قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الدورة الأولى لمهرجان دبيّ السينمائيّ الدوليّ
تهميش الطاقات المحلية، والعربية

صلاح سرميني/ دبيّ ـ الإمارات العربية المتحدة: في بعض سطوري السابقة، كتبتُ عن مشروعية إعتماد دولة (الإمارات العربية المُتحدة) على الخبرات الأجنبية لبناء المدن، والجسور، والطرق، والمُجمّعات السكنية، والتجارية،...والإستفادة من خلاصة معارفها العلمية، والتقنية،..ولكن، من الخطورة لها، ولشعبها، وللشعوب العربية المُجاورة البحث عن الأجنبيّ لتنظيم عقولنا، وأخلاقنا، وثقافتنا،..فهي مهمّة المواطن المحليّ، والعربيّ،..مهمّتنا. يمكن للأجنبيّ الإهتمام بمُجمّع تجاريّ، فندقاً ضخماً، شركةً عقارية،..ولكن، كيف نتخيّل مدير(المُجمّع الثقافيّ) في (أبو ظبي) أمريكياً؟ أو مدير (تلفزيون الشارقة) فرنسياً؟ أو مدير (جريدة البيان) سويدياً؟،....وبالمُقابل، كيف نقبل ـ ومازلنا عرباً يا جماعة ـ (نيل د ستيفنسون) القادم من صقيع كندا مديراً لمهرجان سينمائيّ دوليّ ينعقدُ في مدينة عربية؟ وأكثر من ذلك، لا يمتلك أيّ خبرات سابقة في العمل المهرجاناتيّ، والسينمائيّ على وجه الخصوص.

ياعالم، إنه لم يكن يعرف المُخرجة الإيرانية (سميرة مخمالباف)، فكيف نصدقه مديراً لمهرجان يسعى لأن يكون واحداً من أهمّ الأحداث السينمائية في المنطقة،.. ولكن، ماهي الخطورة الحالية، والمُستقبلية لهذا الإختيار؟

حسناً، تعالوا نستعرض معاً جنسيات المُدراء الحالييّن للمهرجانات السينمائية، داخل الوطن العربيّ، وخارجه، وسوف نلاحظ بأنّ (مهرجان دبيّ السينمائيّ) هو الوحيد الذي ذهب إلى أقاصي الدنيا بحثاً عن مدير أجنبيّ يفتقد الخبرة تماماً في الإختصاص الذي أُوكل إليه :

*مهرجان القاهرة السينمائيّ الدوليّ ـ شريف الشوباشي ـ مصريّ(صحفي، ومدير سابق لمكتب الأهرام في باريس).

*مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية، والقصيرة ـ علي أبو شادي ـ مصريّ(ناقد سينمائيّ، مدير الرقابة على المُصنفات الفنية، ورئيس المركز القومي للسينما).

*مهرجان الإسكندرية لأفلام الدول المُتوسطية ـ رؤوف توفيق ـ مصريّ(ناقد سينمائيّ).

*مهرجان دمشق السينمائيّ الدوليّ ـ محمد الأحمد ـ سوريّ (ناقد سينمائيّ، ومدير المؤسّسة العامة للسينما).

*أيام قرطاج السينمائية ـ كاهنة عطية ـ تونسية(مونتيرة).

*مهرجان بيروت للأفلام التسجيلية ـ محمد هاشم ـ لبناني.

*أيام بيروت السينمائية ـ هانية مروة(لبنانية) ـ إيليان الراهب/لبنانية(مخرجة).

*مهرجان البحرين للسينما العربية ـ بسام الذوادي ـ بحرينيّ(مخرج).

*مهرجان مسقط السينمائي الدوليّ ـ خالد الزدجالي ـ عُمانيّ(مخرج).

*مسابقة أفلام من الإمارات ـ مسعود أمر الله ـ إماراتيّ(مخرج).

*مهرجان الشاشة العربية المُستقلة ـ محمد مخلوف ـ ليبيّ(صحفي، وإعلامي، ومخرج).

*بينالي السينما العربية في باريس/فرنسا ـ د.ماجدة واصف ـ مصرية(ناقدة سينمائية، ومديرة قسم السينما في معهد العالم العربي بباريس).

*مهرجان الفيلم العربيّ في روتردام/هولندة ـ خالد شوكت/تونسي(صحفي، وإعلامي)، وإنتشال التميمي/عراقي(إعلامي، ومُبرمج).

*مهرجان العالم العربيّ(قسم السينما) في مونتريال/كندا ـ جوزيف نخلة ـ لبناني.

