إقرأ أيضا:
عرض فادي عاكوم: صدر حديثًا عن مؤسسة نوفل في بيروت للكاتب احمد زين الدين،الكتاب يقع في 268 صفحة من الحجم العادي. مواد الكتاب كتبت اصلًا كحلقات نشرت في مجلة "الصياد" البيروتية عام 1998 جمعها الكاتب و عدل عليها و اضاف المصادر والمراجع التي استقى منها معلومات الكتاب. قسم زين الدين كتابه الى ستة فصول، تناول في كل منها فترة سياسية متكلمًا عنها باسهاب، مسلطًا الضوء على الظروف السياسية المحلية و الاقليمية و الدولية التي رافقت انتخاب او تعيين كل رئيس على حدة.
مصطفى طلاس يروي «مرآة حياتي»![]()
الفصل الاول
في الفصل الاول يتناول الكاتب مرحلة الانتداب الفرنسي على لبنان عارضًا في البدء اتفاقية سايكس _بيكو و انتداب فرنسا على لبنان و سورية عام 1918، و اعادة العمل بمجلس ادارة جبل لبنان و ترئيس داود عمون عليه، و يمر مرور الكرام على قضية توقيف بعض اعضاء هذا المجلس بتهمة الخيانة على الرغم من اهمية الموضوع وما تعرض له الموقوفون من اعتقال و نفي الى خارج البلاد بسبب مطالبهم القومية و الوطنية. ثم ينتقل الى اعلان دولة لبنان الكبير من قبل المفوض السامي الجنرال غورو في ايلول من عام 1920و يشرح لنا كيف كان المفوض السامي هو الحاكم المطلق مع وجود"مجلس نظار" او مديرين لبنانيين، حيث كان المجلس صوريًا لا حول له و لا قوة. ثم يتحدث عن مرحلة الجنرال سارايل وهي مرحلة العلمانيين والماسونيين و قد ركز الكاتب بمصادره في تلك الفترة على كتاب الرئيس بشارة الخوري "حقائق لبنانية"، دون غيره من المؤرخين مع بعض التطرق الخفيف الى كتاب" 50 سنة مع الناس" ليوسف سالم و هذا ربما لنهج سيسلكه الكاتب في الفصول القادمة لايصال وجهة نظر معينة ترتكز الى افكار، من جانب طرف واحد.
الفصل الثاني
في الفصل الثاني يتحدث الكاتب عن كيفية وصول رؤساء الجمهورية في عهد الانتداب. فقد ولد الدستور في 23 آيار/مايو عام 1923 و تحول المجلس التاسيسي الى مجلس للنواب بقرار من المفوض السامي الذي كان وقتها دو جوفنيل، وتم تعيين" شارل دباس" الارثوذكسي رئيسًا للجمهورية، و ذلك بسبب علاقته الجيدة مع الفرنسيين ومساهمته الفاعلة بكتابة الدستور اللبناني بروح فرنسية، بالاضافة الى كونه متزوج من فرنسية، ثم يتناول قضية رئاسة الشيخ محمد الجسر وممانعة فرنسا مع بطريرك الموارنة للامر، مع موافقة النواب الموارنة على هذا الامر مرتكزًا على اقوال يوسف سالم في كتابه المذكور سابقًا.يلي ذلك سرد ممل لوقائع تعيين كل من الرئيس حبيب باشا السعد والرئيس إميل إدة والرئيس ألفرد نقاش والرئيس أيوب ثابت والرئيس بترو طراد.
الفصل الثالث
هذه الفترة من اهم فترات التاريخ اللبناني الحديث التي تضمنت الحصول على الاستقلال، و يتطرق الكاتب إلى الخطوط الكبرى لسياسة الشرق الاوسط التي وضعتها الحكومة البريطانية والتي من بنودها عدم الاحتفاظ لفرنسا باي دور او امتياز، فظهرت حرب جديدة اسلحتها الكلام والدسائس والوشايات للتلاعب بالموظفين واصحاب النفوذ ووصلت المناكفات الى أوجها خلال الانتخابات النيابية، و ما تبعها من انتخابات رئاسية، انتهت بفوز الرئيس بشارة الخوري على منافسه الرئيس اميل اده. ويظهر انحياز الكاتب الواضح مع الخوري ضد اده حتى ان غالبية المصادر هي من كتاب الرئيس بشارة الخوري "مذكراتي ".
