إن الفكرة القائلة باستغناء الخطاب السينمائي عن الخطاب الروائي – بعد استقرار التقنيات الجديدة – لا يمكنها أن تسوّغ عودة السينما باستمرار لروائع القصص العالمية، بطريقة تجعلها تجتاز كل الحدود التي قيّدت الرواية سنوات طويلة لتكون ذلك الفن الأقرب إلى وجدان الجمهور. ففي الوقت الذي أنبهر المشاهدون فيه بتقنيات وموضوعات أتاحت لخيالهم حرية أكبر في التصورات الذهنية وتأمل العالم المتحول أبدا، طورت السينما احتمالات التناقض مع مسعاها ذاك. فما حققه فلم مثل ( حرب النجوم – STARS WAR ) للمخرج " جورج لوكاس" في أواسط السبعينيات لا يمكن أن يحققه أي فيلم حديث من النوع نفسه، فثمة اجتراح خيالي ومهارة تقنية كانت اليق بعصرها آنذاك، فضلا عن التخمة التي سببتها أفلام من ذلك الطراز الهوليودي دون أن تطور أي محتوى جديد أو تحظى بصفة امتياز باستثناء بعض الأفلام بالطبع.
من هنا لن يكون غريبا أن تعود " هوليود " أو غيرها من سنة لأخرى للبحث عن سيناريوهات ذات مستوى، فلا تجد مَخرَجا لها سوى الأعمال الأدبية المكتوبة التي تتميز بجاذبية كبيرة في أوساط القراء والمهتمين. وفي أحيان أخرى تحاول توظيف قدرات ومؤثرات عالية لتقديم القصص الرومانسية بشيء من الإثارة والتشويق كما حصل في الفيلم الشهير " تايتنك " الذي نال شعبية فاقت كل التصورات.
ضمن هذا المناخ الموجه لصناعة الأفلام،كان المخرج ( بيبيان كادرون ) قد قرر المغامرة مع الروائي صعب الهضم (جوزيف كونراد ) باختيار واحدة من قصصه الطويلة والرائعة هي " أيمي فوستر " التي ظهرت في مجموعة قصص " الإعصار – 1903 " ليحـوّلها إلـى فيلـم سينمائي عنوانه: " SWEPT FROM THE SEA"
وبنفس الحزم اختار المخرج " كادرون " للأدوار الرئيسية بعض الممثلين الشباب أمثال: راشيل وايز بدور أيمي وفنسنت برايز بدور" يانكو " إضافة إلى الممثلة الحائزة على الأوسكار" كاثي بيتس " بدور السيدة"وافر".
يمكن القول أن نصيب أعمال"كونراد" في السينما قليل جداً بالقياس لباقي الكتاب من جيله، ذلك للصعوبة التي ينفرد بها " كونراد " وبالأخص أعماله الكبيرة:
[ لورد جيم – قلب الظلمة - زنجي نارسيس – نوسترومو ] تجدر الإشارة إلى أن المخرج " فرانسيس فورد كوبولا " أقتبس عن رواية " قلب الظلمة " فيلمه السينمائي الشـهير " القيامة الآن ".
إن ذلك الغموض الذي يلف شخصيات " كونراد " و يؤطر مواقفها فيُعقد المغزى منها، جعله مثارا لاختلاف واضح بين النقاد الذين منهم من يجده " غير مفهوم ولا مستساغ " ومنهم من يذهب في الاتجاه المعاكس ليرى ( انه متقدم على عصره إلى حد بعيد ) على حد قول إدوارد سعيد .
أن فهم روائي بمواصفات " كونراد " إجمالا، سيحتاج إلى ثقافة عالية وتذوق رفيع ليوضع في المكان المناسب له.
فلم المخرج " كادرون " وضعَ كل ذلك جانبا ليصنع نسقا إنسانيا وجماليا عالي الجودة، محافظا في الوقت نفسه على جوهر الحكاية وتأثيرها العاطفي، ومستخدما أقصى الطاقات الأدائية لممثليه. وحتى يكون عملا مكتملا وناضجا، عمد المخرج لاختيار الأمكنة الساحرة في التصوير، فكان للبحر سطوته النافذة وتأثيره الخاص كمركز للشد والتوتر، سيما أن الفتاة " ايمي " مسكونة بهاجس البحر وهباته. وعين الصواب أن يُعد " كونراد" بنظر النقاد، افضل من كتب " أدبيات البحر ".
