فصل من رواية قيد الطبع

من موقعي ذلك فوق هضبة أبي الحسن الشاذلي كانت المدينة تظهر لي وجها بائسا وحزينا . كنت عدت أغيّر من وضع عيني على المشهد، فتطالعني القبور من جديد بيضاء راقدة في الأزل، والأشجار الخضراء يانعة تظلل القبور، يعتقد الأحياء أنهم يقون الأموات من الحر فيظللونهم بالأشجار ويعتقدون أنهم يعطشون فيصبون الماء على قبورهم لكني لا أرى حفر الماء من موقعي هذا لذلك لن تظهر في الرّسم ثمة أغنام ترعى بين القبور جديرة بالتصوير، صورة التناقض القائم بين الكائنات الحية تبحث عن الحياة بين الأموات ثمة انقلاب كان الأحياء يأكلون الأغنام فهاهي تأكلهم بعد موتهم ثمّ ذلك الراعي مختف خالف شجرة يراقب المراقب البلدي الذي يحمي القبور من وجود الحيوانات والعشاق الذين يجدون في المقبرة مكانا جيّدا للحب المسروق ومن السكارى الذي لا يتركون خلفهم إلاّ علب الجعة الفارغة كشف لي الحارس ذلك صدفة وأنا أتأمّل شجرة صنوبر ضامرة غرسها بورقيبة في الصخر في عيد الشجرة وخلدها برخامة على قمة الهضبة قال لي الحارس "كل ما زرعه الزعيم لم يكبر حتى اسمه انتهى في الوحل " لم ادفع النقاش معه إلى الأمام تبدو ملاحظته أذكى من مظهره خاصة وقد نبت قربي فجأة بدون مقدمات كأنما كان يراقبني هل كان "يقلبني على رأسي" لأقول ما يريد أن يسمع ليقوم بعمله جيّدا. تعلمت الحذر في الجامعة في التسعينات، لكثرة الوجوه التي تحضر في الفصل الدراسي لأول مرة ولا تعود إلا نادرا ولا نراها في انتظار نتائج الامتحانات وقد كان الأساتذة يختلقون فرصة المناداة ليحسبوا عدد الرؤوس مقارنة بعدد الأسماء المسجلة.
كنت أريد منظرا نابضا بالحياة يجعل المتأمل في لوحتي يحسن الحركة التي تجتاح المدينة وتكتشف له ما يعتمل في أحشائها . بناية المستشفى العسكري الشامخة تخفي المستشفى الإيطالي خلفها في الحي الذي كان حيّا إيطاليا بامتياز ومنه يقال أن الطليان هجموا على المسلمين في واقعة الجلاز وقتلوا منهم عددا و أعادته الذكرى إلى الرخامة الجديدة المنتصبة في ملتقى الأنهج بين محطة الحافلات ومحطة سيارات الأجرة والتي وضعت في شكلها العفوي أقرب ما تكون إلى الطبيعة الفجة للصخر لتخليد معركة الجلاز وشهدائها في خضم عمليات إعادة الاعتبار للنضال الوطني الذي غيبه الزعيم الأوحد لتظل صورته الواحدة تملأ الأفق وهذه الفكرة من سرحان ولا اختلف معه حولها .
وقلت بصوت مسموع فوق هضبة البلفيدير وأنا أتذكر موقفي فوق جبل الجلاز أبحث عن بداية سليمة وعبقرية، لو أعدت رسم تاريخي بعين الأستاذ سرحان لظهر لي كلّ شيء قابل للنقض والتهديم، لم يعد لي بعد لقاء الأستاذ سرحان من ثوابت اللهم الإيمان بأن كلّ شيء هنا حزين وفي حاجة إلى تغيير جذري أو على رأيه الذي يتكــرر باستمرار c'est un pays à refaire . ولكنه بماذا وكيف؟
كان لون المستشفى العسكري والحي الجامعي المجاور وبناء محطة باب عليوة وعمارات سيدي البشير الدر داء كفم عجوز، باهتة اللون كابية حزينة . وتزيد الحافلات الصفراء الخاصة بالنقل العمومي داخل المدينة ولون سيارات التاكسي الصفراء المشهد كمدا. قال لي الأستاذ سرحان مرّة "إن سيارات التاكسي في زمن الاستعمار كانت تحمل اللون الوطني الأحمر والأبيض ثمّ لما تدعم استقلالنا في التسعينات زيناها بالأصفر أسوة بنيويورك وما جاورها".
يشق كلّ المنظر الأصفر ذلك الثعبان الأخضر القادم من بن عروس أو الذاهب إليها. ملتويا بطيئا كأنه متعب من رحلة طويلة فلا يغير لونه من المنظر القاتم إلا قليلا ثمّ يعود إلى طبيعته الساكنة ثمة حركة في المحطة. أناس يذهبون وآخرون يأتون الأجسام متلاشية صغيرة مما يضاعف توقع حركتها ولكن عناصر المشهد العام متباعدة وكابية ،المترو يشق اللوحة و في خلفيته يجثم المستشفى والعمارات الإيطالية القديمة مرض وسفر حركة وسكون.
انطباع... بنهايات الأشياء أو أحاسيس مسقطة. بدأ الملل يتسرب إليّ خاصة وأن الخضرة في المشهد ستكون قليلة جدّا فالشجيرات المنسية في الأنهج لا يمكنها أن تأخذ حيزا كبيرا من الصورة وسيغلب لون المترو الخفيف ذي اللون الاصطناعي الفاقع الخضرة . فإذا وسعت المشهد إلى الغرب ظهرت عمارات سيدي البشير ذات الشرفات المظلمة، الحادة الزوايا أقصى ما يمكن من قلة الذوق المعماري وفقر الخيال الهندسي، علب كرطون موضوعة فوق بعضها بشكل سيئ ورغم ذلك تؤوي بشرا كثيرين يهمهم فقط إخفاء أجسادهم عن عوامل الطبيعة ليذهبوا إلى العمل في الغد وهذه من أفكار الأستاذ سرحان التي نتفق حولها .
وفقدت الحماس للموقع رغم الحركة الدائبة فيه إلاّ أنه ظهر لي جانبا ميتا من المدينة لا يمكن لي أن أحبه وأن أرسمه والتفت شرقا، المجال واسع والبحر يرى من خلف مخازن الوقود أشهب داكنا كأنه سبخة راكدة وأقرب من ذلك محطة سكة الحديد. تعبر القطارات الآتية والذاهبة من الناحية الجنوبية والى الجنوب عامة، يطغى لون الحديد الصدئ على المشهد.. ثمة طريق دائري تحت الجبل يجب الآنعراج منه للصعود فوق قنطرة تسمح بدخول المدينة والحوض داخل الدائرة مليئ بأعشاب داكنة مما ينبت على حواف السباخ أتخذ فيه الناس ملعبا لكرة القدم لا يمكن لأحد أن يرى في المدينة من هذه الواجهة جمالا من أي نوع ولاشك وهذا استنتاج وصلت إليه بدون الأستاذ سرحان . أن الذين بنوا المدينة لم يدخلوا الجبل في اعتبارهم كنقطة جمالية لذلك فإنه لابد أن أفهم لماذا اتخذ بجواره مقبرة فهو لا يدخل في الحياة إنها هو ملجئ عند الموت هناك علاقة بين هروب المتصوّف إلى الجبل قبل مئات السنين وبين اتخاذه مقبرة في زمن لاحق وبين إبلاء المدينة دبرها للجبل الذي كان يمكن أن يكون حديقة غناء تتوسّط بين المدينة والبحر، طاوعتني وقتها فكرة تخليد ذلك "الكبّي" في لوحة داكنة أدلل بها على بشاعة روح هذه المدينة وخلوها من الفن ، ترى لو لم يخصص المعمرون هضبة البلفيدير لتكون حديقة هل كنا نجد في هذه المدينة حديقة ! ولو لزرع شجرة يتيمة. كان يمكن لموقع الجبل ازاء المدينة أن تشكل من حوله ذراعين مفتوحين كأنما تستقبل بهما قادما عزيزا أو هلالا بكل رمزيته يتوسطه الجبل ومقام الصوفي الأشهر كنجمة خضراء. ولكن من لهذه المدينة بروح جبارة تجمعها بهويتها التاريخية ولا تجعل مكان النجمة مقبرة.