اما فترة الاستقلال فهي من افضل فصول الكتاب من حيث السرد والمصادر المعتمدة ونمو الروح الوطنية لدى اللبنانيين آنذاك، باستثناء الفترة الاخيرة من حكم الخوري حيث كثر كبت الحريات وملاحقة الصحافيين، بالاضافة الى ان اقارب الرئيس هم الذين عاثوا فسادًا في البلد واوصلوه الى الاستقالة، فبرز كل من كميل شمعون وحميد فرنجية كمرشحين للرئاسة ويعزو الكاتب فوز شمعون بالكرسي الاول الى علاقته الجيدة بسورية التي ساعدته خلال عملية الانتخاب بالضغط على حلفائها من النواب ليصوتوا لمصلحته. وهنا تجدر الاشارة الى ان الكاتب لا يستغني بسهولة عن غزله بآل لحود حيث تكلم عن اميل لحود ( عم الرئيس الحالي ) بغير موقعه واصفًا اياه بالتالي "الحامي و النائب و الوزير السابق و الشاعر الشعبي........." علمًا ان غالبية رجالات السياسة في تلك الفترة تنطبق عليهم هذه الصفات و لم يقدمهم الكاتب بهذه الطريقة.
الفصل الرابع
يطلق الكاتب على هذه الفترة المرحلة الشهابية نسبة الى الرئيس اللواء فؤاد شهاب و يلقي الضوء على عمل الاجهزة الامنية و المخابراتية في تلك الفترة، و السهر اليومي على مجريات السياسة، و تحركات الاحزاب و السياسيين و الشخصيات، و الاعتماد على المخبرين و التدخل في الانتخابات، و سميت هذه الاجهزة وقتها بالمكتب الثاني مما خلق انشقاق في صفوف اللبنايين بين مؤيد لهذه السياسة او معارض لها، و يظهر بوضوح تبرير الكاتب لهذا النهج في الحكم باستشهاده بقول للرئيس شهاب بانه بعد استشارة احد كبار الحقوقيين الفرنسيين " ان رئيس الجمهورية في هذه البلاد لا يستطيع ان يفعل شيئا، و هو يملك و لا يحكم انه مقيد بالدستور و القوانين و الاعتبارات التي يعرفها الجميع " ثم نرى تعدادًا لا نهاية له لما عرفه لبنان من مشاريع في ظل النظام الشهابي، و كأن الطريقة المثلى لحكم لبنان هي حكمه بواسطة المخابرات علمًا ان الكتاب نشر هذه السنة و بينت الوقائع الحديثة ان هذه الطريقة في التعامل مع الشعب اللبناني اثبتت فشلها، فلم تنفع ايام اللواء شهاب و لم تنفع في وقتنا الراهن في عهد العماد لحود.
وعن فترة حكم الرئيس شارل الحلو يقول الكاتب، إن شبح الحكم الشهابي كان لا يزال مسيطرًا على الاجهزة، و يستند في هذا الفصل الى كلام العقيد غابي لحود الذي كان من الفاعلين في المكتب الثاني وقتها والذي وصف الرئيس الحلو بانه حيادي في الظاهر و مشجعًا للمعارضة في السر،و هنا تجدر االاشارة الى ان هذه المعارضة تكونت لمواجهة المكتب الثاني و برزت في تلك الفترة (1969) المشاكل مع التنظيمات الفلسطينية، و برزت الانقسامات في الشارع اللبناني و القى الكاتب اللوم على الرئيس حلو بما جرى من إنقسمات.
الفصل الخامس
في هذا الفصل الذي يسميه ( رؤساء في الازمة ) يتناول الكاتب فيه فترة الرؤساء التالية اسماؤهم: سليمان فرنجية و الياس سركيس و بشير الجميل و امين الجميل.
