منذ سنوات وهو ينتظر من يطرق بابه. وبدلاً من أن يقرأ كتاب جون براين "غرفة في الطابق الأعلى" انتقل هو الى شقة من غرفة واحدة في الطابق الأعلى. وقد نقل من غرفته في الطابق الأسفل أول ما نقل كتبه وصفها في نظام وترتيب على رفوف المكتبة الصغيرة والطاولة. كان منذ فترة قد صمم على أن يسكن لوحده والرسام الذي شاركه شقته السفلى بدا له لطيفاً في الأيام الأولى. الا انه سرعان ما أخذ يتضايق من وجوده ومن وجود خطيبته الصامتة دائماً كالمومياء النحيلة كالقصبة ومن رسومه الهندسية التي تبدأ بطريق عريض ثم يضيق صعداً ليتناهى في الأفق اللامكان:
ـ انك لا ترسم حرائقك الداخلية. تصوري للرسم هو ان يكون حريقاً داخلياً.
أريد له أن ينبع من السويداء. أريد ان أرى عقلك الباطن وقد أصيب بالهلوسة. انك ترسم براحة بال. هل أنت مهندس؟ وكان هو وحيداً وحيداً جداً بشكل قاتل وكانت العزلة التي بدت له ذات يوم الموقف الوحيد من الحياة وجحيم العلاقات قد بدت له صحراء مكفهرة. إلا انه عاد اليها من جديد وكان يقول بأن العزلة قدر الانسان. وبينما كان في يومه الأول في بيته العالي (انه يحب الجبال حيث الهواء وقد ضاق ذرعاً بالعبودية) طُرق الباب.
ـ من؟
ـ ... فتح الباب. كانت واقفة.
قالت: ـ اني أبحث عن طه.
عرف انها أجنبية.
ـ لقد انتقل الى بيت جديد.
ـ متى؟
ـ قبل عدة أيام.
وقبل أن يترك لها الصمت مجالاً للمغادرة طلب منها أن تدخل.
ـ أنت على الرحب والسعة. تفضلي. دخلت. كانت جميلة جداً ورشيقة وكان هو وحيداً وحيداً جداً. ظن انها هيبية مزعزعة القيم تبحث عن ملجأ لروحها الضائعة.
ـ ما أسمك؟
ـ فكتورية.
ـ جنسيتك؟
ـ امريكية.
بكاميرا فاضل عباس هادي
نسي ان يعرفها بنفسها وبصديقه الذي وصل قبل قليل من وصولها الى الغرفة. كان النور ضعيفاً والغرفة باردة. كان يبذل محاولة يائسة لانتشال نفسه من حافة الجنون والتصورات المرضية وكان يعتقد بأن الحل عند هذه الفتاة القادمة من بلاد فتزجرالد.
ـ لقد جئت أبحث عن طه. كنا من مختلف الجنسيات نجتمع هنا.
صديقه "م" أراد أن يدخل بالحديث فقال:
ـ اسألها ان كانت متزوجة.
ـ نعم.
ـ اسألها عن رأيها بالدين.
سألها.
قالت: ـ أحب بشل خاص كلمة "الله"، أمي كاثوليكية متدينة الا انها لم تفرض عليّ التدين. لا أؤمن بالله كوجود محسوس انما أحس بشيء عندما أفكر به... الله هو أنا.
هكذا قالت "الله هو أنا" نعم. الله هو أنتِ ومن غيرك يكون الله ايتها الطارقة بابي في قلب الليل. ايتها النعمة المتجسدة في قلب عالمي الموحش. ايتها اللؤلؤة التي سأنذر لها حياتي. تابعت حديثها: كانت قلقة منا. تطرق الباب بحثاً عن شخص فاذا بها أمام شخصين غريبين بدلاً من شخص تعرفه وتطمئن اليه وفي ساعة متقدمة من الليل كهذه. كانت تتكلم باستمرار: تبني من المفردات المتلاحقة سوراً صينياً يحميها من هذين الغريبين.
