قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

quot; إذ من منا لم يحلم، أو يفكر، فيما بينه وبين نفسه، في آخر يوم في حياة شخص محكوم عليه بالإعدام؟ quot;
nbsp;فيكتور هوجو


حقاً من منا لم يحلم، أو يفكر، فيما بينه وبين نفسه، في آخر يوم في حياة شخص محكوم عليه بالإعدام؟
صحيح ان البشر جميعاً محكوم عليهم - ضمنياً - بالإعدام..
لكن المُختلف هنا هو لحظة تنفيذ الحكم..
كم من أناس قد ماتوا بينما كانوا يعدون أنفسهم لحياه طويلة..
وكم من شباب حُر فى أوج الصحة والعافية قد اختطفوا..
وكم من هولاء وأولئك يمشون ويستنشقون نسيم الحرية لكنهم يتسابقون دون ان يدروا لعالم الموتى
لكن الأمر دائماً وابداً مُختلف مع من حكم عليه بالأعدام..
ويبقى السؤال
منا لم يحلم، أو يفكر، فيما بينه وبين نفسه، في آخر يوم في حياة شخص محكوم عليه بالإعدام؟
من منا لم يتصور نفسه - ولو للحظة - وقد حُكم عليه بالموت
( فيكتور هوجو ) فعل..
ذلك الرجل رقيق الأحاسيس، هش المشاعر، والذي قد اشتهر بموقفه الرحيم حيال البؤساء وحملاته على النظم الاجتماعية التى كانت قائمة فى عصره، والذي قد اشتهر كذلك بحملاته العنيفة وثوارته القاسية على الأوضاع القانونية
ولعل اشد ثوراته عنفاً وهيجاناً هي تلك التى شنها على الحكم بالأعدام، وقد دفعه إلى هذه الحملة الشعواء نزعة إنسانية نبيلة كان من أثرها ان اخرج كتابه الرائع ( أخر ايام رجل محكوم عليه بالأعدام )
( La dernier jour d'un condamne )
ذلك الكتاب الذى أحدث ضجة رهيبة بين الناس عامة ورجال القضاء خاصة، وقد سُجل على لسان احد المحكوم عليهم بالإعدام والذي شاءت له أقداره أن يسطر على القرطاس أحاسيسه ومشاعره وما لاقاه من ضروب التعسف والقسوة

وإذ نحاول ان نتضامن ونعمل سوياً من اجل إلغاء عقوبة الإعدام من دساتير وقوانين بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا نجد بداً من القراءة المتأنية لأحدى اهم - هذا إن لم تكن أهمها على الإطلاق - المحاولات الثورية الشعواء لإلغاء عقوبة الإعدام وهى ثورة ( فيكتور هوجو ) المُعنونة بـ
( أخر ايام رجل محكوم عليه بالأعدام )

أن لكل فرد - ( وكما اقر البروتوكول الخاص بالاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لإلغاء عقوبة الإعدام - منظمة الدول الأمريكية ndash; سلسلة المعاهدات رقم 73/ 1990) حق لا يتبدل في احترام حياته
( حق لا يمكن أن يتعطل لأي سبب ).. وتطبيق عقوبة الإعدام له نتائج يتعذر تغييرها، ويعوق تصحيح الخطأ القضائي، ويحول دون أي إمكانية للتغير أو رد اعتبار هؤلاء المدانين، وبالتالي فإن إلغاء عقوبة الإعدام يساعد على ضمان مزيد من الحماية الفعالة للحق في الحياة،
وهو ما يتفق - ضمنياً - مع ما جاء به ( فيكتور هوجو ) فى كتابه قبل ذلك بعشرات السنين عن تلك العقوبة..
quot; فهذا القانون العنيف يخول للمجتمع الحق في أن يسلب من الإنسان شيئاً لم يمنحه إياه، وهذه العقوبة إنما هي أكثر العقوبات التي لا يمكن إصلاح نتائجها وأشدها استعصاء على الإصلاح... ! quot;
دعوني أترككم إذن لفيكتور هوجو واترك فيكتور هوجو لكم على ان أتدخل - ان سمحتم لي - قليلاً ولو على سبيل إثبات حقي فى الكتابة وفى الحياة