*مُلتقى أصيلة الأول لسينما جنوب/جنوب(المغرب) ـ المرحوم غسان عبد الخالق ـ لبناني(إعلامي، وناقد سينمائيّ).

*مهرجان دبيّ السينمائيّ الدوليّ ـ نيل ستيفنسون ـ كنديّ (محامي مُتدرّب، ومُتطوّع سابق في مهرجان تورونتو).

وإذا أردنا البحث عن جنسيات مُدراء المهرجانات العالمية، الصغيرة، والكبيرة، لن نجد في أيّ واحدّ منها مديراً من بلد آخر؟

وهل يمكن ـ مثلاًـ أن يكون مدير (مهرجان كان) يابانياً؟ أو مدير(مهرجان فينيسيا)هندياً؟ أو مدير (مهرجان تورونتو) نفسه إماراتياً؟..

هل حدث ذلك سابقاً، وهل نتوقع بأنّ يحدث مُستقبلاً؟.

وللأمانة المهنية، يمكن أن يتضمّن فريق عمل بعض المهرجانات الأوروبية أشخاصاً من دول مجاورة، ولكن، هل يُعتبر ذلك خروجاً عن القاعدة، أم مسألة طبيعية لمواطني(الإتحاد الأوروبيّ)، وكلنا يعرف بأنّ المخرج(جان لوك غودار)سويسريّ الجنسية، ولكنه أنجز معظم أفلامه في فرنسا، ويُعتبر جزءاً فاعلاً من تاريخ السينما الفرنسية، أكثر بكثير من السويسرية.

من جهة أخرى، لا تنحصر وظيفة المهرجانات السينمائية في ترويج المدينة إعلامياً، وسياحياً فقط، إنها مهمّة المهرجانات المُتخصّصة بهذا الغرض، ولكن، هدفها الأساسيّ هو إستقطاب الجمهور المحليّ، لتقدم له ثقافةً سينمائيةً مُغايرة عما تطرحه الصالات التجارية،، وفتح نافذة على المشهد السينمائيّ العالميّ في أجواء إحتفالية، وحميميّة، تجعله يحبّ السينما أكثر، لتصبح واحدةً من هواياته، ومشاغله، وعاداته. ومن مهامها أيضاً تقريب المتفرج من السينما، وصُناعها، وإزالة الحواجز معهم، لا إبعاده عنها، وتوسيع المسافات مع مبدعيها.

إن متابعةً واحدةً لمهرجان سينمائيّ في فرنسا(غير المهرجانات المُخصّصة حصراً للمُحترفين، مثل مهرجان كان)، سوف يتأكد لنا بأنّ الجمهور هو سيّد الموقف، وقد جاء الضيوف من أجله. وبالمُقابل، تنعقدُ المهرجانات السينمائية بهدف تسهيل اللقاءات، والحوارات بين المحترفين أنفسهم، وتنشيط الحركة السينمائية المحلية، والإقليمية، والعالمية من خلال التبادلات، والإتفاقات، والتعاون المُشترك،... ولهذا، فإن طريقة تنظيم المهرجان، وبرمجته، وأفلامه، وندواته تلعب دوراً كبيراً في علاقتها مع الجمهور من طرف، ومع المحترفين من طرف آخر.

(مهرجان كان) ـ مثلاً ـ ليس غرضه الترويج السياحيّ فقط، ولكن، إحياء المدينة خلال أيام المهرجان، وتسليط الأضواء على السينما، بكلّ ماتعنيه من نشاط إجتماعيّ، وإقتصاديّ، وثقافيّ،.. ومن خلاله تستشعر إتجاهاتها الجمالية، والفكرية، وحتى لا يصبح المهرجان البوصلة الوحيدة التي تتجه نحوها أنظار المشهد السينمائيّ الوطني، والعالمي، فقد عمدت الجمعيات الفرنسية الأهلية إلى تنشيط أكثر من 4.. مهرجان محليّ، ودوليّ، عامّ، ومتخصّص، كلّ واحد منها يُكمل الآخر في الإتجاهات، والتوجهات، ومن خلال هذا العدد الكبير، تتحقق فكرة التنوّع، والتعددية التي تحرص فرنسا على تجسيدها لحماية خصوصيتها الثقافية في مواجهة سيطرة السينما الأمريكية على السوق العالمية، ومنها الفرنسية نفسها.

(وبالمناسبة، هل من المنطقي بأن يكون مدير أيّ واحد من تلك المهرجانات أمريكياً، أو كندياً، أو حتى من جزر الواق الواق؟ ).

ويكتسبُ أيّ مهرجان سينمائيّ أهميته من خصوصيته (تنظيماً، وبرمجةً)، ويصبح مُسخاً عندما يستنسخُ ـ عن جهلّ، وقلّة خبرة ـ من المهرجانات الأخرى ـ وخاصةً الكُبرى منهاـ بدون البحث عن التميّز، والأصالة.

