قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ترجمها عن الالمانية منير العبيدي

هذه قصة قصيرة مترجمة عن الالمانية، لاحد كتاب القصة القصيرة المعروفين والذي عاش في ما كان يعرف آنذاك بـ (المانيا الديمقراطية)، وهذه القصة القصيرة هي واحدة من خمسين قصة قصيرة المانية صدرت ضمن مجموعة سميت "زمن الحكايات" عن دار ريكلام للنشر في شتوتغارت، وهي تمثل مراحل مختلفة للقصة القصيرة الالمانية تمثل مراحل تاريخية تبدأ بالحرب العالمية الاولي ثم المرحلة بين الحربين وصعود النازية والرايخ الثالث ومرحلة ما بعد الحرب واعادة البناء وتقسيم المانيا ثم مرحلة ثورة الطلبة في السبعينات التي قادها وساهم فيها بنشاط أبرز من عرفوا فيما بعد باعتبارهم من الخضر . القصة هذه مأخوذة من القسم المعنون "الحياة في المانيا الديمقراطية".

1-

في سكنه في القسم الداخلي يضع ميشائيل (الكتاب المقدس) ضمن الكتب الاخرى على رف الكتب، ليس ذلك لانه متدين، ولكن لانه يرى ان عليه قراءة هذا الكتاب في يوم ما، اما المشرف على القسم الداخلي فقد قام بلفت انتباه ميشائيل وتحذيره، بأنة على رف الكتب لاحد الاقسام الداخلية لدولة اشتراكية لن يكون من المسموح به لاحدٍ ان يضع الكتاب المقدس ـ وأين استطيع ان اجد قسما داخليا ليس إشتراكيا ؟ سأل ميشائيل . وكان الجواب: "انه في دولة اشتراكية فان جميع الاقسام الداخلية هي اقسام داخلية اشتراكية وليس ثمة أي قسم داخلي تحت رعاية الكنيسة" . استنتج ميشائيل ما يلي: انه في دولة اشتراكية، وحسبما يراه المشرف التربوي، فانه ليس بوسع شخص ما ان ينجز تعليمه كمتخصص بالكيمياء، في الوقت الذي يحتفظ فيه بنسخة من الكتاب المقدس على رف الكتب في القسم الداخلي . هذا الاستنتاج قام ميشائيل بعرضه على الملأ مستغلا واجهة المسابقة الخاصة بالفوز بميدالية القراءة، والتي حصل فيها على المركز العاشر (كان معدل درجات التقييم التي حصل عليها واحد فاصلة صفر) مما حدا به، مع ذلك، الى ان يشمخ متباهيا تحت سمع المدير وبصره . ومنذ ذلك الحين صُنّف ميشائيل، من قبل مدرّسة التربية الوطنية، باعتباره عنصرا لم يُكتشف سابقا في جدول مندلييف الدوري للعناصر، والذي يكون ميشائيل بموجبه بصفة (عنصر غير مأمون).

2-
في أحدى الاماسي دُعي ميشائيل الى أحد غرف الحراسة والامن التابعة للمؤسسة الدراسية، ووضع رجل يرتدي ملابس مدنية أمامه نصا يتضمن "اني الموقع ادناه أتعهد بان لا أذهب الى العاصمة إثناء مهرجان الطلبة والشباب الذي سيقام هناك". وطلب منه هذا الرجل التوقيع على التعهد! .. ولكن لماذا؟ سأله ميشائيل . نظر الرجل بالملابس المدنية اليه كما لو أنه لم يسمع السؤال . وأضاف ميشائيل انه اثناء هذا المهرجان سيكون مجازا، كما انه يحتفظ تحت سريره بحذاء تسلق الجبال الجديد ذي المسامير الذي جهّزه ليس لتسلق برج التلفزيون في ساحة اليكس في العاصمة وانما لتسلق الجبال، وانه اثناء المهرجانات السابقة لم يكن ابدا في العاصمة بل كان دائما يتمتع باجازته في الخارج ـ إذن وقع . قال له السيد بالملابس المدنية بعد سحب القلم من بين طيات الورق واضعا اياه على وسط الورقة ـ ولكن لماذا ؟ سأله ميشائيل مرة اخرى " ان التوقيع على هذا النص يوحي بانني قد ارتكبت ذنبا ما، وان التوقيع بمثابة اقرار بالذنب، وانا لا اتذكر انني ارتكبت ذنبا " . لايتذكر ميشائيل انه ارتكب ذنبا ما . ولعل اقصى ما قام به انه قد قام بإشارة السفر المجاني (اتو ستوب) لسيارة فولكس كان يقودها احد البرلينين الغربيين، فيما بعد قام جهاز الامن بطلب معلومات عنه من المدرسة . ولكن هذا كان بالنسبة له ليس سببا كافيا لان يُطلب منه التوقيع على التعهد بانه لن يسافر الى العاصمة برلين إثناء مهرجان الطلبة والشباب ـ فيما اذا كان هذا سببا كافيا أو لا فان هذا ليس موضع نقاش، كما قال السيد . ما هو موضع النقاش هو التوقيع وليس غيره ـ ولكن هذا يجب ان يكون مُسَبباً، قال ميشائيل ـ الذي هنا يجب ان يكون، كما قال السيد، هو استخلاص النتيجة التالية: انه في هذا البلد فان من يمتلك السلطة هم العمال والفلاحون، وان من الاحسن له ان يتخلى عن اللف والدوران ـ ساور ميشائيل الخوف بان هذا الرجل بوسعه ان يحرمه من السفر الى التاترا . تمسك بأن يحتفظ لنفسه بالكلمة الاخيرة قائلا أن التعهد ينطوي على تهديد، ولكنه وقع.
قبل يومين من بداية الاجازة سُحبت منه وثائق الهوية الشخصية وسلّم وثائق مؤقتة لاتتيح له مغادرة جمهورية المانيا الديمقراطية وعلى إحدى صفحات وثيقة السفر كتبت عبارة بحبر غير مرئي: " عنصر غير مأمون ".