quot; ان كتاب quot; آخر أيام محكوم عليه بالإعدام quot; ليس إلا دفاعاً مباشراً ndash; أو غير مباشراً ان شئت ndash; عن إلغاء عقوبة الإعدام.
ان ما كان يقصد اليه الكاتب بمؤلفه هذا، وما كان يريد أن تتبينه الأجيال المقبله، اذا هي عنيت بأمره، ليس الدفاع الخاص عن مجرم بعينه أو عن متهم يتخيره الكاتب فمثل هذا الدفاع الخاص أمره ميسور دائماً وهو يتغير تبعاً للظروف، بل هو في حقيقة أمره مرافعة عامة وأبدية عن المتهمين جميعاً، في الحاضر وفي المستقبل. انه حجر الزاوية في الحق الانساني الذي يبسطه الكاتب ويدافع عنه بأعلى صوته أمام المجتمع

أنها مشكلة كئيبة مظلمة تنبض في غير وضوح خلف جميع القضايا الكبرى، وتختفي وراء ستار كثيف من الكلام الرنان، ومن البلاغة الدامية التي يحيطها بها quot; رجال القضاءquot;
نعم، إنني أقول أنها مسألة quot;الحياة والموتquot; عارية ومجردة من كل رسميات النيابة العمومية وشكليات الإتهام الرنانة، ومعروضة بشكل بارز في وضح النهار، في المكان الذي يجب أن نراها فيه، مكانها الواقعي على الطبيعة، وفي بيئتها الشنيعة المروعة، لا عند القاضي في المحكمة، ولكن على المقصلة.. عند الجلاد !