كان يمكنني أن أضرب كفا بكف وأنصرف ولكني لم أفعل لويت شفتي، وضعت يدي في جيب القميص أخذت علكة ونزعت غلافها الأزرق ولويتها بين لساني و إصبعي ثمّ مضغت بهدوء متحسسا حرارة النعناع في العلكة والتفت أجمع حقيبة أدواتي... فرأيته.
قصير القامة أميل مع ذلك إلى النحافة يلبس أثقل مما يقتضي الفضل الخريفي في أوله. مما يفقد شكله الاحترام، يلبس نظارات طبية تبدو أرق من وجهه الأشعث غير الحليق منذ يومين أو يزيد. يغلب الشيب على شعر رأسه وحاجبيه ولحيته النابتة. كان متكأ على جدار الزاوية الشاذلية يضع يدا في جيب المعطف ويمسك بالأخرى سيجارة يدخنها بنهم أو كأنه يسرع بالعودة فيخرج من انفه دخان كثيف سرعان ما يضيع في الريح . كان أوّل انطباع حصل لدي هو تذكر المخبرين الذين نراهم في المسلسلات المصرية غير أنه لم يكن يلبس جلبابا أدهم تحت المعطف.. لذلك اتجه تفكيري إلى أنه مراقب أمني، أعدت وضع حقيبتي على الأرض وأحكمت إغلاق السلسلة ثمّ رفعتها بهدوء لأراه .كان ينظر إليّ بهدوء ويتابع حركاتي لمّا التقت أعيننا حياني بهزّة يده التي تحمل السيجارة، ثمّ عدل وضع نظارتيه ،لم أرد على التحية. أنا لا أعرفه ولا يمكن أن أعرف أشخاصا من مثله. ربما يكون بعدها قد نظر في الفراغ أو غطّى خيبته إذ لم أرد على التحية . اتخذت المدرج الشديد الانحدار لأغادر إلى سيارتي .
في إحدى منعرجات المدرج نظرت خلفي كان يشرف عليّ من عل يراقب خطوي، ولم أعد أتبيّن ملامحه ولكن إشرافه من فوق السور الوطيئ أعطى لجسمه هيئة نسر سيحلق إذ فتح الريح جناحي معطفه.
سارعت خطوي ثمّ اتبعت الطريق الممهدة حتى باب المقبرة، كانت سيارتي البيجو 205 الحمراء في انتظاري، فتحت الباب، ورميت الحقيبة في الكرسي المجاور لي ثمّ شغلت المحرّك والمسجل وأطلقت موسيقى بصوت عال ودرجت السيارة حتى نزلت بها من فوق الممشى المرتفع وأطلقت لها العنان لأدور من موقعي إلى اليسار وأقارب مدرج الزاوية من جديد، واعتليت القنطرة مسرعا كأنما أهرب من شيء. وصلت أمام ثكنة الأمن العام خفضت السّرعة ثمّ أكملت شارع المنصف باي حتى آخره ثمّ نهج تركيا حتى مدخل الشارع الرئيسي، طفت حول الساعة الصندوق واتخذت شارع محمد الخامس وكانت الأرضية الأسمنتية تهز السيارة كما لو كانت تسير في مسلك فلاحي. وطاوعتني الأضواء خضراء فلم اخفض من السرعة حتى آخر الشارع عبرت ساحة باستور بعد توقف قصير وصعدت شارع يوغرطة حتى منتصفه وانفرجت يسارا لأصل إلى البيت، تركت السيارة أمام البيت ودخلت لاهثا كما لو كنت أحمل السيارة وأجري . انتبهت في ممشى الفيلا إلى أني مضطرب فعلا وبدون داع ظاهر، تشاغلت في الحديقة . كانت الخادمة قد وضعت طرف خرطوم الماء تحت شجرات الورد التي تزهر طيلة السنة وقد خفضت من حدة انسكاب الماء، انحنيت على الخرطوم ووضعته في مفترق غصنين ، ملأت كفي من الماء البارد وشربت ثمّ مسحت على وجهي وخللت شعري بأصابعي. وفيما كنت أصعد الدرج الخارجي إلى الطابق الأعلى من الفيلا تذكرت أدواتي في السيارة فعدت إليها وقد توقعت للحظة أني سأجد الرجل القديم بملابس المخبرين حولها، فضحكت من خيالي.
استلقيت في غرفتي حتّى وقت متأخر من العشية وقد أيقضني رعد خريفي قاصف لم أكن أنوي النوم، ولكنه جاء فقمت مرتاحا. نشطا، وأكلت جيّدا غداء متأخرا أو عشاء قبل أوانه ستقرعني أمي على كلّ في حال فقد كنت غير منتظم في نومي وفي غدائي وهذا يزعجها كثيرا.
تتحكم أمي في كلّ شيء يخصني، غدائي وملابسي وهواتفي خصوصا بعد عودتي من فرنسا، لقد كنت موضوع صراع بينها وبين أبي منذ الطفولة. كلّ يريد أن يصنع مني شخصا يروق له ولم أدرك عمق خلافهما حول تربيتي إلاّ متأخرا ولقد ظهر لي بعد معرفتي بالأستاذ سرحان أنهما لم يصنعا مني شخصا ذا بال.
جاءتني أمي ملتفة بشال حريري ، كان باب الغرفة مواربا . ايقضتني لادخل سيارتي إلى المرآب قبل نزول الشتاء أمي تسمي المطر شتاء حتّى هو نزل في عز الصيف. قمت مسرعا ففتحت باب المرآب وأدخلت السيارة، وفي الأمتار القليلة الفاصلة بين الباب الخارجي والباب الداخلي للبيت انهمر المطر كما لو أنه انصب كله على رأسي فدخلت مبتلا انتفض كالديك وما آلمني ذلك، ستفرض على أمي شرب "الطرنجية" الساخنة خشية الزكام وأنا لا رغبة لي فيها ولا أطيقها رغم إيمان أمي بفوائدها العجيبة.
وبت ليلتي أعد دروس طلبتي في الفنون الجميلة. بعد أسبوعين ،سأبدأ التدريس متعاقدا مع معهد الفنون الجميلة . وباتت أمي تراقبني خوف أن يصيبني زكام فيما أبي يعود من مصاغة البحيرة متأخرا، فالمراكز التجارية الحديثة لا تغلق أبوابها مع صلاة المغرب مثل المتاجر المجاورة لجامع الزيتونة حيث مع الموقع ورثت التجار احترام أوقات الصلاة وتلك تقاليد المدينة العتيقة أما المتاجر الجديدة فلها تقاليدها لكنها لا تتجاوز إلى منتصف الليل . لأن مدينة الدجاج هذه كما وجدت الأستاذ سرحان يسميها ، تنام باكرا .
