قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

طارق حربي

لايمكن مساواة لحظة ارتطام رأس تمثال صدام بالأرض، بأية لحظة في التأريخ، وضاعف من مشهدية السقوط، سعة تأثير وسائل الإتصال في زماننا، فقد حبستُ الأنفاس أمام الشاشة وأنا على بعد آلاف الأميال، ففي لحظة فالتة من مدارات الزمن يركب العراقيون على رقبة (الرئيس!) ويضربونه بالنعال العراقي وتتبعثر نجوم الطغاة، ولاحتى في الأحلام!!، تلك التي- وبسهولة تامة - يُعذب من أجلها المواطن العراقيّ حتى الموت، لأنه حكى حلما رأى فيه الطاغية في وضع مشين مثلا!
سياسيا أعطى السقوط فسحة لكي يتأمل الطغاة في الشرق أنفسهم وتعاستهم، وليس تعاسة الشعوب بحكمهم القره قوشي!!، وكان أول الساقطين في حفرة صدام هو القذافي الذي جبن وهو يرى إلى مصير أكبر الجرذان ينتهي إلى حفرة، ومنحنيتين للعاصفة التي ضربت أركان النظام العربي الرسمي، أجرت مصر والسعودية بعض الإصلاحات الجزئية، وجرت انتخابات في الأراضي الفسطينية بعد موت ياسر عرفات، وأخيرا خرجت سوريا صاغرة لإرادة أمريكا والغرب بعد اتهامها بدماء رفيق الحريري.
تلك تداعيات سياسية عربية حدثت بعد زلزال السقوط، أما في العراق فقد جرت أكبر عملية ديمقراطية في منطقتنا منذ عشرات السنين وأعني الإنتخابات كجزء من العملية السياسية الهائلة، والتحولات التي لابد أن يكون أثرها بعيد المدى على الأنظمة القمعيةفيأي مكان كان.
وإذا صح أن طغيان صدام على العراقيين لايشبه أيا من الطغيانات عبر التأريخ، فإنه يصح كذلك أن الحرية المسلوبة منا نحن العراقيين، جسيمة وخسارتنا بها فادحة، فصدام لم يكتفي بتشريد العراقيين من أرضهم بل لاحقهم وقتل منهم، ووصل رعبه إلى السفارات وفرق الإغتيالات.
لقد كتبت وتحدثت بان سقوط صدام جاء متأخرا كثيرا عن موعده، وعلى أية حال فقد أفقت على السقوط بمعنى الإحيائية الجديدة التي هزت البنية العميقة للوجدان العراقي، أي إحياء الجدل العراقي بروح من الوثبة والتحدي، بين روح الشعب المختزنة عبر العقود ولحظته المتجددة بإشعاع الأمل، إنطلاق الشعب العراقي من أسره وارتهانه للماضي البعثي البغيض، كانت أولى نتائج سقوط صدام، وسنحصد نتائج مماثلة في ميدان الأدب والشعر خاصة، عندما نتأمل السقوط بوصفه
ولست بعيدا عن شعبي كما أني ولاأكتم القارىء أنني روح حاقدة على الطاغية بمرارة سنوات شبابي التي سفحها على سواتر شرق البصرة، فالحرب من ألفها إلى يائها شهدتها ولفحتني نيران مدافعها وكدت أفقد حياتي فيها فكرهتها وتمنيت لو تشتعل آبار النفط في الكويت والعراق والسعودية وإيران ويربح الناس الحياة والحب والطبيعة، يربحون
إذا كان الشعر عراقيا بامتياز، وهو كذلك، فإنه كان يمكن لوجداناتنا نحن الشعراء العراقيين أن نتقدم في الأراضي البكر، ونمنح الشعرية العربية كان يمكن أن نرود مجاهل جديدة كل الجدة ونجترح امكانيات باستمرار، بدلا من كتابة قصيدة الحرب التي تظهر من آلامنا السياسية والإنسانية