ان هذا الكتاب موجه إلى كل من يصدر حكماً..
nbsp;وسوف يكون من دواعي سعادة المؤلف لو أنه استطاع ndash; دون أن يستعين بشئ آخر غير تفكيره ndash; أن يتعمق في موضوعه كل التعمق كي يجعل قلباً تنزف منه الدماء تحت بصر رجال القضاء، ولو أنه تمكن من أن يبعث الرحمة في قلوب أولئك الذين يحسبون أنهم عدول، وسوف يكون من دواعي سروره لو أنه استطاع بتعمقه في نفسية القاضي أن ينجح أحياناً في أن يجد فيه انساناً!
إن ( فيكتور هوجو ) لم يأخذ فكرته من كتاب ما، فهو لم يألف أن يذهب باحثاً عن أفكاره بعيداً كل هذا البعد، وانما أخذها من حيث تستطيعون جميعكم أن تأخذوها أو من حيث يحتمل أن تكونوا قد لمستموها بالفعل quot; اذ من منا لم يحلم، أو يفكر، فيما بينه وبين نفسه، في آخر يوم في حياة شخص محكوم عليه بالإعدام؟ quot;... من الشارع، بكل بساطة، أو من الميدان العام، أو من ساحة الإعدام. انه التقط هذه الفكرة الكئيبة وهو يمر من هناك ذات يوم.. التقطها وهي ملقاة على الأرض في بركة من الدماء، تحت سلاح المقصلة الأحمر الرهيب!
وكلما كان يذاع حكم بالإعدام في باريس، تبعاً لقضاة محكمة النقض في أيام الخميس الكئيبة، كانت هذه الفكرة الأليمة تعود إليه وتستولي على نفسه، في كل مرة كان يسمع فيها تلك الصيحات المبحوحة التي تجمع المتفرجين وتؤلبهم حول ساحة الإعدام، وهي تمر من تحت نوافذ بيته. نعم، كانت هذه الفكرة تلح عليه فتملأ رأسه بما فيها من جنود البوليس والجلادين والجماهير. وتنقل الى مشاعره الآلام الأخيرة التي يقاسيها البائس المحتضر ساعة بساعة، فتقول له: انهم في هذه اللحظة يجعلونه يعترف أمام القسيس.. وفي هذه اللحظة، يقصون له شعره..وفي هذه اللحظة، يوثقون يديه!
وكانت هذه الأفكار ترغم المؤلف المسكين ndash; وهو شاعر مرهف الحس رقيق الشعور ndash; على أن يقول كل ذلك للمجتمع الذي تشغله شئونه المعتادة، في الوقت الذي تتم فيه هذه العملية البشعة، وكان هذا الخاطر يطارده ويهز عواطفه، وينتزع وحي الشعر من أعماق نفسه أن كان يعالج كتابته ويقتل أبياته على لسانه وهي بعد لم تر النور ! نعم، كانت هذه الفكرة تحاصره وتلح عليه، وتملأ رأسه ونفسه فتعطل كل أعماله، وتعترض سبيله في كل شئ. وكان الأمر بالنسبة اليه عذاباً أليماً يبدأ مع مطلع النهار، ثم يستمر بعد ذلك مع عذاب الذنب البائس الذي كان يمتد حتى الساعة الرابعة صباحاً. وعندئذ فقط، وبعد أن يتنفس الفجر، كان في وسع المؤلف أن يتنفس وأن يجد في نفسه شيئاً من الحرية.
وأخيراً، شرع المؤلف ذات يوم في كتابة هذا الكتاب، وكان ذلك ndash; على ما يعتقد ndash; في اليوم التالي لإعدام quot; دولباخ quot;، فخف عنه كربه منذ ذلك الحين، وأصبح ضميره يوحي اليه أنه ليس متضامناً مع العدالة في كل مرة ترتكب فيها احدى هذه الجرائم العامة التي يسمونها تنفيذ حكم الإعدام، ولم يعد يحس على جبينه بقطرة الدماء التي تسقط من ساحة الإعدام على رأس كل فرد من أفراد المجتمع.
ومع ذلك فإن هذا كله ليس كافياً، فالتبرؤ من الجريمة شئ حسن، ولكن الأفضل منه منع أراقة الدماء. ولهذا، فلن يعرف المؤلف هدفاً أسمى ولا أسلم ولا أنبل من هذا الهدف، الا وهو الإسهام في الغاء عقوبة الإعدام، ومن ثم فإنه يضم تمنياته وجهوده بكل قواه، الى جهود الرجال الكرماء في كل الأمم، الذين يعملون جاهدين منذ عدة أعوام من أجل اسقاط المقصلة، وهي الشئ الوحيد الذي لا تجتثه الثورات. وسوف يسر المؤلف أن يأتي بدوره، وهو الرجل الضعيف، ليضرب ضربته معاوناً في هدم آلة الإعدام التي تسلط منذ قرون عديدة على رءوس الناس..

وعبر فصول عديدة يأخذنا فيكتور هوجو لنعيش مع المحكوم عليه بالأعدام فى زنزانة كئيبة نفكر فى اللحظات التى ستتعانق فيها رؤوسنا مع سكين المقصلة
فصول بدأت بتفكير الرجل الميت - ضمنياً فى الكتابة عن تجربته المريرة علها تكون أداة ضاغطة على رجال القضاء - قبل تفكيرهم ولو للحظة فى الأقدام على حكم مثل هذا