في الصباح شاركت أبوي فطور الصباح ثمّ ذهبت إلى مكتبة الفنون الجميلة لمعاينة مراجع ضرورية ومع زوال اليوم الخريفي والسحب تتسابق نحو مصير مجهول قلت أعود إلى الزاوية الشاذلية وأنظر فيما يخص لوحتي. وعدت من نفس طريق الأمس فلما وصلت المقام وجدته بنفس المعطف ونفس الملابس كما لو أني نسيته بالأمس هناك لم يكن ينظر إليّ كان مشغولا عني بالنظر إلى البحر وتجاهلته، لكن لما جلست على حافة السور وبدأت وضع تخطيط مبسط وأولي على ورقة تصوير أحسسته يقف خلفي وينظر إلى ما أفعل، فلم أظهر اهتماما هكذا يفعل الفضوليون دائما ، وانهمكت في عملي ساعة أو يزيد فلما بدأت الريح تبعثر الأوراق من حولي بدأت أجمع أدواتي لأنصرف كان لا يزال يقف خلفي وينظر بصمت، نظرت إليه. فابتسم لي فابتسمت، يبدو لطيفا مقارنة بالمظهر الخارجي لصعلوك أخرج يديه من جيب المعطف كما لو أنه يهم بالمصافحة لكني انصرفت بسرعة، وعدت إلى البيت من نفس طريق الأمس، تشاغلت في العشية برسم بورتريه صديقة تتوسل إليّ ذلك منذ زمن بعيد، وكنت أتهرّب لكني بدأت أرسم عينها بأكبر مما هما في الواقع وأطيل أهدابها لكي يعجبها وجهها الذي لا تخفى كرهها له إذا اضطرت إلى غسله من الكحل و"المسخرة" ستتغير لتصير مثل صورتها وما ضير الفن أن يجامل ، إذا كان سيجعل إنسانا واحدا يحس بالرّاحة داخل جلده الضيق.
وكن أحاول وجهها ذي العينين الصغيرتين فلما أن ابتعدت عن اللوحة رأيت عيني الرّجل القديم الذي كان يراقبني في الزاوية فضحكت وحدي دون أن تنتبه أمي، ستحزن صديقتي عندما ترى وجهها لن يخفي تكثيف شعرها عينيها العاديتين .
وقضيت أياما عادية، نشيطة ولكن بلا حماس ولم تكن أيامي في مجملها مختلفة عن بعضها البعض رغم المشاغل الكثيرة التي اختلقها بعيدا عن تجارة الذهب التي يغريني بها أبي.
استقبلت بعد أسبوع أصدقاء من جامعتي الفرنسية، حيث أتقنت الرّسم، كانوا ضمن مجموعة واسعة يخططون لموضوع عالمي سموه "العالم الموازي" . يجمع من ثقافات كثيرة، صورا كثيرة لتعابير متعددة وبأدوات مختلفة حالات اندهاش الإنسان أو ذهابه إلى حالة من السكر والغيبوبة أو الحلول ، وهو لا يزال على الأرض.
وكانت خلافاتهم حول الموضوع والطرق الفنية الأنجع للتعبير عنه أكثر من أن يذوبها اجتماعهم في رحلة واحدة وكان أعجب ما فيهم اجتماعهم على كثرة الخلاف، لم أجد بغيتهم فلم يكونوا يبحثون عن السكارى. أو المساطيل. طفت بهم المدينة العتيقة حتّى وصلنا متجر أبي في سوق البركة فأدخلتهم. كان مساعد أبي هناك فقام مسلما بحرارة بالغة ثمّ غاب لحظة وعاد.. فالتحق بنا ساع وقدم لنا مبردات كثيرة، وفي غمرة الوفادة حدثته عما نبحث فكأنما فتحت له باب العرش "اليوم الجمعة ليس هناك إلا الصلاة على النبي وغدا عشية السبت، أحملكم معي إلى الزاوية الشاذلية وسترون ما يسركم" وكان كذلك.
جئت به يوم السبت معي إلى البيت فافطر وتوضأ ثمّ صلى الظهر على سجادة قدمتها له أمي فنفض عنها غبار كثيرا وظل يصلي ويعطس ويمسح أنفه بيده فلما سلّم، قمنا إلى السيارة ومررنا بأصدقائي، كانوا ينتظروننا أمام نزل" أفريكا المريديان " حيث كانوا يقيمون وانحشرنا في السيارة بأكثر مما تحتمل.
وقضينا العشية في أمسية صوفية مما لم أكن أعرف في المدينة ولا خطر لي يوما أن أعرف. لم نجد صعوبة في التسرب داخل الحضور رغم أنهم يعرفون بعضهم بعضا كان المشهد مفتوحا ولم يكن معنا نساء يثرن الشبهة.
في غمرة البخور والعرق والشطحات والآهات وجد أصدقائي بغيتهم فظلوا يتصيدون الوجوه ولم أنج مما يشاهدون كانت الوجوه هادئة قبل البدء أكثر مما يرى عليها تمتمة. وصلوات خافتة وبعض الحركات البسيطة لقوم ينتظرون حدثا . ثم تبدأ الأذكار وتختلط الأصوات وتضيع التفاصيل في البخور المتصاعد ثمّ تتضح وتأخذ الأصوات إيقاعا موحدا ثمّ ينشز أحدها ويعود .فقدنا علاقتنا بالخارج واندمجنا . لم نعد نشاهد .دخلنا المشهد .صرنا جزءا منه .وقفنا على حافة حلقة الرقص خلف حلقة الأذكار. لم نعد نرى تفصيلا بعينه، أو سحنة بعينها ولكن كنا نرى كلّ شيء تحولت الكائنات الرصينة إلى كائنات شفافة لا تنقصها إلاّ الأجنحة لتطير أو لعلها طارت ولم يبق منها إلا الأجساد تعرق وترتخي وتهمد وتئن في عالمنا الأرضي أما العالم الموازي فقد استحوذ على الأرواح بما في ذلك أرواح أصدقائي. بين سحابات البخور إذ تتجلى ترى الوجوه تتغير من الأبيض المحايد إلى الأحمر اللامع إلى الأحمر الداكن إلى السواد ثم تعود فتبيض كما لو أنها تشرف على النزع ثمّ تعود فتحمر وتشتد تعابيرها تجحظ العيون وتنعقد الحواجب ثمّ ترتخي، تنحل المناخر ثمّ تنفتح ثمّ تعود إلى حالتها الطبيعية وتنهدل الشفاه ويسيل من الأشداق اللعاب الأبيض كرغوة الصابون ويخط العرق على الوجوه خطوطا واضحة تسوّد حواشيها بسخام الشموع والبخور المحترق في سماء الغرفة الضيقة كقبو. حيث كان المتصوف الكبير يقضي لياليه يشرب القهوة ويصلي و يعلم الناس الانقطاع عن الدنيا للاقتراب من الله .
عند حد معين لم أحتمل. اختنقت .خرجت بحثا عن الهواء فيها استغرق ضيوفي يختزنون المشهد والوجوه للوحات لم ترسم بعد.
لما عدت إليهم لاستخراجهم من الجمع المتخمر رأيته، نفس الوجه، وبنفس الملامح القديمة، وبنفس اللباس، منزويا، متربعا ويضع يديه في حجره كأنه الكاتب المتربع ويتابع المشهد بعينين منتبهتين.
