من ارهاصات الحرب
ترجمة وتحليل منير العبيدي
تقع أحداث هذه القصة التي كتبها بورشيرت، كما يبدو من سياقها، في مكان بعيد عن ساحات المعارك الرئيسية. ليس في في خلفية هذه اللوحة الرائعة المرسومة بالكلمات اية انفجارات ولا دبابات تقتحم التحصينات و لا جنود (بواسل) يحققون نصرا على العدو. في هذا المكان الذي تدور فيه احداث القصة و الذي هو زاوية منسية من زوايا الحرب ربما كان كل شئ هادئا. ولكن، وبالقدر نفسه، ربما لا شئ آخر قادر على ان يعكس مآسي الحرب وآلامها. والقصة ذات مستوى تقني متقدم في الفترة التي كتبت فيها.
فـ "(بورشيرت) من مواليد 1921 في مدينة هامبورغ في المانيا، توفي عام 1947 في بازيل. وهو مؤلف قصص وقصص قصيرة وتمثيليات اذاعية وتلفزيونية. من أعماله المنشورة: الفوانيس، والمساء والنجوم، قصص 1946. في هذه الثلاثاء وحكايات 1947، خارجا أمام الباب ـ تمثيلية تلفزيونية 1947 و الاعمال الكاملة 1949. وصدر له بعد وفاته الجيرانيوم الحزين. قصص من التركة 1992. والقصة المنشورة: ليلا تنام الفئران هي من ضمن الاعمال الكاملة.
سيلاحظ القارئ الطريقة التي صور بها بوشرت الحوار مع طفل. وهذا يسلط الضوء على الطريقة المعاصرة التي يتعامل فيها الالمان مع اطفالهم: محاولة اشعار الصبي أو الطفل بالتكافؤ في الشخصية دون ازدراء أو تسخيف للافكار أو تقريع وانما اعطاء الطفل الوقت الكافي لكي يقوم هو بنفسه في اتخاذ القرار، ويخاطب الالمان اطفالهم الصغار بكلمة " رجاء " حين يطلب منهم القيام بشئ ما أو الامتناع عن أخذ شئ ما.
على ان بوشيرت حافظ من جهة اخرى على الجمل الصغيرة التي يتميز بها حوار الاطفال واتقن الكاتب تصوير نفسية الاطفال الانفعالية الشفافة فـ (يورغن) رغم المأساة متعب ويحب الخلود الى الراحة، وهو من شدة ارهاقه قد جمع في ذهنه حبه لرؤية الارانب بحبه للخلود الى الراحة والنوم راسما على تراب الانقاض منامات الارانب. ولكنه سيكون مثقل الضمير فيما اذا غادر المكان بدون حراسة، والرجل في القصة قدم حلا مؤقتا ومقنعا.
وضع الكاتب للقصة اطارين: زماني ومكاني، فالاطار الزمني كما هو واضح فترة قصيرة استوعبت الحوار بين الاثنين ـ ربما ساعة أو اقل ـ ولكن قد تركت للقارئ ـ الذي اعتقد انه لن يقرأ القصة بدون انفعال ـ تقرير مآسي الحرب من خلال لقاء بسيط وعادي بين رجل وصبي بدون أي ميل الى الهتافية والتقريرية. وبدون انفعال ظاهر ترك الكاتب للقارئ مهمة ان يسخط هو وأن يلعن الحرب. أما مكانيا فان القصة لم تغّطِ سوى مساحة بسيطة من المكان لتلقي الضوء على مآسي الحرب التي غطت مساحات واسعة من قارة اوربا وشمال افريقيا والشرق الاوسط والاقصى واعالي المحيطات والبحار حيث ساحات القتال التي ترامت عليها ملايين الجثث ومئات الالوف من الاطنان من الفولاذ والحديد المقوض الخراب بفعل القوة العمياء
فولفغانغ بورشيرت
ليلاً تنام الفئران
ذلك الشباك الغائر في الجدار الوحيد المتبقي يتخلله الازرق المحمر للشمس الغاربة. ثمة سحابة من غبار مضاءة باشعة شمس الغروب تحيط ببقايا مدخنة مازالت قائمة بين الانقاض.
