حيث أننا لم نعد نحفل بالتاريخ الذي وضعناه خلف ظهورنا، فقد أعتقد بعض السياسيين أن الذاكرة العراقية أصبحت ضعيفة، وتخللها الكثير من العثرات والخلل، وبالتالي جعلها تصاب بانعدام الذاكرة، وهذا الوهم لايجد له شيء من الحقيقة، ولا يقنع سوى أصحابه، حيث إننا في العراق لم نزل نسحب ورائنا هذا التاريخ بكل خيباته وهزائمه، ونقرأ التاريخ بعيدا عن التزييف والتزوير الذي أرادته السلطات، فنتعرف على الرموز والحقائق في الفترات التي مرت على العراق، مثلما نقرأ أسماء الشهداء والضحايا، فأننا نقرأ أيضا أسماء المجرمين.


ولابد أن يتم تقييم الأحداث بنتائجها، وانسجاما مع المنطق يجب أن تكون كل مرحلة من مراحل الحياة العراقية لها سلبياتها وإيجابياتها، كما أن لها أسبابها وشخوصها، وضمن تلك الفترات الزمنية العصيبة حكم العراق أشخاص ورموز وأحزاب واتجاهات سجلها التاريخ العراقي بكل ما لها وما عليها.
ومن سلاطين وأمراء حتى الدولة العثمانية التي ولت على العراق ولاة عدة، ومرورا بالملوك الذين تعاقبوا على حكم العراق، وبداية العهد الجمهوري وحكم عبد الكريم قاسم، ومن ثم في الانقلاب الذي قاده حزب البعث في الثامن من شباط 1963، وبعده في انقلاب تشرين الأول 1963 وحكم عبد السلام عارف، ومن ثم في حكم مورثه شقيقه عبد الرحمن عارف، ومن ثم في انقلاب 17 تموز 1968 وحكم حزب البعث مرة أخرى.
والمتمعن في تلك الفترة يجد أن حزب البعث حكم العراق مرتين خلال حقبة زمنية واحدة، وخلال الفترة الأولى أضاع فرصته في تكريسه كل السلطة من أجل الانتقام والقتل الذي روع العراقيين وترك ذاكرتهم ممتلئة بالرعب والكراهية والحزن، فأضاع الإنسان الذي جعله طعما للموت في أقبية الحرس القومي ومقرات التعذيب، وملأ السجون بالشباب، و هرب من العراق من هرب وعرف الهجرة لأول مرة في تأريخ العراق السياسي، وأضاع الوطن الذي عرضه للمخاطر والتقسيم والبيع، ومن ثم في ضياع فرصة الحكم وتجسيد الأهداف والشعارات التي طرحها في برنامجه السياسي.


وبعد تلك الأحداث التي بعثرت العراق فان الذاكرة العراقية بقيت خزينا طريا ويتسع لكل الفواجع التي أحدثها البعث في العراق، والتي تم ارتكابها من قبل قيادات سلطة الانقلاب، تلك السلطات التي شرعنت للعنف الجماعي بشكل لم يسبق له مثيل،وطبقت الاجتثاث وفق مفهومها مستحدثة أساليب وطرق غير معهودة في العمل السياسي وفي منطق الاختلاف.


وإذا كان العراق أنتقل من سياسة العفو عند المقدرة الى سياسة الانتقام، فأن التاريخ العراقي سجل بآسى وحزن كبير ما أقترفه البعث تجاه شعب العراق، وما تركه من آثار ليس من السهل أن يتم التئامها أو نسيانها.
وحين حدث انقلاب عبد السلام عارف لم يمارس الانتقام بقدر ما أنصرف الى تحجيم دور البعثيين ومنعهم من الحكم، محققا بذلك ماكانت الجماهير العراقية تريده، غير انه أستمر بممارسة النهج الشوفيني والطائفي الذي تميز به، وأستمر عليه من بعده مورثه عبد الرحمن عارف، الذي عاد يهادن البعثيين ويسلمهم المراكز الحساسة في عصب الجيش والدولة، فانقلبوا عليه من داخل قصره، وتوفرت فرصه ثانية كررها التأريخ مرة أخرى لحزب البعث لحكم العراق.


والمتمعن في بيان الانقلاب الأول يستقرأ الهواجس التي كان يشعرها حزب البعث تجاه الجماهير العراقية، من خلال تلك الوعود والشعارات التي أطلقها، وبالرغم من توجس الجماهير من سلطة البعث، فقد كانت فرصة سانحة للحكم المدني ومساحة يمكن أن يسعى الحزب لتحقيق معالم الديمقراطية، إلا أن سيطرة العشائرية وحصر السلطة في البيت الواحد ومن ثم في أطباق القائد الأوحد والرئيس الوحيد على جميع مقاليد الحكم، وتغليب منطق الحزب القائد والواحد، وإلغاء الآخر ومحاربة جميع الأحزاب السياسية بنفس منطق الموت الذي جرى على العراق بعد الثامن من شباط 63، وأزداد سعير الطغيان والبطش منسجما مع قدرات السلطة المتنامية هذه المرة.