ورآني، فرفع يده مسلما فرددت بهز رأسي ثمّ أمام إلحاح نظراته لم تغادر ني. رفعت يدي مجيبا فابتسم لي وهمّ بالقيام فأعرضت عنه لكني أحسسته بجانبي يضع يده على مرفقي فينبهني ويمد يده مسلما. فسلمت ووجدت حرارة في شدّة يده على يدي كأن بيننا صحبة قديمة، ولم أهرب منه.
وانتظرنا أمام رغبة أصدقائي حتّى خلص المشهد الصوفي، الذي ينتظم بالمغارة كلّ يوم سبت ثمّ خرجنا فتنفسنا هواء نقيا فوق الربوة الساكنة. إلا من صافرة قطار تأتي من بعيد كان مشهد المدينة وقد أشعلت أضوائها يأخذ بالألباب .
قال لي الرجل القديم "أليس هذا هو المشهد الذي تريد أن ترسمه" وكان ذلك أوّل الحوار الذي لم ينقطع حتّى الآن بل صار صحبة
نعم تقريبا ..
ولكن المدينة في الليل لا تنبأ بشيء، فهي حقل من الأضواء المتباعدة.
"هذا يتوقف عما تريد أن ترسم فإذا كنت تريد رسم التفاصيل، فليس من هذا المكان، أما المنظر الجميل فليس أحسن من الليل يغيب التفاصيل .
ودخل أصدقائي في المحاورة فسلموا عليه وعرّفهم على نفسه.
"اسمي سرحان.. رجل تعليم" وكان وقع اسمه غريبا على أذني لم أعرف قبله شخصا واحدا بهذا الاسم.
وددت الانصراف لكن أحد أصدقائي أخذ آلة تصوير صغيرة وبدأ في التقاط صور ليلية للمدينة فشرع الرجل القديم يوجهه لهذه الناحية وتلك و الآخر يوافقه كما لو كان يرى بعينه وانشغل البقية برؤية المشهد من فوق، وقد أعطت الأضواء الليلية مقاسات مضخمة للمدينة كأنما لم يعد لها أطراف، فالأضواء، لا تنتهي في الأفق وقال ضيوفي كلاما جميلا عن المدينة سرني ففي آخر الأمر هذه مدينتي وهم ضيوفي وإن كانوا أصدقاء ولا داعي لأن يروا مساوئها وعيوبها.
كان الرجل القديم أو سرحان رجل التعليم جزء من الحوار قال لأصدقائي "الليل يخفي المآسي فلا تظهر على وجه المدينة فهي بما تشعل من أضواء تبدو ساهرة سعيدة. ولكنها في جوهرها تموت في أحزان راكدة يغيبها الليل ويعيدها النهار" فشدهم إليه.. وراق لهم الحوار ووجدت نفسي أتابع.
"يمكنني الآن أن أطوف بكم بين الأنهج لتروا دبيب قوم يخرجون في هذه الساعة يفرزون المزابل قبل رفعها علهم يفوزون بعشاء مما لم يرق لقوم آخرين.".
قلت له "يوجد من هذا في كلّ المدن حتّى في باريس". فانتقل الحوار إلى مقارنات وانخرط الجميع فيه حتّى نسينا أنفسنا جالسين على السور الأبيض الوطيئ و أنسام خريفية تهب محملة ببرد خفيف ولزج. كان الحوار يدور بفرنسية جيّدة عن أحوال المدينة ، فلزمت الحياد، وقد انخرط فيه أصدقائي بحماس .
ونحن ننحدر جميعنا من مدرج الزاوية نحو باب المقبرة وكان يتوسط أصدقائي ويحدثهم عن علاقة المدينة بالتصوف ودور المتصوفة في بناء معمارها وأساطيرها. وربطها بكل بلدان العالم الإسلامي مما لم يتيسر لي تقديمه لهم. وأحسست حرجا بالغا لجهلي بهذا الأمر ولكن وصولنا للسيارة انقذني أو توهمت فقد سأله أحد أصدقائي عن وجهته فقال "وسط العاصمة، الشارع الرئيس" فصادف هوى في نفوسهم أن يحملوه إلى حيث يسكنون وكان لهم ما أرادوا وقضينا أوّل الليل نتمشى في الشارع نستمع إلى الأستاذ سرحان، صديق الصدفة العابرة . يدخل بنا في تلافيف المدينة ويغرقنا في التفاصيل. وكان محدثا بارعا وأن طغى عليه حماس في غير محله أو هكذا خيل إليّ وقتها، شغلهم عن العشاء في النزل ثمّ دعانا جميعا إلى عشاء لا تنقصه الفخامة وتمتع أصحابي بمظاهر أخرى من سكر المدينة لم أكن اعتقد أن الأستاذ سرحان يعرف مثلها أو يمتلك القدرة عليها.
ورفض الاستدراج إلى الحديث عن نفسه، قال أنه يحب حضور المجالس الصوفية وانه يعرف مجالس أخرى أكثر إغراقا في التعبد الصوفي وأنه يزورها كلّما تيسر له ذلك وأنه مستعد لمصاحبتنا وإليها، إذا تيسّر لنا الوقت أما هو فمستعد دائما. أمام النزل افترقنا. عدت إلى سيارتي في نهج مرسيليا ومشى الأستاذ سرحان مرة أخرى في الطريق وحده إلى منزل قال انه قريب. وكان رأسي مليئا بالأحاديث والصور والتواريخ والمشاهد وفوق كلّ ذلك كانت تطغى صورة الأستاذ سرحان، المتحدث الذي لا يتوقف.. وكان عليّ قبل أن أدخل البيت أن أبرز لأمي أسباب تأخيري، وهربت من أمامها كي لا تشم رائحة الشراب. لكنها لم ترد عليّ لما قلت لها "تصبحين على خير".. وكان السؤال الذي لا يبرح ذهني، رغم مغالبتي النوم كيف يمكن لذلك الرّجل القديم المظهر أن يكون عليما بكل هذه التفاصيل؟.
في قهوة الصباح وكنت أحمل رأسي بين ويدي بعد ودوار ثقيل يثقل قدرتي على التفكير ، عاد إليّ كما لم نفترق. كانت بي غيرة على أصدقائي، فقد احتكرهم البارحة وصرت خارج الصورة، بل لقد حقرني إذ تحول إلى معلم ودليل فيما صرت جزءا من المجموعة أتابع ما يقول ، كيف فرض علينا نفسه؟ كيف دخل معنا في حديث لم ندعه له؟ وشربت قهوتي بسرعة ولم أفطر جيّدا، وصلت أمي لتبدأ حملة التقريع واللوم، فهربت مسرعا إلى سيارتي وذهبت أنتظر أصدقائي في مقهى ”الجوكندا “ مفكرا في حيل استرجع بها موقعي بين أصدقائي، ولم أكن أتوقع أن أراه معهم ثانية لكنه سبقني إليهم، انتظرهم أمام النزل كما لو كان سائق سيارة أجرة ورافقهم إلى المقهى وظلوا ينتظرونني وقوفا فالمقهى لا يضع كراسي للجلوس. ثمّ اتخذنا وجهتنا المدينة العتيقة وسار الأستاذ سرحان معنا بهدوء محايد. وتملكت زمام الحديث متمتعا بعرض مباهج مدينتي على قوم لا يعرفونها وما كنت أعرف أني أحبها إلى هذا الحد.