وقد وقع المدير الكنديّ لمهرجان دبيّ السينمائيّ الدوليّ، ومنذ دورته الأولى، في هذه الإشكالية، لجهله في تنظيم المهرجانات، والسينما بشكلّ عام، ولإعتماده الكليّ على طاقم من الموظفين إستحضرهم من كندا، و11 مُبرمجاً، أراد كلّ واحد منهم تنظيم مهرجانه الخاصّ(وفي هذه الحالة، ماذا كانت مهمته بالضبط؟ ). والأمثلة على إنعدام خبرته كثيرة جداً، منها ما تناقلته الأحاديث، ومنها ما ظهر في المهرجان نفسه. هل هناك مدير مهرجان سينمائيّ ـ محليّ، أو إقليميّ، أو دوليّ ـ لا يعرف من هي المخرجة الإيرانية (سميرة مخمالباف)؟. وهل هناك مدير مهرجان ـ محليّ، أو إقليميّ، أو دوليّ ـ يستضيف (وبأجور خيالية، يجب التحقق منها) ممثلة مسلسلات رعب لا تعرف عن السينما العربية شيئاً، وربما لم تشاهد فيلماً عربياً واحداً خلال إقامتها في دبي،...أيّ حكمة في دعوتها، وأيّ فائدة للمهرجان، وللسينما العربية، ولمدينة دبيّ نفسها؟

أو ممثلاً أفروـ أمريكياً لم يشاهد بدوره فيلماً عربياً واحداً في حياته، وغادر دبيّ تاركاً في أذهان الصحفيين، والمصورين فكرةً قميئةً عن سلوكه، وتصرفاته، وتعجرفه، وكبريائه، وربما لم تكن تعبيراً عن شخصيته الحقيقية، بل كانت تعليمات من إدارة المهرجان، وربما يكون طيباً، ومتواضعاً في مهرجانات أخرى، كما حدث معي عندما إلتقيت بممثل أفرو ـأمريكي لايقلّ شهرةً عنه، هو (داني كلوفر) في الدورة ال24 لمهرجان الفيلم في آميان/فرنسا، وكان يتجول بدون حراسة، ولولا بعض المتفرجين الذين كانوا يرغبون إلتقاط الصور معه، والحصول على توقيعه، لما إنتبهتُ لوجوده بيننا.

وحول هذه النقطة بالذات، أُذكّر المدير الكنديّ، وفريقه، بأنّ (مهرجان دبيّ) يختلف كثيراً عن (مهرجان كان) الذي يستقبل آلاف المحترفين، والمُصطافين، وهواة السينما، والفضوليين، ومن الطبيعيّ بأن تفرض إدارة المهرجان شروطاً أمنيةً خاصّة للنجوم الحاضرين، ومع ذلك، لم يصل الأمر إلى تلك الصرامة التي فرضها (مهرجان دبيّ) على نجوم لا يتجاوز عددهم أصابع الكف الواحدة. وربما تعمّد المدير الكنديّ المُبالغة في تلك التعليمات، والمُمارسات، والإحتفاليات، كي يمنح مصداقيةً لطريقته في إنفاق ميزانية المهرجان. كما تجسّدت قلة خبرتهّ بشكل واضح، وعلنيّ بنقل فريق عمل (مهرجان تورونتو السينمائيّ)، بموظفيه، وتقنيّيه، وعماله إلى دبيّ، ليُنجزوا المهرجان بميزانية أكبر بكثير من تلك المُخصّصة لمهرجان تورونتو نفسه، ولم يفكر لحظةً واحدة بالإستفادة من الخبرات المحلية، والعربية. وكيف يستفيد منها، وأنا أتوقع ـ حتى بعد تجربته الأولى ـ بأنه يجهل تماماً ضيوفه العرب الذين كانوا حاضرين في المهرجان. وفي الشهور الأولى من التحضيرات، غستعان بخبرات (محمد مخلوف)، و(مسعود أمر الله)، وبدونهما، ربما أصبح (مهرجان دبي) الأخ الصغير لـ(مهرجان تورونتو)، بدون أن يشبهه.

