بيروتمن جورج جحا:الصفحات التي زادت على 1300 صفحة توزعت على خمسة كتب "مختارات" من نتاج متعدد ملون للطيب صالح تشكل قراءة ممتعة في مجالات شتى من الاهتمامات الانسانية وتؤكد ما وصف به الروائي السوداني الشهير استنادا إلى لعبة الكريكيت بانه "اللاعب الشامل". وقد يصح القول إلى حد ما أن مجموع ما اشتملت عليه الكتب الخمسة يحمل إلى الذاكرة بعض سمات المقامات العربية من حيث كونها معرضا لمعارف شتى وكذلك من حيث كونها في جزء بارز منها تتحدث بلسان راوية يقدم للقارىء بطلا ذا شخصية مسلية متعددة الألوان. ومن الألوان التي تبدو متناقضة أحيانا وتبقى على رغم ذلك متكاملة والتي نسجت منها هذه الشخصية.. الذكاء والتفوق الحقيقي والادعاء والتظاهر بالمعرفة والنجاح من خلال عقلية تجارية تعرف من أين تؤكل الكتف.. والوقاحة والاحتيال والجرأة والفضائل والكرم ومساعدة الآخرين أهلا وأصدقاء وبالضحكة الصبيانية والرفقة المسلية في الغالب. كل ذلك يجري في شبه مقامات حديثة قد يصح وصف الواحدة منها بالمقامة "اللندنية" أو "الاوكسفوردية" حينا أو "الباريسية" أو نسبتها إلى مدن وبلدان عربية عديدة.. ومن خلال نوع غريب من "الكدية" التي يتخذ بطلها عند الطيب صالح صورة "منسي" الذي يصفه بأنه انسان نادر بصورة ما.
بلغ مجموع صفحات الكتب الخمسة 1358 صفحة من القطع الوسط. وقد أعطيت عنوانا رئيسيا واحدا هو "مختارات" مع عنوان اخر وصفي لكل واحد منها وصدرت عن دار رياض الريس للكتب والنشر. وتولى تحرير أربعة منها ابتداء من الكتاب الثاني الدكتور حسن ابشر الطيب ومحمود صالح عثمان صالح.
ولعل ما حمله غلاف كل كتاب من قول لمحمود صالح عثمان صالح ينطبق إلى حد بعيد على شخصية الطيب صالح. قال "يزعم بعض الانجليز ان مفردات لغتهم مصادرها ثلاثة.. الانجيل وشكسبير ولعبة الكريكيت. من بين مصطلحات لعبة الكريكيت (أول راوندر) وتعني اللاعب الشامل وتطلق على اللاعب المكتمل اللياقة الذي يجيد اللعب بمهارة في كل مواقع. الطيب صالح في رأيي كاتب "شامل" مكنته ثقافته العميقة والمتنوعة واطلاعه الواسع باللغتين العربية والانجليزية على علوم اللغة والفقه والفلسفة والسياسة وعلم النفس وعلم الاجناس والأدب والشعر والمسرح والاعلام.. أن يروي ويحكي ويخبر ويوصّف ويحلل ويقارن وينتقد ويترجم بأسلوب سهل عذب ينفذ إلى الوجدان والفكر كما تشهد هذه المجموعة من "مختارات من الطيب صالح".
الكتاب الأول من "مختارات" حمل عنوانا هو "منسي.. انسان نادر على طريقته". شخصية منسي تتحرك في احداث وتصرفات وأفكار منها ما هو واقعي واشخاصه حقيقيون ومنها ما هو من عمل مخيلة روائية لكن القارىء يكاد لا يعرف أين تقع الحدود بين الاثنين. وهو "عربي" يمثل نماذج كثيرة من العرب من حيث الواقع الفعلي ومن حيث الداخل "الخبيء" وكأنه أحيانا جزء من شخصية كثير من الناس بعضهم يمتلك هذا الجزء والبعض الآخر يعجز عن ان يكونه.
وصفه الطيب فيما يذكر ببعض صفات بطل "موسم الهجرة إلى الشمال" فقال عنه إنه "رجل لم يكن مهما بموازين الدنيا ولكنه كان مهما في عرف ناس قليلين مثلي قبلوه على علاته. رجل قطع رحلة الحياة القصيرة وثبا وشغل مساحة أكبر مما كان متاحا له... حمل عدة أسماء. أحمد منسي يوسف ومنسي يوسف بسطاوروس ومايكل جوزف. ومثل على مسرح الحياة عدة أدوار حمالا وممرضا ومدرسا وممثلا ومترجما وكاتبا واستاذا جامعيا ورجل أعمال ومهرجا. ولد على ملة ومات على ملة. ترك أبناء مسيحيين وارملة وابناء مسلمين."