كان الأستاذ سرحان يرافقنا صامتا في غالب الأحيان أو يجيب على أسئلة بسيطة، وانتبهت لوجه من وجوه المدينة طالما مررت قربه ولم أره وقد ذكرني بأبي في متجر البركة. وضعته في قائمة مشاريعي بعد اللوحة البانورامية، وجه أصحاب المتاجر التي تعرض المشغولات التقليدية من نحاس وجلد وفخار وشواشي ذلك الوجه الملحاح والمتشبث بتلابيب الحريف الأجنبي إلى حد المهانة المغطاة بكره ظاهر للأجنبي السائح الصالح للابتزاز .
رأيت ذلك الطمع واللهفة والحرص الشديد على الظفر بالسائح لبيعه أي شيء بأسعار تعلن أوّلا في السّماء السابعة ثمّ تنزل الحضيض بالمماحكة والتلفيق عن نقاوة النحاس وخلوه من أخلاط الحديد وعدم إصابته بالصدأ طول الدهر وعن الجلد وصنعته الحرفية وخلوه من الكيمياء والصباغة الصناعية في حين تفوح منه رائحة الدباغة تسد الأنف وتعطي للمتجر رائحة مدبغة وعن الزرابي الصوفية وعن عدد العقدات فيها وعن البلور المنفوخ ونقاوة مادته وعن كلّ سلعة تعدد لها مزايا في نفس الوقت الذي ينزل سعرها إلى الأرض. كان ذلك الالتصاق المتسول يحرجني أمام ضيوفي، وبمجرد تدخلي بلهجتي لدى البائع ليكف عن التسول يأخذني من يدي إلى جانبه و يرشوني بلفظة اخوّة قويّة لأقف إلى جانبه "لأحشو" للسائح سلعة من أي نوع كان المهم أن لا يخرج من المتجر بيدين فارغتين وفي أحيان كثيرة لم استطع إنقاذ ضيوفي من سلع لا رغبة لهم فيها . ذلك الوجه المماحك الطماع لابد أن أخلده في لحظة لابد من التقاطها بشكل جيّد. لدي الوقت للكثير من المشاريع وسأفعلها.
في قهوة ”الشواشين“ جلسنا نستعيد أنفاسنا ونراجع مشترياتنا، جمل من الوبر الاصطناعي بسنامين مما لا وجود له في بلادنا وكسوة ختان طفل بطربوش من الورق المقوى المغلق بقماش أحمر، ومصباح نحاسي بدون لمبة.
نظر إلى الأستاذ سرحان بعمق "هل ترى ما فعلت السياحة ببني عمومتك" ونظر إلى السلع، هل هذا تراث المدينة التي تكشفها لأصدقائك.،، وكنت في حرج بالغ فقد كان على حق. وقلت لنفسي هذه على الأقل نقطة لقاء جيّدة لكني صرفت الحديث إلى شعب أخرى ونحن نرتشف القهوة العربية معطرة بماء الزهر. ونستروح بنسائم الحي المغطي من أشعة الشمس ومن ماء المطر. ومن عوامل أخرى عديدة.
واقترح الأستاذ سرحان في هدأة من الحديث أن نتغدى غداء تونسيا. فلم نعارض قادنا إلى نهج القصبة الملاصق لسوق الشواشين ودخلنا محلا ضيقا جدّا يبيع سندوتشات "الكفتاجي" وأشياء أخرى دخل الأستاذ سرحان فحياه الطباخ، "أهلا يا أستاذ" فرد عليه بحرارة صديق .كان الطباخ صغيرا جدّا كنصف إنسان صغير بشعر أشيب وبشارب رمادي كث يعطي كلّ شفته العليا. وهو منكب في ميدعته البيضاء يخلط بسكين وملعقة كبيرة مزيجا من القرع الأحمر المقلى والبيض المقلى والفلفل الأخضر المقلى ويضيف إليها بهارات لا أعرفها، فتصير خليطا برتقاليا مرقطا بالأبيض والأخضر. كان ما في الصحن منظر يشبه كلّ شيء ولا يشبه أكلا، طلب الأستاذ سرحان إضافة إصبعي مرقاز لكل صحن وضرب على كتفي الطباخ بمودة كان لهما طول واحد رغم أن الأستاذ سرحان يبدو أكثر امتلاء وانتبهت إلى أنه جاء بدون معطفه الطويل الذي كان يلبسه البارحة، تبدو ميدعته جديدة بعض الشيء وفيما كان يستلم الصحن الأوّل، كان يقول له "إن شاء الله هذا العام يكون عام النادي الإفريقي" فيرد الطباخ دون أن يرفع رأسه "أن شاء الله هذه السنة نرفع رؤوسنا، ونعفس في المكشخة ".
فيتدخل حريف آخر منكب على صحن تونسي "استني يا دجاجة" فيرد الطباخ "يزي يا رشوة، فيرد الحريف. "خانها ذراعها قالت مسحورة" وانطلق حوار رياضي حار وملغم وملغوم وانشغلنا عنه بالأكل ووجد ضيوفنا الوجبة شهية فزادوا لباب الخبز المستدير الذي يقدمه المطعم وكانوا وقوفا في زحمة الحرفاء الداخلين إلى المغسل والخارجين من المحل والذين ينتظرون دورهم للحصول على أشهى "كفتاجي" في المدينة كما أكد ذلك مضيفنا .
خارج المطعم بعد أن غسلنا أيدينا في الحوض الصغير بصابون رخو لكثرة الاستعمال وبعد أن دفع الأستاذ سرحان وقد سبقني إلى ذلك، قال لنا "هل رأيتم سرعة التخاطب الرياضي أن الحديث الوحيد الذي يمكن خوضه هنا حتى مع أناس مجهولين هو الحديث عن كرة القدم وفي السنوات الأخيرة صار هذا الحديث بدوره ملغوما فقد صار الحديث عن بعض الأندية يدخل في باب الخيانة الوطنية" ولم نستجب، فغير الحديث إلى الوجه الآخر من المدينة وقادنا إلى النادي الثقافي الطاهر الحدّاد.
قال لنا "مكان هادئ يمكن أن نرتاح فيه ونحس بالهدوء والسكينة" ولم نعارض فالمكان هادئ فعلا. وكثيرا ما ذهبت إليه أيام الجامعة لرؤية معارض رسم فتنظيمها جزء من نشاطه. عندما دلجنا من الباب الحديدي الأسود حيتنا امرأة عجوز كانت تدير المشرب الصغير قالت بصوت بدا جهوريا في هدوء المكان "كيف حالك يا أستاذ سرحان" فقال له أحد أصدقائي ألك جمهورك هنا أيضا" فابتسم لقد كنت أفكر لحظة في هذا الشخص الغريب الذي فرض نفسه صديقا عليّ وعلى أصدقائي واستطاع النفاذ إليهم بعد حديث عابر. لم أعد أغار منه ،صرت استثقل حضوره وأعد لطرده أو على الأقل إبعاد أصدقائي عنه.لم يكن من عادتي مصاحبة أشخاص لا أعرفهم. في الحقيقة لم يكن لدي أصدقاء كثر فلم اختلط بالطلبة في الجامعة إلاّ لماما والصديقات اللاتي كنا يرافقنني أحيانا كنا يرغبن في وسيلة نقل مريحة وكلما تقربت من واحدة تبين لي أنها تبحث عن اجتناب وسائل النقل العام فقد كنت من القلائل الذين يأتون الجامعة بسيارة ثمة قلة متحررات يعطين بقدر ما يأخذن ولم تكن سيارتي مرفهة جدّا لهن. وهذا موضوع آخر ربما عدت إليه.