يستهل الكاتب هذا الفصل بقضية الميراج على لسان العميد غابي لحود التي حاول ال"كي جي بي " خطفها من لبنان لاجراء الاختبارات عليها و معرفة نقاط ضعفها، بالاضافة الى الاستحقاق الرئاسي حيث تم انتخاب الرئيس سليمان فرنجية الذي واجهته عدة عوامل داخلية و خارجية منها ازمة المقاومة الفلسطينية في الاردن عام 1970 و انتقال العمل العسكري و السياسي للمقاومة الى لبنان، ووفاة جمال عبد الناصر مما شرع الابواب في لبنان امام جميع التيارات و الايديولوجيات و الصراعات العربية، التي وجدت في لبنان ارضًا خصبة للنزاعات كما تطرق الى الغارات الاسرائيلية على لبنان، وصولًا الى بدء الحرب اللبنانية عام 1975 و الانقسامات التي رافقت الحرب و بدء التدخل السوري، و في القسم الاخير يركز الكاتب على كتاب "لعنة وطن" لكريم بقرادوني خاصة فيما يتعلق ببدء الحرب اللبنانية و بعض الاقاويل عن الرئيس فرنجية التي تصوره ضعيفًا.
ثم ينتقل الكاتب الى انتخاب الرئيس الياس سركيس و الاهتمام العربي و السوري خصوصًا بعملية الإنتخاب، مشيرًا الى ان سورية لم ترض بغير الياس سركيس رئيسًا للبنان. وياتي بعد ذلك، دخول القوات السورية الى لبنان بموافقة الجبهة اللبنانية و رفض الحركة الوطنية لهذا التدخل كما يعيدنا الى الاحداث الدامية التي رافقت تلك الفترة.
و يبرز الكاتب في هذا الفصل مآثر و اقوال كريم بقرادوني حول هذه الفترة، و كأنه لم يوجد في الساحة اللبنانية وقتها الا بقرادوني بصفته الراعي الصالح للعلاقات اللبنانية الفلسطينية. اما الجزء المتعلق بانتخاب الرئيسين بشير و امين الجميل فكان حريّ بالمؤلف ان يضع اشارة للعودة الى "كتاب لعنة وطن" لكريم بقرادوني، اذ قام بعملية النقل دون اي مجهود، متناسيًا ان بقرادوني قام بتحوير بعض الحقائق من كتابه ليتماشى مع مواقفه المتقلبة من جبهة الى جبهة للمحافظة على موقعه كرئيس لحزب الكتائب من جهة، و الحفاظ على كرسيه في المجلس النيابي من جهة ثانية.
الفصل السادس مرحلة ما بعد الطائف
الرئيس الشهيد رينيه معوض
نستعيد بهذا القسم عهد تخلي الرئيس امين الجميل عن مسؤولياته وتسلم العماد ميشال عون رئاسة الحكومة، الكاتب يظهر عون منكبًا على ممارسة السلطة بنوع من النهم، و ممسك بزمام الأمور في المنطقة الشرقية و الحكومة و كأن الامور طبيعية جدًا. ونلمس هنا تحييز ًا واضحًا ضد احد رجالات لبنان الذي اصبح فيما بعد رمزًا من الرموز الوطنية اللبنانية، التي خطت تاريخ لبنان الجديد مع تاييده من قبل قاعدة شعبية لا يمكن لاحد ان يتغاضى عنها او تهميشها. ثم انتقل الكاتب لاحداث " حرب التحرير" في 14 اذار /مارس 1988. وذكر معاناة الشعب المسيحي في المنطقة الشرقية حتى اتفاق الطائف و الدور الرئيسي الذي لعبه الرئيس الراحل رينيه معوض، بالتحضير لاتفاق الطائف قبيل انتخابه و صولًا الى اقرار الاتفاق و انتخابه رئيسًا للجمهورية. ويعيدنا اخيرًا الى حادثة إغتيال الرئيس معوض بعد 17 يومًا من انتخابه رغم التحذيرات التي وصلته من جميع مؤيديه.