ويمضي قائلا "حين عرفته أول مرة كان فقيرا معدما ولما مات ترك مزرعة من مئتي فدان من أجود الاراضي في جنوب انجلترا وقصرا ذا اجنحة وحمام سباحة واسطبلات خيل" وسيارات فخمة متنوعة واوصى بأن يحرق جثمانه بعد موته كما يفعل الهندوس. وقد ولد ونشأ قبطيا في بلدة "ملاوي" في عمق صعيد مصر ونشأ أقرب إلى المسلمين واعتنق الاسلام في وقت لاحق. وكان " يحب الغموض يظهر فجأة ويختفي فجأة."
عنوان الكتاب الثاني من "مختارات" هو "المضيئون كالنجوم.. من اعلام العرب والفرنجة". وفي مجال العرب يتناول الكاتب أسماء عديدة منها ما اقترن باحاديث نبوية ومنها ما خصصت له فصول كعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر. ومن الاسماء قدامى ومحدثون. اما الفرنجة فمنهم اللورد بتلر وسامويل بيبنز ومايكل ادمز ومارسيل بروست ورولان بارت وميشيل فوكو واخرون. يجول الطيب في السياسة والعلاقات بين الدول والاجتماع والتاريخ والانسانيات عامة والفن والشعر.
اما الكتاب الثالث فعنوانه يشي بما فيه وهو "للمدن تفرد وحديث/ الشرق". تكلم عن بغداد وصنعاء والرياض ومكة وجدة والمدينة وتونس والقاهرة وحلوان ودلهي وبانكوك في مزيج من المشاعر والوصف الدقيق شعوريا وماديا.. والتاريخ والتحليل في مختلف مجالاته.
والكتاب الرابع هو "للمدن تفرد وحديث/ الغرب" وفيه تحدث عن باريس واوسلو وهامبورج وميونيخ ونيويورك وواشنطن وغيرها. وفي باريس تحدث بأسلوبه الجذاب عن برج ايفل في مزيج من الشعري والتقريري والتاريخي.
أما الكتاب الخامس وعنوانه "في صحبة المتنبي ورفاقه" فمجال الفني والجمالي والنقدي الموضوعي واسع يظهر طول باع الطيب وقدرته. ومن أمثلة ذلك الكثيرة مناقشته عددا من كبار النقاد العرب والمستشرقين في موضوع ما نسب إلى ابي العلاء المعري من شرح لشعر المتنبي في مصنفين "اللامع العزيزي" و"معجز أحمد" وهل هما مصنفان ام مصنف واحد التبس أسمه على البعض. وفي الحديث عن مدينة سيدني الاسترالية في الكتاب الثالث فان الطيب وبشاعرية وسردية مؤثرتين عند الحديث عن سكان استراليا الاصليين أو "الابوروجنيز" يثير مسألة انسانية تختصر ماسي كثير من من الشعوب كالهنود الحمر والفلسطينيين. وبعد ان يورد تفاصيل تاريخية عن نشأة استراليا يقول "احتار المستوطنون الاوائل في امر "الابوروجنيز". رأوا اناسا لا يشبهون اي ناس عرفوهم من قبل أو سمعوا بهم. لم يجدوا لهم زعماء ولا معابد ولا اوثانا يعبدونها ولا "ديانة" يؤمنون بها. لم يكونوا يملكون شيئا لا بيوتا ولا مزارع ولا مقتنيات ولا أرضا. وكانوا في ترحال مستمر دون سبب واضح كأنهم يبحثون عن شىء ضاع منهم.
اتضح بعد زمن طويل ان "الابوروجنيز" يعتبرون الارض باجمعها معبدا لهم وان فيها علامات والغازا واسرارا لابد من مواصلتها باستمرار والا توقفت الحياة وان "الأرض" تناديهم وتتحدث اليهم وان لهم طرقا على وجه الارض لا يخطئونها كما يعرف الطائر المهاجر طريقه إلى السماء." ويقول أحد حكمائهم "نحن نؤمن ان الارض هي التي تملكنا... الارض ليست لنا ولكننا نحن للارض."
ويتحدث الطيب باسهاب عن معتقداتهم واساطيرهم وعاداتهم وتقاليدهم. وفي ما يشبه المعتقدات التي تتحدث عن عودة الحياة ما نقله عن شاعرهم من أن الارض تقول للبشر "لقد ذبلتم وغاصت نضارتكم. سوف اصوركم. سوف اضع طلاء جديدا عليكم فتعود اليكم نضارتكم من جديد." وفي تصوير لماسيهم ينقل عن شاعر استرالي أبيض معاصر قوله بلسان الارض الحزينة "أين راح ابنائي الابكار/ الذين اخرجتهم من رحمي/ من زمان من زمان../ لماذا لماذا يبكون...../ قل لي ماذا حدث../ انت الذي ولدت بعدهم/ بزمان بزمان/ لماذا لماذا لا أسمع/ الا صرخات ارواحهم تدوّي في الكهوف.."