استلقى أصدقائي على كنبات مسنودة إلى جدار حجري، وظلوا يتأملون البناء القديم و أحجار "الكذال " الضخمة التي تقيمه. ذهب الأستاذ سرحان إلى الداخل وسمعنا حديثا ثمّ جاء مع مديرة الدار فسلمت علينا وتمنت لنا مجلسا طيبا ثمّ قدمت لنا برنامج الدار خلال شهر أكتوبر. قالت بفرنسية جيّدة" الأستاذ سرحان خير من يقودكم داخل المدينة أنه لا يعرف حاضرها فقط أنه يعرف ماضيها أيضا" فزادت من إبعادي عن أصدقائي إذ قربتهم إليه أكثر... فلما أن جاءتنا العجوز بالماء البارد والقهوة العربية صار المجلس مريحا جدّا للأستاذ سرحان الذي يمكن أن يشبه كلّ شيء ولكن لا يمكن أن يكون أستاذا.
وذهب الحديث في كلّ اتجاه عدنا إلى ”الكفتاجي“ لنصل منه إلى هوية المطبخ التونسي وانفتاحه على كلّ وجبات المتوسط ولفرط انفتاحه فقد هويته. إذ يجد الإنسان كلّ شيء ليأكله ولكنه غالبا لا يجد وجبة محلية صرفة خصوصا لما أصر أحد أصدقائي أن وجبة الكسكسي مغربية وليست تونسية. وذهبنا إلى الرياضة وإلى إحراز فرنسا على كأس العالم. دافع أصدقائي على أحقيتهم وقدرتهم على الحصول على اللّقب ولو بدون لاعبين من أصل عربي وعلى خلاف المتوقع لم ير الأستاذ في ذلك مانعا.قال "أن عرب فرنسا فرنسيون، وأن العصبية لا توجه حكمه في أي مجال وأن نجاح فرد أو مجموعة لا يعود إلى أصله العرقي بقدر ما يعود إلى خصاله الشخصية".
وأحسست أنه يقصدنيّ بالذات فقد دفعت الحديث في هذا الاتجاه ولكنه رده ضدي فوضعني في زاوية عنصرية وقام بيني وبينه خصام لا يظهر للعيان ولكني بدأت أحرص على مناكفته ومخالفته خصوصا إذا فتح أصدقائي آذانهم للتعلم ثمّ خرج الحديث إلى المدينة. ومعمارها وديار المدينة العتيقة التي صارت متاحف ودور ثقافة. وكنت أدافع عن دور العائلات العريقة في حفظ المدينة وتراثها عبر منح دورهم لتكون مقرات ثقافية ونواد علمية . وكان يدافع عن التجديد بما في ذلك إلغاء الامتيازات العائلية فتساوى الأشخاص أمام القانون يفترض مساواتهم أمام المدينة والحق في المدينة هو قبل كلّ شيء إلغاء الامتيازات ، إذ هم لا يقصدون حفظ المدينة قبل حفظ أسمائهم الخاصة وإبراز تفضلهم على من جاء بعدهم فهم الأصل مهما تبدل الأشخاص ، والدولة التي ترمم المواقع مبقية على أسماء أصحابها إنما هي تقع ضحية ابتزاز رخيص يمارسه عليها أولاد العائلات فيحفظون أسمائهم مقابل أعطيات لم يعودوا هم في حاجة إليها أو قادرين على صيانتها خصوصا وأن موقعهم في المدينة في زمن توزيع غنائم الحرب قد سمح لهم بالحصة الأجزل من العطاء، فغنموا ما لم يطلبوا ووضع بين أيديهم أكثر مما يستحقون وكان يلخص عقب فقرات حديثة الذي صار سريعا كاستعراض غبي لمحفوظات قديمة "إن الحق في المدينة هو قبل كلّ شئ إلغاء الفوارق أمام القانون، أي إلغاء الأسماء".
وعندما خرجنا لاحقا للطواف في باب سويقة ذي المعمارالحديث قال الأستاذ سرحان بنبرة ساخرة "إن من وقاحة الملاك المزيفين للمدينة أن ذهبوا للقول أن تجديد هذا الجزء من المدينة وهو الأعز إلى قلوب الناس هو انتقام يهودي من تونس التي لم تكرم وفادتهم و افتكت منهم مقبرة لتحوّلها إلى حديقة ونقلت مقابرهم إلى مكان آخر " ثمّ ضحك بصوت ساخركأنما يحدث نفسه "ما أسهل ما يحول الناس أنفسهم إلى ضحايا، لتبرير خسارة ضرورية".
وبدون مقدمات كذلك طاوعتني الجملة التي قلبت مزاج الأستاذ سرحان ولم أخطط لها " فقد خرجت من مكان ما من دماغي بل انفلتت منه على وجه أصدقائي " حديثك لا يدل على أنك لا تكره العائلات فقط بل تحقد عليها وهو ما يدل على أنك لست منها، ومظهرك يدل على أنك لست من العائلات فما هو موضعك بها " ؟
فتعكر مزاجه، نظر إلي فهمت انه يريد أن يكون لا مباليا أو يحتفظ بحياده ، لكن حنقه ظهر على وجهه فرد بهدوء ولكن بعد أن انتبه أصدقائي إلى الإهانة التي وجهتها له فنظروا إلى أماكن أخرى كأنما ليتركونني في مواجهته "أنا انتمي إلى الناس الذين يعرفون بواطن الأشياء ولا يرونها من فوق بتفوق أخرق و جهل مكين محاولين رسمها بدون روح" .
وكانت هذه الجملة التي غيرت مجرى حياتي.
عشيتها ... فسد الحديث، فعدنا بهدوء عبر "الحفصية" إلى وسط المدينة الفرنسية قال الأستاذ سرحان جملة واحدة مشيرا إلى أكداس الملابس القديمة" انظروا ماذا قدم لنا نصف قرن من الاستقلال" وعبر الأسواق المغطاة قادنا صامتا أو سرنا خلفه بهدوء. سمح لأصدقائي بتأمل السلع المعروضة وان لم ينخدعوا بنداءات الشراء، فلما أن خرجنا قرب باب البحر وتنفس أصدقائي هواء المدينة الأوروبية مد لنا يده مودعا بصفة فجائية، لم يترك لنا فرصة للحديث، قال أن لديه مهام سينجزها ثمّ ذهب كأنما يهرب، بعد أن قال لي بلهجة فهمتها تهديدا ولم أرد عليها فقد هرب "العالم صغير جدّا وسنلتقي".
وأمام تقريع أصدقائي على الإهانة التي سببتها له، لم أجد جوابا مقنعا "قلت لهم إنه يدعى ما لا يعرف ويتعالم علينا، كلّ حديثه هو إخفاء لحسده الطبقي على الناس الذين بنوا هذه المدينة و أعطوها تاريخها" . ولم أكن مقنعا. فقد برد الحديث وعاد الأستاذ سرحان إلى حديثنا في الغد وقد دعوت أصدقائي إلى مدينة الحمامات لقضاء يوم ممتع. فافتقدوا حديثه كما لو أني لم أكن معهم. واكتشفوا أنهم لم يحتفظوا منه بعنوان أو هاتف وعاد في اليوم الموالي وأنا أودعهم في المطار قال لي "فانسان" إذا لاقيت الأستاذ سرحان ثانية فاحفظ لي عنوانه، مازلت لدي بقية حديث معه".
فلما أن أقلعوا تنفست، اختفى الأستاذ سرحان من حياتي إلى الأبد أو توهمت أو تمنيته ذلك .