quot; لماذا لا اكتب مادامت لدى أدوات الكتابة؟ quot;
ان الموضوع غنى ما فى ذلك من شك، ومهما بدا لي ان ما تبقى من عمري قصيراً فسوف يكون فى الهواجس والرعب والعذاب الأليم، الذى يملؤه منذ هذه الساعة إلى ان تحين ساعتي الأخيرة، ما يكفى لأستهلاك هذا القلم ونفاذ هذا المداد كله. ومن جهة أخرى، فأن الوسيلة الوحيدة التى أستطيع بها ان اخفف بعض الشيء من آلام هذه الهواجس هي ان ألاحظها ثم أصفها، فهذا خليق بأن يسرى عنى بعض التسرية
وفوق هذا، فأن ما سأكتبه هكذا قد لا يكون عديم النفع. فهذه المذكرات التى تسجل آلامي ساعة فساعة ودقيقة بدقيقة، وعذاباً أثر عذاب - لو أنى وجدت فى نفسى القدرة على تدوينها حتى اللحظة التى سوف يستحيل على جثمانياً ان اتابع كتابتها - إذ ان قصة مشاعري التى ستبقى حتماً ناقصة بلا نهاية وان كانت كاملة من حيث طاقتي - هذه المذكرات التى تحمل ما بين طياتها عظة كبيرة وعميقة؟ ألن يكون فى هذا السجل المدون عن الفكر وهو يحتضر، وعن الآلام التى تتزايد باستمرار
هذا النوع من التشريح العقلي لإنسان محكوم عليه بالموت
ألن يكون فيه أكثر من درس لأولئك الذين يصدرون مثل هذا الحكم
نعم.. فقد تجعلهم قراءة هذه المذاكرات اقل تسرعاً وتحملهم على شيء من التروي فى المستقبل عندما يكون الأمر متعلقاً بإسقاط رأس يفكر، رأس انسان، فيما يسمونه ميزان العدالة
قد لا يكون هولاء التعساء فكروا قط فى هذا التتابع البطيء لألوان العذاب التى تنطوي عليه هذه الصيغة الموجزة التى ينطق بها فى استخفاف ( الحكم بالأعدام )
ترى هل وقفوا قط مرة واحدة فحسب، عند هذه الفكرة الأليمة ليروا ان فى هذا الإنسان الذى يقطعون رقبته ذكاء كان قد اعتمد على الحياة، وان فيه روحاً لم تكن قد تهيأت بعد للموت؟
ان هذه المذاكرات سوف تظهر لهم أنهم مخطئون، وقد يتاح لها ان تنشر فى يوم من الأيام فتفتح أعينهم لحظة على ألام النفس التى لا يشك احد منهم. أنهم يفخرون بقدرتهم على القتل دون ان يتألم الجسم تقريباً بسبب سرعة المقصلة فى أنجاز مهمتها الدامية، غير ان هذا ليس كل ما فى الأمر، إذ ما قيمة الألم البدنى إذا قيس بالأم النفس
nbsp;أننا لنشمئز من هذه القوانين الموضوعة على هذه الصورة التى تتحرك أنفسنا شفقة عليها، وسوف يأتي يوم تكون فيه هذه المذاكرات، هي الأسرار الأخيرة لإنسان بائس، وقد أسهمت فى هذا المضمار.. اللهم ألا إذا عبثت الريح بعد موتى بهذه الأوراق الملطخة بالوحل فى فناء السجن او لصقها سجان على شكل نجوم فى نافذة مكسورة الزجاج فى حجرته فنتعفن هناك تحت المطر
وسواء اكان ما اكتبه هنا يمكن ان يكون يوما ما نافعاً لغيري، أم انه أوقف القاضي وهو يهم بالنطق بالحكم، أم انقذ البائسين من أبرياء ومُذنبين، أنقذهم من الاحتضار الذى حكم به على.. فلماذا كل ذلك؟ وما فائدته؟.. وما أهميته؟..
ماذا يهمني ان تقطع رؤوس أخرى بعد ان يكون رأسي قد قطع؟
هل استطعت حقاً ان أفكر فى هذه الفكرة الجنونية، فى ان اقذف بالمقصلة على الأرض واهدمها بعد ان أكون قد صعدت عليها؟
وهل لي ان أسألكم قليلاً: ماذا سيعود على من تحطيم المقصلة بعد ان أكون ضحية لها؟
أه.. ان الشمس، والربيع، والحقول المملوءة بالأزهار، والطيور التى تستيقظ فى الصباح، والغيوم والأشجار، والطبيعة، والحرية، والحياة.. كل ذلك لم يعد لي منه شيء
رباه... انه أنا الذى يجب إنقاذه.. !
هل صحيح ان هذا غير ممكن؟
هل صحيح ان الأمر هكذا؟
يا الهي... ان هذه الفكرة الرهيبة لتدفعني إلى التفكير فى تحطيم رأسي على جدار زنزانتي quot;

يتبع...

لا أنا بل نعمة الله التى معي


جورج شكري
[email protected]
[email protected]