وبغية عدم الاسترسال في تقييم الأحداث، والتركيز على نقطة جوهرية معينة في الحياة السياسية العراقية، وهي توفر فرصتين تاريخيتين للبعث العراقي في الحكم، وفشله الذريع والمريع في توفير أبسط مستلزمات كرامة العراقيين واستقرارهم، وفشل الحزب في تطبيق أدنى الشعارات والأهداف التي طرحها في برنامجه السياسي، وفشله في فهمه واعترافه بالحقوق القومية المشروعة في العراق، وعدم وجود أية نقطة التقاء مع جميع الأحزاب والقوى السياسية العراقية، وبهذا فقد انتهى الحزب الى قطيعة كبيرة بينه وبين جماهير العراق.


ويقينا أن من سعى الى إصدار قانون اجتثاث البعث أخطأ خطأ فادحا، حين تصور واهما أن جميع منتسبي البعث كانوا يؤمنون ويعتقدون حقا بأهداف البعث، وأعتقد واهما بأن جميع هذه ألأعداد من ضمن المتمسكين بالبعث، غير عابئ بسياسة السلطة البعثية التي أرغمت جميع العراقيين على الانتساب للحزب في سياسة تبعيث المجتمع، وغير ملتفت الى الممارسات الأمنية في تسقيط السياسيين العراقيين من بقية الأحزاب وإجبارهم على الانتماء للبعث تحت يافطة النشاط الوطني، وغير عارف بوجهة نظر العراقيين تجاه هذه الفرص التي وفرتها السلطة مرتين للبعث وفشله في قيادة العراق بعقل وحكمة.


ولو قدر للبعث أن يبقى ضمن المتبقي من الأحزاب السياسية التي أراد أن يجتثها، لسقط ولم يستطع الوقوف على رجليه، لو قدر للبعث أن يبقى لما استطاع البعثيين أن يلموا عشرة من المائة من تلك الأعداد التي انسحبت منهم الى الأبد، تلك الجماهير التي أدركت خيبتها من تلك الجرائم الوطنية التي تلطخ بها أسم البعث في العراق، ولو قدر للبعث أن يبقى دون اجتثاث لما أستطاع البعثيين أن يجاهروا بين الناس.
وتنطلق اليوم الأصوات الداعية الى المصالحة الوطنية، ولم الصفوف في هذه المرحلة الخطيرة من حياة العراقيين، وبالنظر لما يمر به العراق من وضع مأساوي يستوجب على جميع الجهات السياسية التناخي لدرء هذا الخطر، وبالتالي التوافق وفق القواسم المشتركة في الحدود الدنيا ضمن هذه المرحلة في جبهة عراقية وطنية لإنقاذ العراق.


بعد سقوط الدكتاتورية وهروب قيادات البعثيين الى دول الجوار، ظن العديد منهم إن السلطة لابد وان تعود إليهم مرة أخرى اعتمادا على هروب الدكتاتور، وحين تم إعدام الطاغية، بقي العديد منهم يتشبثون بوجود المعلول عزت الدوري، وأنشق الحزب الى كتلتين، الأولى يفترض أن يقودها عزت الدوري، والثانية يقودها محمد يونس الأحمد.


وقيل أن هناك حوارا واجتماعات بين تلك الجماعات بشقيها وبين السلطة العراقية، أو بين تلك الجماعات وأحزاب وشخصيات عراقية، غير أن بيانات البعث نفت ذلك، مثلما نفى ممثليه كل من المدعو أبو محمد وأبو وسام الجشعمي كل تلك الأقاويل التي تزعم أن حوارا أو اجتماعا بصدد تلك المهمة قد جرى مطلقا، وتبادل الشطرين الاتهامات وأصدر كل منهما بيانا يتهم فيه الثاني اللقاء مع الأمريكيين والخيانة، وأجرت عدة قنوات تلفازية حوارات مع المدعو أبو محمد والجشعمي، غير إنهما اتفقا على أن الأحزاب الموجودة الآن في العراق جميعهم من الخونة السائرين بركاب الأجنبي، واغلب تلك القيادات عملاء للاحتلال، وان قوى البعث اليوم هي من تقود المقاومة المسلحة، وأدلى الجشعمي بمعلومات خطيرة حين صرح أن العديد من البعثيين اليوم انخرطوا ضمن الأحزاب الدينية ليساهموا في ارتكاب المهمات ضد الاحتلال، وإنهم لم يخفوا تنسيقهم مع تنظيم القاعدة الإرهابي مادام الهدف واحدا، غير انه نفى أن يكون البعثيين أو الإرهابيين يقصدون قتل المواطن العراقي، كما أكد السيد غزوان الكبيسي نائب الأمين العام للحزب في لقاء بثته قناة العربية زعم تعاونهم مع القاعدة الإرهابية ضد الأمريكان والصفويين، وان البعثيين موجودين في الفصائل العسكرية وأن الجماعات الإسلامية ممتلئة بالبعثيين اليوم.