هبت نسائم باردة على هضبة البلفيدير، مكاننا المرتفع يجعل الطقس أشد برودة. مع هروب أشعة الشمس رأيت نبيل يلف يديه حول ركبتيه ويجلس ناظرا أمامه . نظرة فارغة أعدت مهاتفة حياة قالت أنها في الطريق إليّ، كان الوقت غروبا أو يكاد. الجانب الذي يبرز لي من المدينة من هنا يلقي بعضه على بعض ظلال طويلة فيما عدى الطوابق العليا من عمارات لافيات الجديدة حيث ديوان التجارة ووكالة النهوض بالصناعة ونزل ابن خلدون وعمارات أخرى بدأت تنهض على أنقاض الحي الأوروبي الذي لا يزال يحمل اسمه الفرنسي إلى جانب حي بورجل، أو "مونت بلازير" حي غريب يذكر في نهوضه بمدن النفط المرتبة بعناية كرقعة شطرنج خالية من القطع كان حيا مزبلة تحشر فيه عروش ماجر وأولاد عيار وكان يحمل اسم بورجل فيما سمته البلدية الفرنسية هضبة السعادة بيعت ديار الفقراء منه ونهضت العمارات الحديثة استعاد الاسم الفرنسي واختفى اسم "بورجل" .
ألبست نبيل ميدعة فلفها حول نصفه دون أن يغلق أزرارها وظل واقفا ينظر إلي أجمع الفراش وألفه وأنزل تحت قدميه أربط خيوط حذائه وأكلمه في غير موضوع فيتجاوب بهز رأسه.
عاد لي الأستاذ سرحان، هل ندركه قبل الكارثة.
هل ستأتي حياة ؟
نعم ستأتي الآن
وبابا سرحان؟
بابا سرحان في البيت
ماذا يفعل؟
أنه يعد العشاء لك ولحياة ؟
لم أجد جملا مطولة لإشعاله، لو قبض على الأستاذ سرحان فتضطر حياة إلى إعادة ترتيب وقتها للعناية بنبيل والأستاذ سرحان وعملها. أنا بدوري سأضطر إلى أعمال إضافية تزيد من انشغالي عما نويت .
لو قبض عليه، هل يصبر ذلك الجسد المريض النحيل ويتحمّل السجن وما يروى عنه من فضاعات.
لقد رتبنا أيامنا الأخيرة على الأستاذ سرحان في الوسط ونحن نطوف حوله ونعود إليه. فهو كمحور الدائرة بل نقطة وسطها وكل العمل الذي رتبناه يقوم على دور الأستاذ سرحان المركزي. فإذا خرج من التركيبة فستتهدم وربما لن نكون قادرين على بنائها ثانية. وبدأت أرى نبيل عبئا لا قبل لنا به، هل كان والداي على حق، هل أنا أقل من تحمل المسؤولية. عملية إنقاذ نبيل من الضياع لا تحتمل عملا متهوّرا مثلما سيقدم عليه الأستاذ سرحان مهما كانت الأسباب التي دفعت إليه .
التأني والتثبت ووزن الأقوال والأفعال بميزان سليم هو ما نحتاج إليه الآن، لا مجال للتهوّر لن يكون أوّل صيد ولا آخره كيف تغيب عنه الخطورة الكامنة في فكرته المتهورة.
كنت استعد لمهاتفة حياة ثالثة و أفكر لماذا تفسد سيارتي عندما أكون محتاجا إليها ، عندما ”فرملت“ بجانبنا في الطريق الملتوية التي تشق أعلى هضبة البلفيدير، نزلت مسرعة تسألني عن سبب الاستعجال في طلبها. وانطلق نبيل فارتمى في أحضانها فقبلت خده، فاستكان إليها، وضعت الفراش المطوي تحت إبطي وسلة الأكل بيدي الأخرى فسبقتني إلى مخزن السيارة الخلفي وفتحته فرميت فيه بما لدي وأغلقت الباب ، ثمّ اتخذت مجلسا خلف المقود وفتحت لنا البابين المجاورين من الداخل فأركبت نبيل المقعد الخلفي و أحكمت غلق الباب ثمّ ركبت بجانبها كانت أسئلتها لا تزال معلقة في انتظار إجابتي قلت لها "إذا لم ندرك الأستاذ سرحان، فسينفذ مشروعه، وأردت أن أقول الغبي ولكني أحجمت. فصمت لحظة ، فإذا فعلها اضر بنفسه وبنا " لم تفهم التفاصيل فردت "تذكرين رسالة الاعتذار التي كتبها في الليالي الفارطة" نعم أذكر ذلك" لقد قرر هذا الصباح أن يطبعها على الآلة الكاتبة وقد فعل، وهاهي نسخة أعطانيها عند الغداء عندما ذهبت لزيارته ورؤية نبيل وقد قال أنه ينوي نسخها في أعداد وفيرة وتوزيعها على الناس وكنت أنوي منعه لكني لم أخذ ذلك مأخذ الجدّ فلم نكمل خاصة وقد أصر نبيل على أن أخذه معي للبلفيدير وكما ترين عندما جئت هنا واستعدت الأمر تبين لي خطورة ما يمكن أن يقدم عليه، أنت تعرفين خطورة توزيع مناشير بدون رخصة قانونية فضلا عن مضمون ما كتبه مما لا يقبله العقل .
ضحكت حياة ثمّ ضحكت أكثر وبقوة أنت لم تفهم بعد الأستاذ سرحان أو أنك لا تعرفه بالدقة الكافية، أنه أعقل من أن يرتكب مثل هذه الحماقة خصوصا بعد أن صار وليا ومربيا لنبيل. قال نبيل في المقعد الخلفي " بابا سرحان.. هل هو مريض" . لم نرد عليه ،ولكن حياة عادت تطمئنني على مصيره موجهة الكلام بصفة الجمع. "لا تخافوا.. لا ينال سرحان إلاّ كلّ خير أنه رجل ذكي جدّا ولا يرتكب حماقات من هذا النوع وإن كانت عواطفه أقوى من عقله دائما". ودخلنا في دوّامة النقل المزدحم لم يعد كلّ الموظفين بعد إلى بيوتهم. في مدينة الدجاج كما يسميها الأستاذ سرحان وتحايلت حياة لتخرج من أنهج جانبية ثمّ تعود من أخرى حتّى وصلنا مسكن الأستاذ سرحان في نهج أم كلثوم، صعدنا المدرج وفتحنا الباب، كنت مستعجلا وكانت حياة"مطمئنة" وكان نبيل في وعيه الخاص بالأشياء غير منفعل أو مشارك. كان الأستاذ سرحان هناك في المطبخ يشرب قهوة ويقضم أظافره وقام، اعترض نبيل فأخذه بين أحضانه، كان المحضون أطول من الحاضن رغم فرق السنّ، أجلسه بجانبه وأخرج له من جيبه شكلاطة محلية ، فبدأت حياة تحتج على ذلك عرجت على موضوع المنشور، فلفت الأستاذ انتباهنا إلى علبة الكرطون في الزاوية، فقمت إليها وفتحت الغطاء.