ومن يقرأ أسماء فريق العمل، وتخصّصاتهم، وجنسياتهم(في الصفحة 98 و99 من الكتالوغ الرسميّ) سوف يشعر بالحزن على مهرجان وليد تمنيناه كبيراً. ومن تابع المهرجان، تأكد له طريقة توظيفه للشباب الإماراتيين، والمُقيمين، وإشغالهم بمهمات فيها الكثير من الإستخفاف، والتهميش المقصود. نعم، المقصود،.. كي يبقى المدير الكنديّ، وفريق عمله لأطول فترة ممكنة، وينجزوا مهرجاناً فيه الكثير من الإبهار الشكليّ، لتبرير الملايين التي تُصرف عليه، والأجور الخيالية التي يتقاضونها. وبالنسبة لي، لقد كان (منتجع مدينة جميرا) مبهراً أكثر بكثير من كلّ المناسبات الإحتفالية التي عشتها في المهرجان. وبعيداً عن قائمة فريق العمل، ونسبة الأجانب فيها، أولئك الذين حضروا خصيصاً من كندا ـ مقارنةً مع الأسماء العربية، وتخصّصاتهم، تعالوا أشرح لكم كيف إستفادوا من الطاقات الإماراتية، أو بالأحرى كيف تمّ تهميشهم، وإبعادهم،...

بالدخول إلى (مُنتجع مدينة جُميرا) الخُرافيّ، ومن ثمّ إلى القاعة القرمزية الواقعة شمالاً من المدخل الرئيسيّ، جلست مجموعةٌ من الفتيات الإماراتيات، إنحصرت مهمتهن بتقديم الكتالوغ، والبطاقات الإحترافية لبعض الضيوف، والكثير من اللطف، والإبتسامات الخجولة،..ولا أكثر من ذلك. وصدقوني، في بعض الأحيان يقدمن ـ ببراءة ـ معلومات خاطئة.
مثلاً : هل هناك دعوة خاصّّة لحضور حفل الإفتتاح مساءً، لقد لاحظتُ حصول البعض من أصدقائي المصريين على ورقة صفراء، هل أحتاج إليها مثلهم؟ أم بإمكاني إبراز بطاقة المهرجان؟ وبعد التفتيش عن دعوة بإسمي، تلقيتُ جواباً مُتلعثماً : نعم بإمكانك حضور الإفتتاح مع بطاقة المهرجان، أما الورقة الصفراء، أو الدعوة التي حصل عليها البعض، فهي شكلية.

حسناً، لم أقتنع كثيراً بذلك الجواب، ذهبتُ إلى (المركز الإعلاميّ) في (قاعة أرينا)، وطرحتُ نفس السؤال على بعض الفتيات الإماراتيات المُتطوعات، وسمعتُ جواباً مختلفاً عن الأول، منذ تلك اللحظة، بدأتُ أتوجسّ من كلّ معلومة تصلني، فطلبتُ مقابلة أحد المُنظمين، وجاءتني (حياة بنكارا) الكندية/الجزائرية الأصل، تكلمتُ معها بفرنسية أُجيدها، وأفهمتني بضرورة الحصول على دعوة خاصّة،..

ـ حسناً، ولماذا لم تصلني حتى هذه الساعة من النهار؟

خرجت من فمها تبريرات، وتفسيرات، وحُجج، ونظام، وتنظيم، وضيوف، وأسئلة، وأجوبة، و، و، و، و،... في تلك الأثناء، كان دمّي البارد بجنسيته الفرنسية، يستعيدُ سخونته العربيّة، ويصعد إلى رأسي، وبدأتُ أنسى بأنني قادم للتوّ من باريس، وإسترجعتُ أصولي السورية، الحلبية، وبالذات، طفولتي في حارة (القصيلة) المُحاذية تماماً لحيّ (باب النيرب) الأشهر(أحد الأحياء الشعبية، وكانت تكثرُ فيه الصدامات الدموية بين العائلات المُتصارعة على السيادة، وتجارة البضائع المُهرّبة)،.... ومن قرأ الجزء الأول من تقريري(تشريحي للمهرجان) يعرف بأنني عملتُ خناقةً للحصول على دعوة (من حقي) ولم تصلني، بينما إستلمها بعض الزملاء، والأصدقاء، ليسوا أقلّ، أو أكثر مني أهميةً.

في إحدى قاعات (المركز الإعلاميّ)، وفي اليوم الأول، ومن المُفترض بأن يكون الزحام على أشدّه، كان هناك ـ وبدون مبالغة ـ حوالي عشرين فتاة إماراتية، كلّ واحدة منهن تتبارى في خدمة الضيوف، وفهمتُ سريعاً بأن أوفر على نفسي أسئلةً لن أتلقى لها أجوبةً قاطعة، فالمهمّة الأساسية لهن لاتتعدى تقديم حقيبة جلدية، وبطاقة الإعتماد، وعرفت بأنه علينا إكتشاف المهرجان، وتفاصيله (بالواحدة)، وحلّ أيّ مشكلة على الطريقة الحلبية، إن تطلّب الأمر.

