هربتُ من العراق بلا حقيبة.
في كردستان، على جبل "ماوت" أعطيتُ حقيبتي لصديق سيوصلها لأمّي في بغداد، وقطعتُ حقلَ ألغامٍ أوصلني للتيه.
عرفتُ بعد سنوات أن الحقيبة وصلتْ:
طَرَقَ صديقي البابَ، خرجتْ أمي وما أن رأتْ حقيبةَ أحمد حتى جلستْ على الأرض. قال انها لم تبكِ أو تصرخ، لم تقلْ كلمة، بل ثَنَتْ ركبتيها وجلستْ أمام الباب، لم تحتملْ قدماها هذا الهواء الثقيل الذي أعلنه غيابُ ابنها، فتهاوتْ على العتبة.
قديماً، رأيت المشهدَ ذاته:
أوّلُ تابوتٍ أهدته الحربُ لحيّنا الفقيرِ وقفتْ به السيّارةُ أمامَ بيتٍ في أوّلِ الزقاق، خرجتْ الأمُّ وحين أبصرتْ العلمَ مرفرفاً على تابوت ابنها افترشتْ الأرضَ صامتةً. وجومٌ لم يدم سوى ثوانٍ قلائل تحوّل بعدها إلى عويلٍ وصرخاتٍ أفزعت الحيّ كلّه، لكنها كانتْ صرخات أخواته وزوجته لا صرخات الأمّ التي ظلت جالسة بعينين خاويتين تتطلّع إلى بناتها يمزقن ثيابهنّ ويعولن على التابوت الذي أُنزِلَ إلى الأرض.
لاقدرة لها على النهوض والكلام والفهم، ولعلّها لم تكن تبصر، لعلّ عينيها المفتوحتين تعطلتا ايضاً، وأذنيها لا تلتقطان هذه الضجيج الأسود الذي كان يدور أمام بيتها.
كأنها لم تكنْ هنا، لم تكنْ هناك، لم تكنْ في أيِّ مكان،
كانتْ في ظلّ حزنها الذي يعمي ويصمّ.
هواء الفاجعة الثقيل سمّرها على العتبة.
هذا هو الحزن كلّه: حزن العتبات التي تجلس عيها الأمهات.
أما الباكون، الصارخون حتى السماء، حتى سرير الله البعيد، فكأنهم كانوا يستمطرون الغيمَ لبكائهم، يستدعون حزناً إلى أحزانهم القليلة لتكتمل، غير واثقين من جرحهم ينادون على الفاجعة أنْ تعالي وفتّقي لنا الجراح. ضربوا صدورهم اليوم كلّه ليقولوا أن مأتمنا يلزمه ألمٌ أشدّ، وما من ألمٍ بعدُ.
غير أن العتبة تعرف
والأمّ التي على العتبة تعرف
أن حزناً نستدعيه بالنحيب حزنٌ خلّبٌ.
باطلة صرخاتنا وقبض ريحٍ.
حناجرنا تعذّبُ الهواءَ القريبَ لكنها تترك في الأرجاء العميقةِ صداها: قهقاتٍ ساخرةً منّا ومن حزننا.
لا عتبات لأحزاننا،
نحن الذين كلُّ مناحاتنا مزاميرُ مادمنا لسنا أمهاتٍ بعدُ،
نحن الخارجين من بيوت أمهاتنا بلا حقائب،
نحن الرجالَ
الرجالَ
مآتمنا أعراسٌ ما دمنا لن نكون أمهاتٍ أبداً.




التعليقات