كتب السيد علي سيرينى فى يوم الجمعة الماضية فى ايلاف مقالة بعنوان: (الموضوعية فى صدام حسين دون موالاة او معاداة). وليتنى لم أقرأها لأننى بعد قراءتها وقراءة التعليقات عليها اضطررت الى العودة الى هذا الموضوع الكريه الكئيب.

لا أجد مغزى لتلك المقالة سوى التبرير للأعمال الاجرامية التى قام بها صدام حسين طيلة أكثر من ثلاثين عاما جثم فيها على صدور العراقيين وأشاع الرعب فى نفوسهم، فكان الانسان العراقي لا يسير فى شارع الا ويلتفت خلفه خوفا من أن يكون متابعا من أجهزة المخابرات والاستخبارات والأمن وغيرها من المؤسسات الارهابية التى أنشأها صدام لحمايته وحماية حكمه الدموي. وحينما كان العراقي يخرج من بيته يودع أهله وكأنه يتوجه الى ساحة قتال، اذ لم يكن أحدا يدرى مالذى سيجرى له على ايدي تلك الأجهزة.

يقول السيد سيريني ان الجيش العراقي (جيش صدام بالأحرى) دمر قريته التى كان يسكنها فى شمال العراق مرتين، ولكنه يقول فى موضع آخر ان محكمة صدام لم تكن عادلة اطلاقا. ترى الا يكفى تدمير قريته مرتين لاعدام صدام؟ وماذا عن مئات القرى التى دمرها صدام فى الشمال ومثلها فى جنوب العراق؟ كم من العراقيين قتلهم صدام فى تلك الغارات التدميرية؟ ويقول: (قد يكون العراق أول من بدأ الهجوم على ايران، لكن ايران هي التى بدأت الحرب جوهريا عبر الأيدولوجية المذهبية الثورية وتصديرها الى العراق ودول المنطقة). لم تكتمل سنتان على قيام الجمهورية الاسلامية وهاجمها صدام، فكيف وجد الايرانيون الوقت لتصدير ثورتهم المذهبية المزعومة؟ ومتى كان تصدير المذاهب يدعوا الى حرب مدمرة تقتل مئات الألوف؟ ألا يستحق صدام الاعدام على هذه المجزرة التى كانت بداية تدهور العراق السريع؟ ثم يقول السيد سيرينى: (اما السنة فانفردوا بالمركز منذ البداية وأقصوا العناصر الأخرى فى خطأ تأريخي كبير). هل يجهل السيد سيرينى ان هذا الخطأ (كما يرى) هو السبب فيما يعانيه الآن شعب العراق من تشرذم وكراهية بعضهم للبعض الآخر وقتل وسيقتل
بسببه عشرات الآلاف منه؟ الا يستحق صدام وصحبه الاعدام على ذلك؟

ويقول السيد سيرينى: (تحركت دولة الكويت تستفز نظام العراق (يقصد صدام) حيث تسببت فى غزو كارثي)، ولم يكمل قصة الغزو الذى دمر الكويت والذى سبب مجىء أمريكا وحلفائها الى الشرق الأوسط وتدمير العراق وعودته الى العصر الحجري كما حذر بوش (الأب) صدام ولم يلتفت الى هذا التحذير ولا الى تحذير حكام الخليج أو حسنى مبارك وغيره، وصورت له حماقته بأنه قادر ان يدحر جيوش 30 دولة بما فيها من جيوش عربية. والأغرب من ذلك انه بدأ بعد اندحاره وخضوعه للأمريكان يتلاعب مع المفتشين الدوليين فأنذره بوش (الابن) بمغادرة العراق مع ولديه ليسلم العراق من تدمير جديد، ورفض كالعادة، وعادت الصواريخ والقنابل تتهاوى على رؤوس العراقيين، وفر جيشه الذى وضعه بأمرة ولده قصي وابن عمه على الكيمياوي اللذين لا يعرفان عن العسكرية اكثر مما يعرف عنها ماسح الأحذية فى شوارع بغداد. وتكرر ما حصل فى السابق وقتل مئات الألوف مرة أخرى. اذا لم يستحق صدام الاعدام على كل هذه الجرائم المنكرة فمن ذالذى يستحقها؟ ولا ننسى انه كبل العراق بديون تزيد على المئة مليار دولار صرفها على حروبه الفاشلة.