أكثر من عشرين مُتطوعةُ بعباءاتهن السوداء الجميلة، والأنيقة، الواحدة تلتصق بالأخرى، يتسابقن في خدمة الضيوف الذين هجموا مرةً واحدة إلى القاعة (لاتصدقوا، هذه مزحةٌ مني، في أكثر الأيام إزدحاماً، لم يصل عددهم أكثر من خمسة، وثلاثة يقضون الوقت ذهاباً وإياباً بين القاعات، ينتظرون أحداً يعرفونه، أو معجزةً ما تحوّل هذا المكان إلى خلية نحل، كما حال مهرجانات أخرى). ومن أدمن الذهاب إلى (مهرجان كان)، يعرف الإجراءات الضرورية عند الوصول، وربما يتذكر عدد العاملين خلف مكاتبهم لخدمة الواصلين الجدد، وهم أقلّ بكثير من عدد المُتطوعات (الغلابة) في(مهرجان دبيّ).

في يوم آخر، وبعد صراخ، وهياج(باللغة العربية، والفرنسية، والإنكليزية العرجاء) كنت أطلبُ خلالها مقابلة المدير الكنديّ شخصياً(مع مترجم، وشاهد عيان)، كي أقول له في وجهه : بأنّ نظام الحصول على التذاكر المُستنسخ من مهرجان تورونتو، فيه الكثير من الجهل، والغباء بطبيعة مهرجان دبيّ، وحجمه، وضيوفه،..

بعد تلك الحادثة التي أظهرتُ فيها عصبيتي، وعدوانيتي، وشراستي، وتخلفي، وتأثري بجيران حارتي من المجرمين، والقتلة، وكنتُ أتعمد المبالغة كي يراني الفريق الكنديّ، فيتخلصوا قليلاً من برودة أعصابهم، ومشاعرهم، وصقيع ردود أفعالهم، ويحسّوا على دمهم شوية، ويستفسروا عما يحدث، ولكن لا حياة لمن تنادي، غير (حياة بنكارا) التي كانت في كل مرّة تمتصّ غضبي، بمعونة (ضحى) اليمنية، وإبتسامتها السمراء.

أقول، بعد ذلك المشهد الدراميّ العنيف(المُستوحى من برنامج هوليوود/بوليوود)، توجهتُ إلى بعض الشابات الإماراتيات كي أعتذر منهن، وأشرح بأن الأمر يتعلق بالفريق الكندي، ولا ذنب لهن في هذا التنظيم الغبيّ، وكان لابدّ من الإعتذار، كي لا يشعرن بالإحباط من أول دورة للمهرجان، ولا تترسخ في أذهانهن أفكاراً من نوع : الرجل العربيّ متخلفٌ، وعدوانيٌّ، مقارنةً مع الأجنبي الطيبُ، المُسالم،.. وبالحديث مع إحداهنّ، إستعدتُ برودة أعصابي، وإسترجعتُ دماثة أخلاقي، ولكن، سرعان ما إرتسمت على وجهي علامات التعجب، والدهشة، والإستغراب، عندما عرفتُ بأنهن طالبات في كليات التقنيات العُليا.

هذه الكليات ـ ياسادة ـ تقدم كلّ عام عشرات الخريجين، والخريجات للعمل في المجالات الإعلامية، والسمعية/البصرية، ويتحول البعض منهم/منهن إلى مخرجين، ومخرجات، شاهدتٌ تقريباً كلّ أفلامهم، وأفلامهن الدراسية، ويعضها لافتٌ للنظر. إذاً، المدير الكنديّ(أو لا أعرف من هو صاحب الفكرة، كي لا يقول البعض بأنّ هناك ثأراً بيني، وبينه) وزع مهمّات هامشية جداً، وتهميشية على عشرات سوف يصنعون المشهد السمعيّ/البصريّ في الإمارات، ودول الخليج بشكلّ عام. ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، لقد كان الإستخفاف على أشدّه، عندما شاهدتُ عشرات آخرين من الجنسين، وأعرف البعض المُتميزين منهم (أمجد أبو العلا، مثلا) إنحصرت مهماتهم بالوقوف على أبواب المداخل الرئيسية لـ(قاعة أرينا) لإستقبال الضيوف، وبهذا، يصل عدد المتطوعين إلى خمسين شخصاً من الطاقات المُعطلة(وربما أكثر بكثير، فقد قرأتُ عن 4.. شخصاً عملوا للمهرجان، بينما بلغ عدد الضيوف حوالي 4..).

