ضمن محاكمة للسلطة والتمميز الجنسي والتقاليد


"أ.ف.ب" من القاهرة: تستحضر مسرحية "ثورة الشطرنج" شخصية "حتشبسوت"، اقوى ملكة عرفها تاريخ الفراعنة، وشجرة الدر اشهر حكام مصر ابان الحقبة الاسلامية، ضمن محاكمة للسلطة والجنس والتقاليد الدينية توصلا الى قيم انسانية في العلاقة بين الرجل والمرأة وبين الفرد والسلطة.
وياتي استحضار فرعونة مصرية وسلطانة ذات اصول كردية في المسرحية، للمخرج ناصر عبد المنعم، تقديما لشخصيات نسائية قادت البلاد لكنها لم تختلف في اسلوبها القمعي عن السلطة الذكورية السائدة ابان تلك الحقبة التاريخية فضلا عما جلبته من نقمة اجتماعية كامراة استولت على العرش دون وجه حق.
لكن هذا الصنف من النساء كان مستعدا للقيام بكل شيء حتى خسارة الانوثة والدور الانساني. وارتدت حستشبسوت، وهي من الاسرة الثامنة عشرة، زيا رجاليا ووضعت الذقن المستعارة ولم يختلف اسلوبها في السلطة عن الاسلوب الذكوري القمعي كما لجات شجرة الدر الى المؤامرات للبقاء في سدة الحكم.
ويتم استحضار الملكتان من خلال فكرة طريفة يستند اليها النص الذي كتبه مساعد وزير الداخلية اللواء نبيل خلف. وتكمن الفكرة في قيام قطعة القلعة في لعبة الشطرنج كونها صاحبة الاسم الانثوي الوحيد في اللعبة بقيادة تمرد ضد الملك، القطعة الاكثر اهمية في هذه اللعبة.
ومن خلال حركة التمرد، يتم عرض الخطوط الدرامية لمفهوم الثالوث في تقاطعات بين الازمنة الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل ومحاكمة السلطة القمعية والتمييز الجنسي بين الرجل والمراة مع اشارات عن بعد الى دور الدين في ترسيخ السلطة ومفاهيم التقاسم الجنسي عبر خطب يلقيها الملك والامير علي الذي يستحضر الماضي المملوكي.
وتتنقل بطلة العرض الفتاة رنا بين الحاضر والمستقبل كصاحبة فكرة التغيير والانتصار لعلاقة متساوية وانسانية بين الرجل والمراة ومحاربة مفهوم السلطة المرتكزة بشكل اساسي على القمع بمساعدة شريكها في التمرد قطعة الحصان "اتو" ويؤديها تامر يسري. وتصور عملية الانتقال بين الازمنة عبر نفقين على جانبي المسرح احدهما يرمز الى المستقبل من خلال اضاءة الليزر والاخر يرمز الى الماضي من خلال حبال المشانق وادوات الحرب القديمة كما يتم استحضار الشخصيات الانتهازية من نفق الماضي في حين ياتي رموز المستقبل من النفق المقابل.
وتنتقد المسرحية بشكل لاذع العلاقة بين الجنسين عندما تظهر ديكتاتورية الملوك وما يوازيها من امثلة نسائية عندما تولين السلطة مثل الملكتين رغم قيام شجرة الدر (سوسن بدر) بتبرير تسلطها بحماية بني قومها مع اظهار الجوانب الانسانية التي تمنحها الامومة للمراة وافتخارها باثبات قدرتها في الحكم متفوقة على الرجال. ولم يختلف الوضع كثيرا مع "حتشبسوت" التي كانت من اوائل اللواتي اثبتن ان المراة قادرة على القيادة حتى ولو لجات الى نمط ذكوري في السلطة. الا ان غيرتها على حبيبها سنموت، مهندس الدير البحري في الاقصر، عرت جوانبها الانسانية.
يشار الى ان الدير البحري يقع في البر الغربي للاقصر وهو المعبد الوحيد المتفرد بتميزه وجماله المعماري بين الاثار الفرعونية. كما تنتقد المسرحية بشدة قبول المراة ان تتحول الى سلعة لا تتورع عن استخدام اي وسيلة للحفاظ على جمالها والتقرب من الرجل لتصبح نوعا من الرقيق الابيض.
وخلال ذلك، يظهر دور السلطة والدين في تصنيف النساء في خانة متدنية القيمة ووضع العراقيل في طريقهن. ورغم الدعوة التي تحملها المسرحية الى التقدم، فانها تنتقد بقساوة شديدة التقنية التي قد تلغي الوجه الانساني للعالم وبينها استنساخ الجينيات وخلق الانسان ضمن مواصفات تقضي على الطبيعية منها. وينتهي العرض المسرحي بنظرة رومانسية حالمة في علاقة انسانية بين الجنسين لا بد ان تكون طبيعية ومتساوية وان السلطة لا بد ان تكون لصالح الجميع.