي بالقتلة وأحابيل زبانيتهم السادرة في جهلها وغيها وحمقها. الشيء الذي أخذ يتغير في داخلي هو المادة الشعرية وطريقة التعامل مع الوطن. تحول مسعى الكشف عن معادلة: كيف يمكن للمرء أن يصبح حيوانا كاسرا، وكيف يمكن له أن يمسخ الآخرين فيحولهم إلى حيوانات على شاكلته، وكيف يتحول الفضاء الشسيع إلى سجن، وكيف يُطاح بنبل الكلمة... كيف ثم كيف؟ أقول تحول هذا المسعى إلى مسعى آخر يجمع مابين استعادة شراسة الخيال وترميم الذاكرة و"إعادة إعمار" الروح والذات المشوهتين، ومقاربة الطبيعة والحياة، والاحتفاء بفضائل التجلي والانعتاق. مصير الشعر في أن يكون منفتحا- مفتوحا، مستشرفا، مشرعَ الروح والبدن، منفلتا من عقال التحجر الأسلوبي، الفكري والرؤيوي، محتفيا بنفسه وبالكون.


***

أديب كمال الدين: إلى فضاء يطلق أسئلة الشعر الكبرى

بعد سنوات طويلة من الالغاء والتهميش والعزلة والحرمان والرعب عشتها في بغداد أيام الطاغية البشع ونظامة الارهابي ، وبعد سنوات من الانتظار الوحشيّ في عمّان ،
وصلتُ الى أستراليا، ليسقط ، بعد شهرين فقط من وصولي اليها، تمثالُ الطاغية الى الابد. هذا التمثال العملاق الذي صنع من دماء العراقيين الطيبين وشبابهم واحلامهم وآمالهم. كان حدثاً تاريخياً لايشبه حدثا آخر البتة. فلم يعرف التاريخُ مثيلا لهذا الطاغية في دمويته وجبروته وعدوانيته وجنونه وسخفه وتفاهته. كان بحق طرازاً خاصاً من الطغاة!

شعرياً بدأ السؤال الابداعي ، في أستراليا، يأخذ عندي مسارات عديدة: فأنا مبتهج بحروفيتي الشعرية وتوكيدي على استخدام الحرف العربي جماليا ً وكشف مستوياته: الروحية والاسطورية والخارقية والايقاعية والتراثية والتشكيلية والرمزية والطفولية والصوفية والسحرية والقناعية. هذا الكشف الذي أشاد به، ولله الحمد، النقد العراقي والعربي. نعم، فهذه الحروف منحتني قدراً من البوح أو الترميز وأنا في داخل زنزانتي البغدادية المرعبة. الحرف بلغة العرفان رمز دلالاته لاتنتهي! دلالاته، بكلمة واحدة، تشبه أذرع الاخطبوط التي لاتكفّ عن الحركة واللعب، فكيف يمكن للرقيب الغبي أن يمسك بها؟!

حسنا: هل سأستمر هنا معمقاً حروفيتي وجماليتها لأواجه بصعوبة الامر أن أردتُ أن أتواصل مع الثقافة الأسترالية: فإذا كان بالإمكان مكان ترجمة بعض الشعر وبخاصة شعر الثيمة فإن الحروفيات لا تُترجم البتة! أم تراني سأكتبُ بالانكليزية محاولا القفز على خسارات الكاتب العربي المعروفة للقاصي والداني؟!

لاهذا ولا ذاك. قررتُ أن أؤكد على سؤال الحرية العظيم: هذا السؤال الذي جعلني أنتقل من بلد الى بلد ومن أرض الى أرض ومن قارة الى أخرى. نعم سأطلقُ حروفيتي وتجربتي الشعرية كلها لأتحاور معها في فضاء أكثر عمقاً وحضوراً، في فضاء يطلق أسئلة الشعر الكبرى.

وإذا عدنا الى الشعر العراقي فحريّ به أن يتألق بكل معنى التألق بعد سنوات القهر والخسف. لقد نزعت بغداد ثياب الذل الصدامية، فحريّ بالشعر العراقي الخلاق أن يجسد المأساة العظيمة: كيف اقتيدَ شعبٌ بأكمله من حرب الى حرب ليصلَ الى فضاء الجوع والرعب. حريّ به أن يفضح شعراء صدام الظلاميين الذين كانوا يلهثون خلفه كالكلاب، يلهثون خلف مكرماته ورواتبه وسياراته وأنواطه ومناصبه وملايينه وأكاذبيه الكبرى!

ياه، كم من الجرائم اُرتكبت بحق الشعر، بحق الحرف النقي والنقطة الطيبة، كم من الجرائم اُرتكبت بحق وطن أسمه العراق الذي لم يستطع- رغم غناه وكرمه وعنفوانه وجماله - أن يعطي لأبنائه الطيبين سوى الحرب والحرمان والمنفى.