الرئيس الياس الهراوي
يصور الكاتب عملية انتخاب الرئيس الياس الهراوي بطريقة مسرحية دراماتيكية تبدأ بالتفتيش عن رئيس للجمهورية،( اي شخص شرط الموافقة السورية عليه) فينقل لنا بعض الاحاديث الدائرة بين رئيس مجلس النواب آنذاك حسين الحسيني و الوزير البير منصور حول استعراض الاسماء، و هم الياس الهراوي و جان عبيد و طارق حبشي و بيار الحلو، وبما ان السوريين كانوا راضين على الهراوي فرض على مجلس النواب وتم انتخابه رئيسًا. وتجدر الاشارة الى ان الكاتب مر مرور الكرام على الدور السياسي الاساسي والفاعل الذي قام به الشهيد رفيق الحريري في ذلك الوقت، وحصره في اطار تقديم مقر لرئيس الجمهورية الى ان تم تعيينه سنة 1992 رئيسًا للحكومة خلفًا للرئيس رشيد الصلح، ولم يتناول مسألة التمديد للرئيس الهراوي لثلاث سنوات، الا من خلال بضعة اسطر مع الاشارة الى الطلب السوري بذلك.
الرئيس إميل لحود
اما المثير في الكتاب فهو الفصل المخصص للرئيس اميل لحود فقد بدا الغزل واضحًا من خلال الانحراف عن الموضوعية الصادقة، فقد خصص تقريبًا نصف الفصل للكلام عن مآثر آل لحود قبيل و خلال ثورة الاستقلال و صورهم بانهم من بنوا لبنان الجديد. كما اصر الكاتب ان يصور الرئيس لحود بانه منزه عن الألاعيب السياسية، و لم تكن تهمه المناصب و يعود و يناقض نفسه بالكلام عن التاريخ السياسي للعائلة خاصة من جهة الوحي الاتي من سورية لتعيينه، بالاضافة الى عرض مفصل عن تاريخ العائلة المشرف مع سورية من زمن الاجداد حيث كان جده يملك معامل حرير حتى ان والده المرحوم جميل لحود دعا عام 1976 ابان انطلاق الحرب اللبنانية الى الحل بمؤازرة سورية. ومن ثم يسترسل الكاتب في الكلام عن نزاهة العسكريين في العهد الحالي متناسيًا و ربما خوفًا من الاجهزة الامنية و الرقابة، التدخلات السياسية التي قامت بها هذه الاجهزة، كما تناسى حوادث اطلاق النار من قبل الجيش اللبناني على المتظاهرين و قتلهم في اكثر من مناسبة.و لم يتطرق الكاتب الى مسالة التمديد للرئيس لحود، و الدور السوري في ذلك و ما رافقه من انقسام سياسي على الساحة اللبنانية و عريض السلم الاهلي من جراء ذلك للخطر وكأن شيئًا لم يكن في نظره.
والمعيب ان الكاتب بدل ان يخصص الخاتمة لكل الكتاب خصصها للفصل الاخير(عن الرئيس إميل لحود) و عدّد الحلقات الضعيفة للعهد و رمى مسؤوليتها على رئيس الوزراء سليم الحص. اما الاحوال الاقتصادية المتردية فرمى بثقلها على الرئيس الشهيد رفيق الحريري بطريقة غير مباشرة. وختامًا لا يمكننا ان ننكر جهد زين الدين في توثيق المعلومات الواردة،ويبقى الكتاب وسيلة سهلة لمعرفة تسلسل من حكم لبنان وكيف وصلوا إلى سدة الحكم لكن يمكننا القول إن الكتاب يصنف من الكتب السوداء التي وضعت لتسويق أفكار اهل الحكم الموالين لسورية، ونعذر الكاتب على هذا لأنه اصلا من مواليد بلدة مقنة الواقعة بالقرب من الحدود السورية، هذه البلدات التي تتآخى مع سورية، لذلك الأفضل للجيل الجديد ان يطلع على تاريخ لبنان من كتب تكون موضوعية وموثوقة اكثر.




التعليقات