والأكثر إثارةً للحنق، كان هؤلاء فرحين، ومبتهجين بمهمّاتهم البسيطة، وبدل أن ينشغلوا بمشاهدة الأفلام، وحضور الندوات، واللقاء مع الضيوف العرب، والأجانب للإستفادة من خبراتهم، تركهم المدير الكنديّ متراصّين خلف الطاولات، وأجهزة الكمبيوتر، أو في الممرات، ومداخل المبنى. ولا يمكن إعتيار تلك الخدمات (الميكانيكة) مهمّات تطوعية، إنها أعمالٌ تستحق أجراً. وكان على المدير الكنديّ، وفريقه، توزيع مهمات تدريبية حقيقية، بدل إستحضار خمسين شخصاً من كندا،..ولم يكن ينقص غير دعوة الجمهور الكنديّ نفسه، بمعاطفهم الثقيلة، وزحافاتهم. هل إختفت العمالة المحلية، والعربية، والأجنبية من كلّ أنحاء دولة (الإمارات العربية المتحدة) كي يستعين المهرجان بهواة السينما، وطلبة كليات الإعلام، والتقنيات العُليا لإنجاز أعمال مأجورة،....وببلاش. ولكن، في هذه المرّة، كان المدير الكنديّ على حق، فقد أنفق مُسبقاً ميزانية المهرجان في بنود أخرى، ولم يبقَ من العشرة ملايين، ولا حتى دولاراً واحداً لأولئك المساكين. كيف له أن يفعل ذلك، وهو محامّ متدرب، وكان متطوّعاً في (مهرجان تورونتو)، وهو نفسه بحاجة لتدريب، وكانت الدورة الأولى لمهرجان دبيّ السينمائيّ فرصةً عظيمةً له.

والأكثر خطورةً أيضاً، ذلك التبرير الذي سمعته من إحدى الشابات الإماراتيات المُتطوعات : لقد حرصت إدارة المهرجان على وضع المرأة الإماراتية في الصورة، وبهذا العدد الكبير، كي تكون واجهةً للضيوف الأجانب الذين يمتلكون أفكاراً مُسبقة عن المرأة العربية، والخليجية بشكل خاصّ، ويعتقدون بأنها حبيسة بيت عائلتها، أو زوجها، ورغبت بأن تُظهر لهم بأنها متواجدة في كلّ مكان، مثل الرجل تماماً. عذرٌ أقبح من ذنب. وأيّ فكرة غبية، وأيّ تهميش للمرأة، والرجل على السواء.

هل نحتاج إلى تبرير سلوكنا، وتصرفاتنا، وأخلاقنا، وعاداتنا، وتقاليدنا،..كي نُرضي الضيوف الأجانب، ونؤكد لهم مشاركة المرأة للرجل في كلّ مجالات العمل؟ بينما لاحظ العرب(ومعهم الأجانب) الحضور الشكليّ للمرأة، والرجل معاً في المهرجان (إدارةً، وتنظيماً)، أين الرجل الإماراتيّ أولاً، كي نتحدث عن المرأة الإماراتية، وهل ذلك الحشد من المتطوعين، والمتطوعات لأداء مهمّات هامشية، هي الصورة الأفضل التي ترغب الإمارات تقديمها للضيوف؟. بالله عليكم،..من صاحب تلك الفكرة الجهنمية؟ إذا كان المدير الكنديّ نفسه، فهو يستحق إحتجاجاً صاخباً. ولكن، ماهو أخطر من طالبات متطوعات، وحقائب جلدية، وإستقبال، وإبتسامات،..الإجابة عن أسئلة بسيطة، وجوهرية : كيف تجسّد دور المخرجين الإماراتيين في المهرجان، وأين كانوا، وماذا فعلوا؟

قبل وصولي إلى دبيّ، كنت أتوقعُ اللقاء مع أكثر من تسعين مخرجاً، ومخرجةً من الإمارات، وعشرات مثلهم من دول الخليج المُجاورة، شاهدتُ أفلامهم في الدورات الماضية لـ(مُسابقة أفلام من الإمارات) التي ينظمها (المُجمّع الثقافي) في (أبو ظبي). وكي لا أبالغ، اللقاء ـ على الأقلّ ـ مع عشرة منهم ربطتني بهم صداقات إنسانية، وإحترافية. ولكن، أين كانوا خلال المهرجان؟

في مساء اليوم الأول (6 ديسمبر2..4)، الساعة السابعة والنصف تقريباً، نصف ساعة قبل بدء عرض (الرحلة الكبرى) لمخرجه المغربيّ (إسماعيل فروخي)، فيلم إفتتاح برنامج (ليال عربية)، وكنتُ بدوري أنتظرُ دعوةً (من حقي)، ولم تصلني، وإلاّ لماذا تكبّد المهرجان بدعوتي، وتكلف كذا ألف دولار مصاريف سفري، وإقامتي، وطعامي، كي يستخسر عليّ تذكرة إفتتاح برنامج؟