ويتجاهل السيد سيرينى دور صدام وحزبه فى القتل والخراب والتدمير بعد سقوط حكمهم، حيث احتضنت بعض دول العربان عائلة صدام وقادة حزبه الفارين الذين اختطفوا البلايين من الدولارات من أموال العراق، وأخذوا يؤججون الفتن الطائفية وتخريب كل ما يقوم به النظام الجديد من اعمار ويلقون باللوم على الحكام الجدد وعلى الأمريكان. وتعاونوا مع ارهابيي القاعدة على القتل والتفجيرات. ومن أحط ما عملوه هو ايهام بعض السنة بأن الحكم الجديد طائفي يخضع لأيران فوقع هؤلاء فى الفخ وتخيلوا انهم فقدوا صدام (حاميهم كما ظنوا) وهم فى الحقيقة لم يسلموا من تنكيله وقتل العديد منهم على عهده المباد. وحصل نفس الشيء لبعض الشيعة فان مساعدة بعض الدول العربية السنية للسنة المعارضين دفعتهم الى أحضان ايران المتلهفة لكل فرصة للنفاذ فى العراق.

ربما كان صدام وطنيا مخلصا كما يقول السيد سيريني، ولكنه وكما أصبح واضحا فيما بعد من هزائمه المتكررة فى كل المعارك التى زج العراق فيها، وانزل بالعراق بلاء لم يعرفه طيلة تأريخه ومنذ وجوده. لم تكن له خبرة سياسية ولا خبرة اقتصادية ولا خبرة عسكرية، وهى المقومات الثلاث التى يحتاجها حاكم دولة، أو على الأقل واحدة منها، لينجح فى قيادة شعبه. وكما أصبح الآن واضحا أيضا ان خبرته كانت تنحصر فى المؤامرات والاغتيالات التى يشهد له الجميع بالبراعة فيهما. تدخل فى كل الأمور التى يجهلها، فجادل ضباط الجيش القدامى المحترفين، واعترض على كبار المهندسين من كل الأصناف، وتدخل بقوة وعنف فى اعمال القضاء، وجادل أساتذة الجامعات فى مواضيع من ضمن اختصاصهم. وباختصار فانه كان يعتبر نفسه فوق الجميع بدون استثناء. أحاط نفسه بمن يقولون (نعم سيدي.. صحيح سيدى.. صار سيدى.. تِؤمر سيدى) أما كلمة (لا) فهى غير موجودة فى قواميسهم، واذا أخطأ أحدهم وقالها فلن يلبث حتى يغادر الدنيا مرغما، ولربما يكرمه القائد بالسير فى جنازته و يسميه (شهيد الغضب).

صحيح ان صدام قام ببناء الطرق السريعة الحديثة، لكن هتلر قبله بنى طرق (اوتوبان) السريعة التى لا تزال هى الأعظم فى العالم، ولكن نتيجة حكمه كانت الحرب العالمية الثانية وضياع أكثر من خمسين مليونا من الأرواح ودمار شامل لألمانيا. ولكنه كان أشجع من صدام، فقد أطلق الرصاص على نفسه عندما يئس من صد الحلفاء ولم يلجأ لحفرة يختبىء فيها كما فعل صدام. دخلت جيوش الحلفاء المنتصرة مدنا مخربة تسكنها الأشباح. وبعد احتلال ألمانيا من قبل أكبر وأقوى دول العالم حينذاك، وكشعب ذكي واقعي عالي الهمة، بدأ فورا ببذل جهود جبارة لأعادة بناء ما خربه هتلر بحماقته وجهله ( فهو بالأصل كان نائب عريف فى الجيش) بالاضافة الى تدمير قوات الحلفاء. ولم تمض عشر سنوات حتى أصبحت ألمانيا من كبريات الدول الصناعية فى العالم، ثم تقدمت أكثر وبسرعة فائقة لتصبح ثالث أكبر اقتصاد فى العالم واول اقتصاد فى اوروبا اليوم.

كيف حصل ذلك؟ لم يضيع الشعب الألماني وقته فى خلافات دينية او قومية، ولم يتدخل رجال الدين او البابا فى شئون الحكم، ولم يتنازع البروتستانت والكاثوليك ويتهم أحدهم الآخر بالكفر، ولم تتشكل مئات الأحزاب، ولم تصدر مئات الصحف، ولم يختلف الحكام الجدد او يتنازعوا على المناصب أو يختلسوا أموال شعبهم، ولم يرجع حزب هتلر النازي الى الحكم أو يهرب الى دول الجوار للتآمر، ولم تتدخل دول الجوار، ولم يرسل أحد منها انتحاريين لتفجير انفسهم بين المدنيين. لم يحصل كل هذا، بل تصرف الجميع بكل حكمة وتعقل يجمعهم هدف واحد وهو اعادة بناء بلدهم لتهيئة مستقبل أفضل لأبنائهم و أحفادهم من بعدهم. وحينما كانوا يذهبون للانتخابات لاختيار قادتهم لم يختاروهم لمذهبهم او عقيدتهم او قوميتهم، بل اختاروا من هم على علم ودراية ووطنية ليضعوهم على الطريق الصحيح.

عاطف العزي
كندا