3-
مع صورة لتضاريس المكان في المخيلة في (التاترا) وحذاء التسلق في القدمين، انطلق ميشائيل في رحلته نحو "اوست سي"، لن يكون الطريق مؤاتيا لما اراده تماما، عليه السفر اولا الى منطقة (س) . وللوصول اليها ينبغي اخذ القطار حتى (ك) وعلى رصيف محطة القطار في (ك) والتي دخلها وهو يتنكب غيتاره، دعته احدى الدوريات لابراز اوراق الهوية . " أها " قال الشرطي حين راى اوراق الهوية وطلب منه مرافقته . سُلّم ميشائيل لدائرة شرطة الشعب " افرغ محتويات الحقيبة " . أفرَغَها ميشائيل . "إحزمها" . حَزَمَها ميشائيل . " وقّع "، وللمرة الثانية وقع ميشائيل على النص الذي يتضمن " اني الموقع ادناه، اتعهد بانني اثناء مهرجان الطلبة والشباب ان لا اسافر الى العاصمة " . وفي منتصف الليل أخلي سبيله . في اليوم التالي عرض ميشائيل نفسه على قارعة الطريق، حتى يكون بمستطاعه ان يوقف سيارة مجانية الى هدفه ولكن بدلا عنها وقفت سيارة اخرى دون ان يطلب هو منها الوقوف .. كانت سيارة دورية " أوراق الهوية رجاء " وبعد وقت قصير اصبح ميشائيل مجددا في دائرة شرطة الشعب " افرغ محتويات الحقيبة " . أفرغها ميشائيل . " إحزم محتويات الحقيبة " . هذه المرة قيد ميشائيل الى زنزانة عامة ـ وكان ذلك بمثابة لقاء مع حاملي الغيتار من الذين منعوا من حضور المهرجان . كانوا بُوغتوا يغنون احدى اغاني بيرمان والاغنية التي عنوانها: (لا تنتظر حلول أيام افضل) . نودي عليه. "الى أين"؟ سأل هو . " جوقة سويسرية بحاجة الى عازف كيتار " قال العريف ساخرا . أعادوه مرة اخرى الى منطقة (س) وفي دائرة الشرطة هناك: " اذن انت ترغب بالسفر الى برلين " . "لا . انا كنت متوجها الى اوست سي". "عندما تكذب مرة اخرى، ستجعلني مضطرا الى ان اعطيك إنطباعا قويا عما تعنيه سلطة العمال والفلاحين " . التقطت له الصور (بالعصبة التي تطوق الجبين وبدونها) وأخلي سبيله . ولكي لا يجعل من نفسه موضع شك مرة أخرى بانه ينوي السفر الى برلين، عزم أمره بأن يسافر شرقا . ومنها نزولا مع مجرى نهر الاودر حتى شاطئ البحر . في مدينة (ف) في اليوم التالي سافر مع سائق في طريق يبعد عن نطاق العاصمة برلين، فيما يبعد الشبهة عنه . " في السابعة والنصف صباحا نكون في محطة القطار " . وفي السابعة والنصف كانت محطة القطار قد اصطبغت باللون الازرق، حين تدفقت عليها القمصان والرايات الزرق، وكان العديدون قد تجمعوا للرحيل الى مهرجان الطلبة والشباب في العاصمة برلين . سأله أحد منظمي الحشد فيما اذا كان ضمن مجموعة الخمسين . " وهل أبدو كذلك ؟ " . عاد بعد لحظة ومعه شرطيان " أوراق الهوية ! " . امتنع ميشائيل عن الذهاب معهم . اوضح لهم . ترجّاهم . ولكنهم قيدوا يدية الى الخلف . ثم الى زنزانة محطة القطار. إستجواب . ثم نُصح بقطع تذكرة القطار السريع والسفر عائدا . احتج بأن لديه الحق بان يقضي اجازته حيثما تجيز له اوراق السفر . ـ يجب عليه ان لا يسافر عائدا الى (س) كما قال رجال الشرطة ولكن فقط نحو (د) ." واذا ماسببت بعض المتاعب فان هذا سيجعلنا ملزمين بابلاغ مديرية شرطة الشعب . وبهذا لن تنجو بجلدك" . اصطحبه رجلا شرطة مع كلب الى حيث اشترى تذكرة السفر واوصلاه الى القطار " حين تغادر القطار في مكان آخر غير محطة (د) ستوضع فورا في سجن المحطة . كان يرى عبر شباك القطار في المحطات على الطريق الى (د) حراسا مع كلابهم . و في (د) كان بانتظاره اثنان من رجال الشرطة استدعياه فورا وطلبا منه شراء بطاقة الى (س) ثم يأخذ قطار المواصلة . كان قد استسلم تماما منفذا ما يطلب منه . وعلى رصيف محطة القطار في (س) انتظر حتى قدوم رجال الشرطة . تطلعوا الى صورته الموجودة على وثائق السفر وقارنوا بينها وبين ملامحه . أعادو اليه وثائق السفر . " بامكانك ان تسافر الآن " .
"الى أين " ؟ سأل ميشائيل .