تدور قصة الفيلم حول حياة " ايمي فوستر " التي أودعها أهلها للعمل لدى عائلة ثرية ومتنفذة في القرية، دون أن تمكنها حياتها تلك من الارتباط الحميم مـع أفرادها أو مع بقية الناس في تلك القرية التي كانت " ايمي " بالنسبة لهم موضعا للسخرية والتهكم والاشتهاء مثل لغز عجزوا عن تفسيره فاحتقروه. وفي حياتها كانت "ايمي فوستر " فتاة بسيطة لكنها غريبة وساحرة في الوقت نفسه.
تبدأ أحداث حياتها بالنبض الفعلي لدى وصول نبأ عن سفينة غارقة تصطدم أشلاؤها بشواطئ القرية الإنكليزية. سفينة محطمة لم ينجو من ركابها سوى " يانكو " الشاب القادم من الريف الروسي والذي سيغير حياة " ايمي " فيما بعد. كان " يانكو " قد فقد وعيه أثر الحادث المروع هذا، فظن الناس أنه مجنون، لكنه أسترد وعيه وعافيته بعد أن رعته شخصية مؤثرة ومستقلة هي " د. كيندي " الذي كان بمثابة " الشخصية الساردة " في الفيلم.
عندها تنشأ علاقة حب عنيفة تجتاز كل المحرمات والتقاليد بين " ايمي ويانكو" الذي يألفها منذ اللحظات الأولى مثلما تعده هي كإحدى هبات البحر، ذلك الذي لا ينازعه أحد في حبها له. تتطور هذه العلاقة لتنتهي بالزواج الذي يتحول إلى كابوس بمرض " يانكو " وموته بعد أن تعرض لمشاكل كثيرة جعلته منبوذا من أهالي القرية. كان مـوت " يانكو " أعلانا لقدر غامض لا يرحم.
يُظهر الفيلم بوضوح بشاعة الروح المحافظة للإنكليز وتعاملهم البغيض مع " الآخر " حيث نرى في تفاصيل مختلفة كيف عزلوا " ايمي " عن مجتمعهم وحاربوها بكل الوسائل، فما كان أمامها، إلا أن وجهت حبها للبحر الذي لم يكن عشيقا كافيا لها. إن تطور أحداث الفيلم حافظ على عناصر التشويق والترقب وتنامي إيقاعه بموسيقاه الرائعة التي منحت لقطاته الكثافة الروحية الدالة، إضافة جمالية إضاءته الذكية وزوايا تصويره البليغة التي ساعدت على تجسيد الحدث المأساوي، وتجلت في المناخ الموحش والغربة الموجعة التي هيمنت على قرية ملعونة تلتهم مسراتها.
إن كُلاً من " ايمي " و " يانكو " أدركا اختلافهما عن الآخرين وغربتهما في مجتمع لا يكترث إلا للأحقاد والأوهام الساذجة. فكان لهما فرصةَ أن يتوحدا في ذات تواجه الاستلاب بالمحبة متى ما اصطدمت بعيون من زجـاج خاليـة من الرحمة جعلت " ايمي" تقول " ليانكو"في أحد مشاهد الفيلم: إنني آكل معهم وأعمل معهم، لكنني لا أعيش معهم أبدا 00 لذلك كان تمسكها عنيفا بعشيقها الغريب، وهي الفتاة غير الشرعية المحكوم عليها بخطيئة أبدية اقترفها الأب والابن مع الأم.
إن القراءة الفاحصة للغة التي يستخدمها " كونراد" فيصور بها الأشياء ويحكم عليها، تجعل من الضروري جدا ربط الأحداث بأبعادها الميتافيزيقية والأخلاقية العميقة. ربما نجح هذا الفيلم إلى حد كبير في تحمل أعباء معالجة " النص الأدبي " والتأكيد على براعة استخدام العناصر الفيلمية بمهارة شديدة خلال محاكاة " الكلمة المكتوبة " سينمائيا، أو بإيجاد المعادل الموضوعي والجمالي لها من مستودع " الصورة السينمائية ".
أما بالنسبة لنظرة تقيس الإبداع الفني من زاوية المفاضلة بين الأجناس المختلفة، فيمكن استعادة قول الناقد ( البرت فولتون ) ومفادها: " مع أن الفيلم لا يمكن أن يحاكي الرواية محاكاة تامة في مسألة الأسلوب، إلا أنه يستطيع أن يظل أمينا على الرواية من وجوه أخرى..".