ـ ظللت ألاحقه ثمان سنوات حتى ظفرت به (تقصد زوجها) اني أحب زوجي كثيراً.
صدّقها. نعم لم لا يصدقها. يكفيه منها حضورها الرباني في غرفته العدمية. صديقه طلب منه:
ـ قل لها اني أريد أن أقول لها كلمتين قبل أن تغادر.
ـ قل لها بأن الاخلاص وهم ديني وانها زهرة جميلة عليها أن تعيش كل يوم في حياتها بعمق وان اليوم الذي لا تمارس فيه صبواتها الجسدية يوم غير محسوب من حياتها. قال لها ذلك نيابة عن صديقه. وسارع الى القول: هل ترغبين باستعارة بعض الكتب مني؟
كان يريد أن يشدها اليه ويطور علاقتها معه بأي ثمن. كان وحيداً جداً.
ـ اذا كان لديك كتاب عربي مترجم أستعيره.
ـ ... ـ هل تريدين رقم تلفوني في محل عملي.
ـ نعم.
ـ أرجو منك أن تزورينني دائماً.
ـ قد أفعل بصحبة زوجي.
ـ تعدين بذلك.
ـ نعم.
اعطاها رقم تلفونه وكتب اسمه. وهو يرتجف من البرد والفرح.
ـ هل تكون هنا كل مساء.؟
ـ نعم نعم كل مساء. وغادرت. كان للبيت شرفة فقالت وهي تهبط السلالم:
ـ لك أن تتناجى كما كان روميو يناجي جولييت.
ـ هل تريدين أن أردد عليك مقطعاً من "روميو وجوليت".
كان هذه المرة يكذب. رددت هي مقطعاً من المسرحية قبل أن تختفي في الظلام. كان فرحاً جداً وكذلك صديقه الذي غادر الغرفة بعد قليل من مغادرتها. سارع الى كتابة اسمها بأحرف كبيرة على وريقة سميكة "فكتورية" وكتب قربها بأحرف صغيرة.. قد تتلفن.
اليوم الثاني: لم يخرج في المساء. كان ينتظرها. فقد قرأ ذات يوم يأن الأمريكيات غريبات الأطوار وانك لا تستطيع معهن التكهن. انهن والمفاجأة صنوان. وكان قلبه يقفز وعيونه تتسع مع كل خطوة يسمعها على الدرج.
اليوم الثالث: وجد سبباً لعم مجيئها: المطر الغزير ولا بد انها فضلت البقاء في بيتها. الا انها عدة مرات تراءت له وهي تطرق بابه حاملة مظلة.
اليوم الرابع: قرر ان يزكي زمن الانتظار بالكتابة: لأكتب قصة عن الانتظار حتى تجيء. وكان قد رتب الغرفة ـ البيت نظف الجدرات بالسكين ولصق بعض البوسترات، وحسّن الاضاءة وجلس ينتظر. ايتها الطارقة بابي في حلك الليل متى تطريقنه مرة أخرى؟ ايها النيزك الهابط من سماء الصدفة ايتها الحورية الصاعدة نحوي من بحيرات الكآبة الغريبة الأطوار متى تطرقين بابي غداً: سوف لن يكتب الجواب من الآن فقد تجيء واذا جاءت ماذا سيفعل؟ لا يريد أن يستبق الأمور. في مساء اليوم الخامس قرر أن يقطع منولوجه الداخلي بمشاهدة فيلم سينمائي لبربارة ستريساند. الا انها بدأت تمطر وتذكر انه ترك المصباح الخارجي مضاء فعاد مسرعاً ليطفئه. قرر البقاء في البيت ثم بدأ يكتب وكان شكله وهو يكتب يذكره بتمثال "المفكر" لرودان. الا انه لم يفكر الا بشيء واحد... بذلك الحضور الرباني القادم من بلاد فتزجرالد.
كتبت في بيروت 1973




التعليقات