كان قد أغلق عينيه... لحظات ويعم الظلام، لاحظ بان شخصا قد قَدِم نحوه، الآن يقف أمامه، عتمة وهدوء." جاء الآن دوري لقد ظفروا بي". فكر هو. وحين رمش قليلا رأى ساقين بسروال رث، كانتا تقفان أمامه مقوستين ما يسمح له بان يرى من خلالهما. وخاطر رامشا بعينيه ناظرا الى ما أعلى الساقين بالسروال الرث فتعرف على رجل كبير السن. كان حاملا لسلة وفي الاخرى سكين. وكان شيئا من تربة الارض عالقا بأطراف اصابعه.
أنت تنام هنا إذن؟ سأل الرجل ونظر من الاعلى الى قمة شعره الاشعث. رمش يورغن ناظرا ما بين ساقي الرجل نحو الشمس الغاربة: لا. انا لا انام هنا. أنا أقوم بالحراسة. هز الرجل رأسه: أمن أجل ذلك تحمل معك هذه العصا الكبيرة؟
نعم، قال يورغن بشجاعة، وتمسك بعصاه.
ماذا تحرس إذن؟
هذا ما لا أستطيع أن أقوله. تمسك بكلتا يديه بالعصا. ـ حسنا ربما هناك بعض النقود؟ سأل الرجل واضعا السلة على الارض، ومسح كلا جانبي السكين بسرواله. ـ لا، نقود؟ لا مطلقا. قال باحتقار. أحرس شيئا مختلفا تماما.
حسنا ماذا إذن؟
هذا ما لا أقوله. لا أقول ما الذي احرسه.
إذن لا داعي. أنا بدوري أذن لن أقول أي شئ عما أحمله في سلتي ولأجل من. مسّ السلة بقدمه وطوى سكينه.
إيه. أستطيع أن احزر ماذا في السلة، قال يورغن باستخفاف، طعام للارانب.
ياألهي ! هذا صحيح ! أنت شاطر. كم عمرك؟
تسع سنين.
أها، انظر ماذا لدينا ! صبي بعمر تسع سنين... أنت تعرف إذن كم يساوي ثلاثة مرات تسعة؟
طبعا أعرف، ثم أضاف كسبا للوقت، هذا سهل جداً. ونظر خلال ساقي الرجل. ثلاث مرات تسعة، أليس كذلك؟ سبع وعشرون. هذا ما أعرفه بدون صعوبة.
مضبوط ! قال الرجل. و تماما بنفس المقدار لدي أرانب.
دوّر يورغن فمه مبدياً تعجبه. سبعة وعشرون أرنبا؟!
تستطيع أن تراهم. العديد منهم لايزال صغيراً. أترغب حقاً؟
ولكنني لا استطيع، علّي أن أحرس، قال يورغن بدون يقين.
دائما وبأستمرار؟. سأل الرجل. مساءً أيضاً؟
مساءً أيضاً دائما دائما. وصعّد نظره عن الساقين المقوستين. ثم همس: منذ يوم السبت.
إذن انت لاتذهب الى البيت أبداً؟ أنت يجب أن تأكل.
رفع يورغن صخرة كانت الى جواره. كانت هناك نصف قطعة من الخبز، وعلبة معدنية.
أنت تدخن؟ ألديك غليون؟
ألفّ. الغليون لا أحبه.
انحنى الرجل على سلته قائلا: مؤسف انك لاتستطيع أن تتفرج على الارانب، وبالاخص الصغار
لا. قال يورغن بأسى. لا لا.