وماعدا عدد من الشعراء العراقيين المتحذلقين البعيدين عما يحدث في العراق، أولئك اللاعبون المهرة بالألفاظ وتقعيرها وزخرفتها، فإن جل مايكتب في عراق اليوم هو نصوص الحرب، لابد من الإعتراف بأن الشعراء العراقيين ماضوين في نصوصهم حتى وهم يستشرفون المستقبل، مايزال الشعراء العراقيون يلتفتون الماضي القريب ويتأملونه وأنا واحد منهم، الماضي الذي صنعه لنا الطاغية قبل سقوطه المدوي، إنني اليوم لاأستطيع كتابة نص عن المستقبل، وقبل أن اتحدث عن ذلك أقول ليس بمجهولية المصير لأن كل شيء بات واضحا بعد سقوط الصنم، اتسعت الرؤيا واتسعت معها العبارة ويمكن للشاعر العراقي أن يقول مالم يقله خلال العهد الفاشي، لكني أشير إلى الماضي بإعتباره حياة مفقودة لايمكن الفكاك من طغيان أسرها
أنا الشاعر الحزين بمقدار ماتركته في نفسي سواتر شرق البصرة، أرى أن نص مابعد السقوط ينبغي أن يكتب في عراق مابعد صدام، ينبغي أن يؤرخ له النقاد وتترسخ معالمه ويتألق فيه الشعراء بإعتباره حقبة جديدة غير مشبعة بالدم والكراهية، صحيح أنه لايمكن إزاحة المرارة من كل كلمة يكتبها، إلا أن إشعاعات الأمل في نصوصنا يجب تترسخ، يجب أن ننشد لشعبنا ووطننا الأناشيد التي تليق بهما، فقد سقط الطاغية وصلت أمي صلاة الشكر في المنفى ومن رأس العراق اهتزت الدنيا إلى أقدامي السفلى...*
من نص سقط الطاغية كتب في يوم سقوطه أي 9 نيسان 2003


ناصر الحجاج
البيئة العراقية التي تنتظر القصيدة

الحديث عن الشعر العراقي وعلاقته بالأوضاع السياسية والاجتماعية يدخل في النقد ضمن علم الاجتماع الادبي، حيث يُدرس النص الشعري ضمن بيئته. وللحديث بنظرى دخيلة بمرجعيات النص، أو مرجعيات الشاعر في كتابة النص. التي يدخل ضمنها شخصية الشاعر ومطالعاته وثقافته، عقيدته وأسلوب حياته وأخلاقه، ومن ثم مستوى لغته وغير ذلك مما يشكل النص مثل الحالة النفسية والانفعالية التي يتولد ضمنها النص. لكن أليس البيئة هي المظلة التي تشتمل على الكثير من مرجعيات النص.
البيئة تشارك في صناعة شخصية الشاعر وتحكم علاقاته مع الاشياء التي حوله، الناس، المدرسة، الخدمة العسكرية، مكان العمل والنشاط اليومي، الحكومة، وخدماتها، الاديان التي يتعبد بها المحيطون بالشاعر، عادات الناس وقيمهم، في الفردية، الاستقلالية، الراسمالية، فسحة الحرية الممنوحة من قبل السلطة السياسية الحاكمة، والسلطة الدينية ان وجدت، والاقوى من كل ذلك السلطة الاجتماعية، فللمجتمع اليد الطولى في صناعة قصائد الشاعر. نظرة المجتمع وحساباته تثقل كثيرا كاهل القصيدة.
فابتناء السلطة العراقية على أسس القومية العربية وتقديسها لرموز المسلمين السنة، صلاح الدين الأيوبي، مثلا دفعت لأن يكون النشيد الوطني (التقاء السياسي بالادبي) متضمنا على رموز سنية "وصلاح الدين غطاها رماحا"
ثم الحرب العراقية الايرانية التي دفعت شعاراتها وأموالها وسجونها الى كتابة ما سمي بأدب قادسية صدام، حيث قصائد مثل....
ولا يمكن أن يمر الناقد على المرحلة التكريتية (قياسا على المرحلة الهيلينية، او الاموية) دون أن يدرس القصائد الصدامية، فثمة نتاج غزير عن شخصية القائد وبطولاته المزعومة وانجازاته، احجم عن ذكرها الآن
السلطة الدينية حيث يروج المتدينون لقصيدة الشطرين وللغة العربية الكلاسيكية، بل ومجموعة قيمهم التي لا يمكن للشاعر المؤمن بها ان يتجاوز مفهوم حب أهل البيت وتقديس الرموز الاسلامية، حتى المشترك منها بين أبو القاسم وصدام في رمز الشهيد أو الجهاد في القصيدة.
والعراقي الذي عاش تلك البيئة، بيئة الحرب، والتقارير الحزبية، والتقية، وحكم البدو، ونقرة السلمان، والتهجير، والقتل بالكيمياوي، وسجن أبي غريب،الاهوار..... ومن ثم الكويت وقصف التحالف، الانتفاضة، الحصار ورغيف الطحين الممزوج بالجص، فدائيي صدام، قطع آذان الهاربين من الجيش، وقطع رقاب العاهرات، قتل التجار المتعاطفين مع الفقراء..... الوهابية ولحاها ومساجدها ، عزة الدوري وحلقات الدروشة، صادق الصدر وصلاة الجماعة، الحوزة الصامتة، مقتله الغامض، المعارضة وتشرذمها بين إيران والمخابرات السعودية والبريطانية والاميركية.. سقوط نظام صدام، دخول الاميركيين والبريطانيين.. الزرقاوي والقاعدة، وقطع الاعناق بعد قطع الارزاق، السيارات المفخخة، مواكب اللطم المليونية،..الفلتان الامني المقصود... الهلال الشيعي..
العراقي الذي عاش مليارات المفردات التي لا يسعها هذا الاستفتاء،.. لا تجد في قصيدته أي رمز يمكن يشعرك كقارئ انه يعيش ما يحدث للعراق..
أنا كشاعر عراقي كتبت عن كوارث قادسية صدام وقطع الآذان، وإعدام الثقافة، حتى استدعى صدام جماعته لكتابة نشيد وطني جديد، وكتبت عن التكفير والسلفية قبل أن يشعر العراقيون بكارثيتها، حتى اتهمت بالالحاد !!، وهذا ما أنادي به: أن يعيش الشاعر العراقي تحديدا ما يحل ببلاده، ان شعراء من بلدان أخرى كتبوا عن المقابر الجماعية بينما لا تجد نتاجا حقيقيا عند شعرائنا الذين هم بالآلاف. ومن الغريب حقا ان يرفض أحد الإعلاميين العراقيين إعادة نشر قصيدتي "كلاب طروادة" التي كتبتها قبل أكثر من خمس سنوات، رفضها لأنه شعر انها تستهدف المعارضة التي شاركت دخول قوى الاحتلال الى العراق..
بعد سنتين على دخول قوات التحالف الى العراق، لم أجد مؤشرات حقيقية لقصيدة أبحث عنها، قصيدة لا تحس بالحدث الكارثي، والتغييري وحسب، بل تصنع حدثا آخر..
كثيرون يتحدثون عن شاعر مشاغب، لكن أين هي القصيدة المشاغبة، للسيستاني، والاحتلال الاميركي، وهيئة علماء المسلمين السنة، للتشيع الصفوي، وللوهابية
الشاعر ليس جبانا الشاعر نبي مجنون..
ثمة شعراء يكتبون قصائدهم رغبة بعطاء السياسي، وتلك قصائد التجار
وثمة من يكتبون رهبة من بطش الدكتاتور الديني أو السياسي، وتلك قصائد العبيد
وثمة من يكتبون ضد التيار، وتلك قصائد الاحرار..لكن أين هم الشعراء الاحرار!؟