كنت النسخ هناك .مئات من النسخ، مرتبّة بعناية ومشدودة بأربطة مطاطية ملوّنة سينفذ الرّجل تهديده، لم أجد لفظا مناسبا للكلام ،فسكت. أقول من حسن الحظ أنه لم يفعل قبل أن ندركه فنمنعه أو أقول "أنه مصمم على ما نوى، فكيف أفعل، نظرات حياة كانت محرجة مرتبكة وحائرة، سكت كلانا مرغما .هل أن ما بيننا من الصحبة يسمح لنا بأن نتلف المناشير برغم اجتهاده في طبعها ونسخها؟ لما طلب منه نبيل الحصول على قطعة شكلاطة إضافية وهمّ الأستاذ سرحان بإعطائه واحدة أخرى انفجرت حياة صائحة في وجهه بعد أن تركت "جزوة" القهوة على النار "أنت لا تحسن تربية الأطفال، قلت لك ألف مرّة لا تكثر له من الحلويات أن وزنه يفسد مع كلّ قطعة شكلاطة، أنت تفسد نظامه الغذائي، أنت مفسد ولست مصلحا" وتوقفت الأنفاس ما كان يعتقد أن تدمغه بتلك الجملة.. وأنا نفسي لم أتوقعها، فركب ابتسامة صفراء على وجهه وظل فنجان القهوة معلقا بين يديه لا يصل إلى فمه ولا يعود إلى الطاولة وظل الطفل الكبير يصرف نظره بينهما مستنجدا، وحائرا فيما حياة واقفة فوق رأسه خرساء لا يطاوعها الكلام لتدمغه بجملة أخرى ولا يعود إليها لسانها لتعتذر، و أنقذتها القهوة إذ فاضت فوق الموقد الغازي، فأنتبهت واستدارت مسرعة لتنقذها، وفي سرعة التفاتها ومحاولتها لامساك بمقبض "الجزوة" الساخن، انقلبت من يدها على الغاز واندلقت فأطفأت النار في الموقد فصاحت حياة بكلام بذيء وسباب فرمتها على الأرض فانتشرت بقية القهوة على الأرض وعلى قدميها فلدغتها الحرارة فقفزت مولية ثمّ خرجت مسرعة من المطبخ لتذهب إلى غرفتها، بعد لحظات قليلة وصلنا صوت بكائها المخنوق، فيما كانت أمسح القهوة المسكوبة على الأرضية وأعصر الاسفنجة تحت الحنفية وأعيد ذلك بحركة آلية خالية من المعنى وفيما الأستاذ سرحان واجم وقد وضع فنجان قهوته على الطاولة ووضع أصابعه القصيرة في شعر الفتى نبيل، يلامس رأسه فيطمئن إليه الفتى ويدس رأسه بين يديه.
كنت أسأل نفسي" هل بالغنا في الخوف على الأستاذ سرحان أم أنه مقدم على خطر حقيقي"؟ ولم أحر جوابا جاءت حياة في نفس الحالة الثائرة التي ذهبت بها كانت عيناها حمراوان من البكاء المخنوق، وقفت إلى باب المطبخ "لم يعد من حقك أن تفعل بنفسك ما تشاء، لقد بنيت أسرة لا بد لك من رعايتها... إذا كنت قادرة على تدبير أمري من دونك فمن لنبيل"؟
نحن نفكر في اتجاه واحد ولم يشارك الأستاذ في الحوار. ترك لثورة حياة ان تصل مداها. وزدت عليها بعض الجمل التي لم تخفف عن الأستاذ فنظر إليّ خائبا. وختم الحديث "لن يكون هناك مكروه البتة. لن أترككم تتألمون لغيابي" لكن هدوءه وتراجعه أشعل غضب حياة صار لديها ميل للعراك" كانت تود أن لا يعتذر فتندفع إلى تمزيق المناشير لكنه اعتذر فأسقط في يدها إذ أفقدها سبب الغضب وترك لها قول ما تريد فيما يوليها ظهره ليعد لها قهوة أخرى قالت له "لقد قطعنا كلّ الحبال التي تربطنا بالآخرين لنظل لك ومعك ثمّ أشركتنا في تربية طفل لم يعد له ملاذ غيرنا ثمّ صار بيتك هو المكان الوحيد الذي نرتاح فيه ثمّ تذهب رغم ذلك لتلقي بنفسك طائعا في غابة الضباع ألا ترى أن هذه أنانية لا حدّ لها. ومن أجل ماذا ومن ! أنت لست مسؤولا عما حدث، الكل شارك في لعبة الاستغباء هذه وكلّ قطف من ثمارها ما أراد، فكيف تعتذر منهم عن جريمة ارتكبوها أليس الأجدر منهم أن يأتوا جميعهم للاعتذار إليك أنت الذي لم تشارك في المهزلة " .
فيما كان يعد لها فنجان القهوة ويغمز لها أن تجلس إليه كنت أبتسم إعجابا فما كنت أظنها قادرة على مثل هذا القول الفصيح، شربت قهوة ساخنة، قام سرحان فقبل رأسها وفيما هو ينصرف إلى غرفته "لن أترككم وحدكم، لن أذهب إلى الجحيم ولا إلى الجنة أنا هنا بعد.. بعد قليل نذهب لنتناول عشاء في الشارع الرئيس فلا رغبة لي في الطبخ" وهدأت الخواطر شيئا فشيئا. وفيما كان نبيل يلتحق بغرفة الأستاذ سرحان، طفت خلف حياة . وضعت يدي خلف عنقها، ثمّ أدرت رأسها إلي وقبلت أعلى خدها "ما كنت أظنك خطيبة فصيحة إلى هذا الحدّ" "أن ما يقوم به ينطق الحجر الأخرس، كنت عائدة معك وأسخر من خوفك عليه، لم أكن أتوقع أن يذهب فعلا وراء أفكاره لكني لما رأيت المناشير فقدت عقلي" . ثم وهي ترتشف الرشفة الأخيرة من قهوتها "لقد ندمت على الانقطاع عن التدخين هذا وقت السيجارة ولكن..." ثمّ صمتت ريثما جمعت الفناجين تحت المغسل و غسلت أطراف أصابعها "ألا ترى أن غيابه احتمال قادم. فكيف نفعل في غيابه" ولم أجد على هذا السؤال إجابة فالمسألة لا تزال مفتوحة على احتمالات كثيرة ومتنوّعة.
عشاء وأنا أودع ثلاثتهم على باب محل البتزا في شارع باريس . كنت أرى الانسجام الكبير بينهم لم يكونوا متشابهين البتة رجل قصير القامة أشيب محسن الهندام وفتاة في ريعان شبابها ليست قصيرة ولا هيفاء ممتلئة في غير غلظة، مصففة الشعر بعناية ، والفتى نبيل يمسك بيد أحدهما دائما ويسير في هدوئه التابع جميلا ووسيما وممتلئا ولكنه صموت كما لو أنه ينسى لسانه في البيت. ما الذي جمعهم إلى بعضهم وما الذي يجمعني بهم وأين نحن ذاهبون. للأسئلة بداية ولكن يحتفظ الغيب بالإجابات الأهم بعد ما كشفت لنا الأحداث الصغيرة والتافهة في آن كم نحن بلا وزن في سياق اعتقدنا للحظة إننا نملك ناصيته ونقوده الى حيث نريد .

وبت مع الأستاذ سرحان استعيد رحلة التعارف الأولى التي أوصلتني إلى هذه العشية المليئة بالعواطف والدموع والخوف من المستقبل، والعزم عليه رغم الكارثة.


******


تلك العشية العادية في يوم يشبه بقية الأيام ، في قاعة الأخبار، لقد وضعت كلّ شيء في سياقه الراهن.
كنت مستغرقا أتأمل الصور الشمسية لمصوّر يصرّ على