ونقلت الصحافة أن تصريحات رئيس الوزراء العراقي السابق إياد علاوي حول توسطه في مفاوضات بعثية - أميركية بلبلة في صفوف البعثيين داخل العراق وخارجه، وتبادل جناحا الحزب بقيادة عزة الدوري ومحمد يونس الأحمد الاتهامات.
وفيما هاجم جناح عزة الدوري تصريحات علاوي، اعتبر جناح الأحمد تلك الخطوة laquo;خيانة كبيرة )).

واعتبر أبو وسام الجشعمي القيادي في تنظيم البعث في اتصال هاتفي مع laquo;الحياةraquo; هذه التصريحات (( جزءاً من حملة عدائية مبرمجة تقودها أميركا وعملاؤها للنيل من مكتسبات الحزب في مجال المقاومة المسلحة ضد الاحتلال من جهة وزعزعة الثقة بين قواعد التنظيم في الداخل وقيادته في الخارج لتفتيت الحزب وإضعافه((. واتهم )) أطرافاً عربية يشهد التاريخ السياسي للحزب بتآمرها عليه منذ أكثر من نصف قرن بمحاولة كسر شوكة المشروع النهضوي والثوري ضد الاستعمار داخل العراقiexcl; ساهمت ولا تزال في إيقاع الفرقة وبث الفتنة داخل أكبر تنظيم قومي في الوطن العربي )).


وإزاء تلك النظرة الأتهامية تجاه جميع المكونات السياسية، لم يجد البعث انه أخطأ بحق العراق، ولم يجنح لمراجعة ذاتية إزاء سياسته خلال تلك المراحل، ولم يتعرف البعث بعد الى الأخطاء والخطايا التي أدت الى احتلال العراق، وكما لم يبين البعث نظرته الى كيفية تقويم العملية السياسية،ولا لكشفه أطر التعاون مع التنظيمات الإرهابية في العراق، ومدى تحمله مسؤولية قتل العراقيين الأبرياء ومساهمته في أرباك الأمن، وبقي يعتمد نفس اللغة التخوينية للأخر.


كما أن البعث يتبرقع اليوم بغطاء تحرير العراق من الاحتلال، وكأنه يتهم كل شعب العراق بالرضوخ للاحتلال وغض النظر عن تلك الملايين التي أقرت الدستور وانتخبت قيادتها الشرعية، ويعلن أنه من يقود المقاومة الوطنية في العراق، بنفس الوقت الذي تنفي فيه فصائل مسلحة تقوم بعمليات أية مشاركة فعلية للبعثيين، كما تنفي الأخبار وتؤكد العشائر العراقية على عدم صحة هذا الزعم الباطل، كما يصطدم الزعم المذكور بانحسار العمل العسكري ضمن منطقة محددة بين ديالى والموصل بعد تنظيف الأنبار من الجماعات المسلحة والإرهاب الدولي، ما يعني عدم صحة وجود البعث إلا ضمن هذا الشريط الذي بدأ ينحسر ضمن صحوة الأنبار والموصل وديالى.


وبصرف النظر عن هذا فأن الموقف تجاه المصالحة الوطنية وتطبيق مشروع المسائلة والمصالحة، والإدراك فعليا حجم البعث الحقيقي في العراق، وخصوصا بعد النهاية التي لقيها الدكتاتور، فأن قضية ملاحقة مرتكبي الجرائم بحق العراقيين لن يتوقف، لأن الجريمة لاتسقط بالتقادم، ومن أرتكب فعلا جرميا بحق العراق أو العراقيين يحاسب عليه وفق القانون، وبصرف النظر عن الموقف الذي تعتمده بقايا البعث وهي تطلق إعلامها من خارج العراق بدعم ومساندة عربية توفر لها الفضائيات والقواعد، فأن عليها أن تدرك أنها خاضت تجربتين في السلطة العراقية انتهت بها الى الفشل المروع والكارثي، وأن التاريخ العراقي سجل للبعث كل تلك الكوارث ولايمكن بأي حال من الأحوال أن يخفي التاريخ كل تلك الحقائق حتى يمكن التحدث عن الوطنية والشرعية.


وأزاء مشروع المصالحة الوطنية يجد العراقي نفسه أمام حقيقة لايختلف عليها أحد، وهي أن القتلة ومرتكبي الجرائم ضد أبناء العراق لايمكن المصالحة معهم بأي شكل كان، وان أمام بقية البعثيين ممن لم تصل جرائمهم الى الجنايات أن يعودوا الى حضن العراق ويساهموا في تخليص العراق من وضعه الإنساني، وبالتالي يساهموا في ترميم العراق وبناء الأسس الديمقراطية والفيدرالية للعراق الجديد، وأن على البعث إن أراد أن يعود بأية صيغة كانت أن يعلن للعراقيين عن الأخطاء التي أرتكبها أو ارتكبتها قياداته، وأن ينتقد تلك الخطايا التي سببها للعراق، وأن يعتمد لغة سياسية جديدة تليق بالعراق، تاركا اللغة القديمة وكل مفردات الأمن العام والمخابرات والأمن الخاص والاستخبارات التي كانت تطغي على بلاغاته المليئة بالعبارات المنتفخة.

زهير كاظم عبود