لماذا بحق الله أيها المدير الكنديّ؟

في تلك اللحظات، وقبل دقائق من بداية العرض، إلتقيتُ بالمخرج الإماراتيّ (هاني الشيباني)، ومعه مخرجاً آخر(أعتقد محمد الطريفي)، كانا يستعينا بـ(مسعود أمر الله ) للحصول على تذكرتيّن لحضور الفيلم. وأنتم تعرفون بأنه بعد دخولي إلى الصالة، وجدتُ نصف مقاعدها فارغة،...والله.

وفي حفلة العشاء التي أعقبت عرض الفيلم، إلتقيتُ بـ(نواف الجناحي)، مخرج إماراتيّ لا يقلّ أهميةً عن سابقيّه، وبالحديث معه، عرفتُ بأن مجموعةً من المخرجين الإماراتيين لم يستطيعوا الدخول إلى مبنى (قاعة أرينا)، لأنهم ـ ببساطة ـ لم يحصلوا بعد على بطاقة المهرجان، وإستعانوا بالعصا السحرية التي يمتلكها صديقنا (مسعود أمر الله)، وأكثر من ذلك، فقد حضروا من المدن الأخرى إلى دبيّ، وسكنوا في فندق على حسابهم، حتى الذين شاركوا بأفلامهم القصيرة في البرنامج المُخصّص لذلك، ومن ثمّ عرفتُ بعد أيام بأنّ حصّة كلّ واحد منهم عشر تذاكر فقط،(وكانت على أيّ حال حصّة الضيوف القادمين من أقاصي الدنيا)، وهذا الشرط لم أعرفه في أيّ مهرجان حضرته منذ عشرين عاماً، ولا حتى في مهرجانات الدول الإشتراكية السابقة.

هل تصدقوا بأنّ أبرز مخرجي المشهد السمعيّ/البصريّ الإماراتيّ(ولنقل السينما الإماراتية مُستقبلاً) كانوا غائبين رسمياً عن المهرجان، وفعالياته، وحضروه على نفقتهم الخاصّة.(ماعدا المخرجة الإماراتية (نائلة الخاجة)ـ وهي أصلاً من دبيّ ـ، ولا أعرف ماهي الأسباب التي جعلتها تتمتع بميزات خاصّة، سوف نعرف المزيد عنها لاحقاُ). وهل تصدقوا بأنّ مخرجين مثل : نواف الجناحي، خالد المحمود، هاني الشيباني، وليد الشحيّ، محمد الطريفي، لمياء قرقاش، وغيرهم كانوا مُهمّشين. وأقطع أصابعي لو يعرف المدير الكنديّ واحداً منهم، ولكن، هل وصل به الإهمال إلى حدّ تجاهل المحاولات الحالية للنهوض بالمشهد السمعيّ/ البصريّ في الإمارات، وإلاّ ماهو هدف المهرجان أصلاً؟

وربما كان يعتقد بأن الإمارات تخلو من المخرجين، والمخرجات. وأنا الذي توقعتُ بأنني سوف ألتقي بمخرجي الإمارات في كلّ لحظة، كما الحال خلال إنعقاد فعاليات (مسابقة أفلام من الإمارات)، ونسهر حتى الساعات الأولى من الصباح، نتحدث سينما، ونأكل سينما، ونشرب سينما، ونمزح سينما، ونضحك سينما،..حتى نترنح من التعب، والإرهاق، فنصعد إلى غرفنا، ونندسّ في أسرّتنا، ونحلم سينما،..

ولكن، (هاني الشيباني)،..تذكروا هذا الإسم جيداً، كان يستجدي تذكرةً لمُشاهدة فيلم إفتتاح (ليال عربية)، ولا أعرف ماذا فعل لمتابعة الأفلام الأخرى، لأنني لم ألتق به بعد ذلك، إلاّ في ندوة عن السينما في الخليج، إنعقدت ضمن فعاليات (المعرض الدوليّ للكتاب) في الشارقة.

(هاني الشيباني)، هذا الذي شاهدته ينتظر للحصول على تذكرة الدخول، سوف ينهض له المدير الكنديّ إحتراماً عندما يقدمه قبل عرض فيلمه الروائيّ الأول بمناسبة الدورة القادمة لمهرجان دبيّ السينمائي الدوليّ، وإن كنتُ أتمنى بأن لا يفعل ذلك، بل يشاهد فعاليات المهرجان في بلده من خلال الفضائيات الإماراتية.