اخذ الرجل سلته هاما بالمغادرة. نعم يترتب عليك إذن أن تبقى هنا ـ مؤسف. واستدار.
قال يورغن: سأقول. لو انك فقط لاتتهمني بخيانة السر !. واضاف بسرعة: أنه بسبب الفئران.
تراجعت الساقان المقوستان خطوة الى الوراء عائدةً: بسبب الفئران؟
نعم تلك التي تأكل أجساد الموتى من الناس. وعلى هذا تعيش.
من قال هذا؟
معلمنا.
وأنت تحرس الفئران؟ سأل الرجل.
أحرس الفئران؟ لا. ثم قال بصوت خفيض: أخي الصغير يرقد هنا تحت هذه الانقاض. وأشار يورغن بعصاه الى الجدار الساقط. بيتنا أصابته قذيفة. إختفى الضوء فجأة من القبو. هو ايضا إختفى. نادينا عليه. كان أصغر مني كثيرا، مجرد اربع سنوات. انه ينبغي ان يكون الآن تحت هذا الجدار. هو أصغر مني بكثير.
نظر الرجل من الاعلى الى قمة شعر يورغن الاشعث. وعلى حين غرة قال: ألم يقل لكم معلمكم أيضا بأن الفئران تنام ليلا؟
لا. همس يورغن. وبدا متعبا جدا. ـ لم يقل المعلم هذا.
إذن أي معلم هذا، ذلك الذي لايعرف أن الفئران تنام ليلا !. ليلا تستطيع باطمئنان أن تذهب الى البيت. ليلا تنام هي دائماً. ما أن يعم الظلام حتى تنام.
حفر يورغن بعصاه حفيرات في الانقاض التي أمامه.
هذه مناماتها الصغيرة هنا ـ همهم مع نفسه، كلها منامات صغيرة. ـ قال الرجل (و كانت ساقاه المقوستان حينها بمنتهى الاضطراب): تعرف ماذا؟ الآن سأطعم على عجل أرانبي، وحين يحل الظلام، أصطحبك معي، وربما حين أعود أجلب معي احد الارانب. واحداً صغيراً.... أو ماذا تعتقد؟
كان يورغن ينبش الحفيرات الصغيرة في تراب الانقاض. أرانب صغيرة تماما. بيضاء ورمادية واخرى مبقعة بالابيض والرمادي. ـ أنا لا ادري، قال بصوتٍ منخفض ونظر ا لى الساقين المقوستين، لو أنها حقا تنام ليلا.
ارتقى الرجل بقايا الجدار الساقط مغادرا باتجاه الشارع، بالطبع تنام، قال الرجل من هناك. معلمكم يجب أن يحزم أغراضه و يغادر، اذا كان لا يعرف هذا.
قام يورغن عندئذن واقفا وقال: متى أستطيع أن أحصل على واحد؟ واحدٍ ربما ابيض؟
سأقوم ما بوسعي. قال الرجل وهو في طريق الذهاب. ولكن عليك أولا أن تنتظر هنا، ثم بعدها أذهب معك الى البيت، إتفقنا؟ علّي أن اقول لوالدك كيف يبنى مكان لمنامات الارانب، وهذا ما عليك أن تتعلمه أيضا. رد يورغن: أنا سأنتظر هنا. علي أن أقوم بالحراسة الى أن يحل الظلام. لدينا ألواح خشب في البيت. ألواح صناديق. صاح يورغن.
ولكن الرجل لم يسمع عبارات يورغن الاخيرة. كان قد مشى بساقيه المقوستين باتجاه الشمس التي إزدادت إحمرارا باقتراب المساء. كان يورغن يراها من خلال تقوس ساقيه، وكانت السلة في يده تتأرجح مضطربة هنا وهناك. طعام الارانب كان هناك في داخلها. طعام الارانب الاخضر الزاهي، الذي يشوبه الآن الرمادي مما علق به من غبار الانقاض.




التعليقات