بُرهان شاوي
مليء بتنبؤات مظلمة عن مستقبل الشعر العراقي

أنا لست شاعرا محترفا ، لأني لا أحترف كتابة الشعر. فرغم أني نشرت ثمان مجموعات شعرية وترجمت أربع، فلا زلت هاويا، بمعنى إنني اكتب الشعر عندما أشعر بحاجة روحية ونفسية قصوى لذلك فقط، وهي حالات مرتبطة بالحب والعزلة ، بالوجود والعدم.

منذ سقوط الصنم الأكبر لم أكتب شعرا. بلا، لقد كتبت قصيدة واحدة قبل شهرين بعنوان(ظلال العدم)ونشرت في إيلاف.! لكني توجهت لكتابة المقال السياسي والنقدي الإجتماعي. لماذا ؟ لا أدري بالضبط، لكني أذكر قولا لأليوت ما معناه أن الشاعر حينما يفكر بالمُثل فانه يكتب نثرا وحينما يفكر بالحياة فانه يكتب شعرا.

السؤال عن تأثير سقوط نظام صدام حسين على كتابتي الشعرية أو على مفهومي الشعري وتوقعاتي للقصيدة العراقية، هو في ذاته سؤال ينزاح نحو الإجتماعي والسياسي أكثر منه نحو الجمالي. أي انه محاولة لرصد التاثير السياسي والإجتماعي على الشعر.

أعتقد ان الشعر الإجتماعي او بدقة أكبر الشعر ذو الفائدة الإجتماعية كان له دائما الحضور الأكبر في اللغة العربية. وربما يكمن سبب ذلك في محاولة الشاعر وسعية لأن تكون له فائدة إجتماعية مباشرة، أي أن يحتل دور الواعظ أو الحكيم، أو الثوري بالمعنى الرومانسي للثورة.لكن ليس دور الشاعر الحق. وأعتقد ان الشاعر الواعظ سيبقى طويلا في واجهة الثقافة العراقية. وأرجو أن لا يفهم من كلامي أنني عدو للشعر ذي الفائدة الإجتماعية ولكني أتمنى ان يكون نزوح مثل هذا الشعر نحو الدراما والمسرح، فهو المكان اللائق به. فالشعر بالنسبة لي تجربة روحية، غيبيةالى حد ما .