هل يريد القارئ أمثلةً أخرى عمّا حدث في كواليس المهرجان،...؟

هذه المرة، أرجو من السيد (عبد الحميد جمعة) ـ المدير التنفيذيّ لمدينة دبيّ للإعلام ـ الذي كان حاضراً بيننا ببساطته، ودماثة خلقه أكثر من المدير الكنديّ نفسه، أرجو منه بأن يستفسر عن أسباب غضب المخرجين الإماراتييّن، وبعض الضيوف، وإمتناعهم عن الذهاب إلى حفل الختام الصحراويّ،....

أمثلةٌ أخرى : هل شاهد أحدكم فيلم (إكتشاف دبيّ) للمخرجة الإماراتية (نائلة الخاجة)؟ ولماذا عُرض في برنامج( جسور التواصل الثقافيّ)، وهو من برمجة ثنائيّة (نواه كوان، والمدير الكنديّ نفسه) ـ هل تحتاج 6 أفلام إلى مُبرمجيّن؟ ـ ولم يُعرض في واحد من برنامجيّ الأفلام العربية، الطويلة، أو القصيرة؟

وماهي الأسباب التي جعلت المدير الكنديّ يقدم هذا الفيلم بالذات لمدة عشرين دقيقة، بينما لم يتجاوز تقديم (أجدع) فيلم آخر أكثر من خمس دقائق؟

وماهو تفسير إنعقاد مؤتمر صحفيّ خصيصاً لهذه المخرجة وحدها، بينما تضمّن برنامج الأفلام القصيرة( برمجة محمد مخلوف) خمسة أفلام إماراتية قصيرة لأربع مخرجين، ومخرجة، تعتبر أهم بكثير من فيلمها، وبشهادة الجميع.

هل كانت أيضاً فكرة غبية من المدير الكنديّ، إعتقاداً بأنه يقدم صورةً مُميزة لمُبدعة إماراتية، بدورها، زادت الطين بلّة عندما صرّحت للقناة الفضائية الجزائرية بأنها المخرجة المُستقلة الوحيدة في الإمارات.

نعم يا ختي؟..أيّ إهانة، وأيّ إحتقار لحوالي خمسين مخرجة إماراتية أخرى لم أسمع عنهن فقط، ولكن، شاهدتُ أفلامهن،..أيّ إهانة تلك؟

وعند هذا الحدّ، أتوقف، كي أرتاح، وأُريح القارئ، وأترك المسؤولين في دولة (الإمارات العربية المتحدة) يفكرون في كلّ جملة، وسطر، وكلمة جاءت في هذا التقرير (التشريح)، وسوف أتغاضى عن كتابة تفاصيل أخرى، مثل (النشرة الصحفية باللغة العربية، مجلة فارايتي لسان حال المهرجان، الموقع الرسميّ، بمعلوماته، وعدم إمكانية إستخدام أيّ صورة من صور الأفلام المُشاركة في البرامج المختلفة، ماعدا صور المؤتمرات الصحفية التي سبقت المهرجان، العشرة تذاكر حصّة كلّ ضيف، تجاهل فلسطين في قائمة الدول المذكورة في الموقع، وقد تمّ تصليح هذا الخطأ التقنيّ بعد مراسلات عديدة من (فيصل الحصايري) المُنتج المُشارك للفيلم الفلسطينيّ(جنين، جنين) لمخرجه (محمد بكري)، والذي عُرض في برنامج(الأفلام التسجيلية، والقصيرة).

وكي لا يعتقد أحدٌ بأنني أكتبُ إنتقادات مجانية، ولا أمتلك القدرة على تقديم أيّ إقتراح إيجابيّ،..

أقول، هل أنا مجنونٌ كي أقدم أفكاراً للمدير الكنديّ (نيل د ستيفنسون)، هديةً مجانيةً تُطيل عمره في إدارة المهرجان، وأنا الذي أتمنى بأن يكتفي بما أنجزه للدورة الأولى، ويعود سريعاً إلى بلده، ويتطوّع من جديد لخدمة (مهرجان تورونتو)،..وبالمرّة، يبقى هناك، ليستفيد الكنديون من عبقريته الفذّة.

أو على الأقلّ، تتقلّص مهماته إلى الحدّ الأقصى، وتفكر الإدارة الإماراتية بمدير(فنيّ) محليّ، أو عربيّ يستعين بمجلس إستشاريّ من المُختصين، بدون إهمال التعاون مع بعض المُبرمجين الحالييّن، وذلك كي يستعيد(مهرجان دبيّ السينمائيّ (هويته الثقافية المحلية، والعربية)، والتي لن تنفي عنه(دوليته)