سقوط نظام صدام وما جرى بعده خلال هاتين السنتين كان تأثيره على منظومتي الفكرية ورؤيتي السياسية أكبر بما لايقاس من تأثيره على مفهومي الشعري. أكتشفت خديعتنا الثقافية والفكرية، أكنا نحرث في البحر ياتُرى؟ أعتقد أن نظام المقابر الجماعية سسم هواء العراق لعقود قائمة. أنى تنظر تجد الموت أمامك. الحياة القافية العراقية والعربية عموما هي موت في الحياة

تقافتنا إعلامية، صنعتها الآيديولوجيات، وقننتها في مسارب خاصة بها. شعراؤنا وكتابنا صنعتهم الماكنة الدعائية للأحزاب. نخاف غموض القصيدة. لم يعد القاريء يخاف القصيدة الغامضة فحسب وانما الشاعر أيضا، لذا فهو يهيء نفسه قبل بالبدء بالكتابة لتلبية رغبات القاريء أو المستمع.

أنا مليء بتنبؤات مظلمة عن مستقبل الشعر العراقي، والثقافة العراقية عموما. سمعت قبل أيام، من خلال شاشة قناة الفيحاء قصيدة ملحمية مهمة جدا للشاعر عريان السيد خلف باللهجة العراقية العامية، لم أسمع مثلها منذ زمن بعيد. واعتقد أن القصيدة العامية العراقية توغلت في حقول الدراما المغناطيسية ابعد بكثير من القصيدة العراقية الفصيحة، لكن طبعا عند نفر قليل من الشعراء الين يكتبون بالعامية، وهذا ذكرني بتساؤل قديم كنت قد كتبت عنه، هو ان الفن التشكيلي العراقي قد تجاوز القصيدة العراقية الحديثة بمسافات، رغم انهما تزامنا تقريبا في تمردهما الفني . وتساورني بعض الشكوك في أن الفن التشكيلي العراقي سيهبط تحت ضغط مهمة الأقتراب من الجمهور، أي ان الفنان بسبب حرية إقامة المعارض وتحت تأثير الرؤيا الإجتماعية للفن سيتجه نحو البساطة المسطحة ربما، اتمنى أن أكون مخطئا.

أعتقد أن القصيدة العامودية ستظهر الى الواجهة بقوة، وستملأ قصائد المديح والهجاء والمراثي الدينية الفضاء الأدبي لفترة ليست بالقصيرة. كما ستعلو النبرة السياسية على القصيدة الفصيحة. وفي الطرف الآخرسنقرأ أشياء أشبه الإنفجارات أو الحشرجات، وسنرى قصائد – بالونات. بينما بالكاد سنسمع النبرة الصافية. الزلزال العراقي موجاته كونية ليس من السهل أن تدركها أذن القصيدة العراقية. ربما نحتاج الى الروح الصافية كي نتستطيع رصد ذبذبات هذا الزلزال الوجودي بالنسبة للعراق كوطن، ولكن وأين هي هذه الروح الصافية بينما هواء الفاشية البعثفاشية وعفونة الآيدلوجيات المكابرة تفسد هواء العراق.

جمال مصطفى: ما قـبل وما بعـد

لم يكـن لسقـوط صدام أي أثر مباشر على مفهومي وتوجهاتي الشعرية.
القصيدة عصارة عمر ولا تستطيع اية انعطافة سياسة مهما كانت كبرى ان تغير في جوهـر تلك العصارة. اتوقع ان تفعل الحرية فعلها الأيجابي في داخل العراق على الصعيد الثقافي بشكل عام ولكن هذا لا يعني أن الشعر سيزدهر هكذا تلقائيا لأن الحرية تدق الأبواب , اشك في ذلك.
ازعم ان العراقي كائن شعري وهذا وحده كفيل بإبقاء جذوة الشعـرمتأججة يغذيها شتات العراقيين في الأرضين من جهة ومن جهة اخرى تداخل الدين في النشاط العراقي العام داخل العراق. اتوقع ان يتم استخدام القصيدة ضد العسف الديني فهي سلاح مجرب. اتحدث هنا عن القصيدة ولا اتحدث عن توجهاتها الفنية.
القصيدة العراقية بعد صدام لا تتلفت خوفا من رقـيب ولا تتملق طمعا في دراهم هذا داخل الوطن أما في الخارج الذي لم يعد منفى بل خارج فقط فلم تعد القصيدة حنينا او هجاء. القصيدة العراقية اليوم اقـل صخبا. القصيدة العراقية دوحة كبرى اصلها في العراق وفرعها الأبعد في استراليا.