من بين الصور النمطية (stereotype) والقوالب والأحكام الجاهزة ضد المرأة، أنها قاصرة وquot;ناقصة عقلquot;، بمعنى القدرة العقلية على الإبداع والابتكار والإنجاز، بغض النظر عن التفسير المتعلق بأداء الفرائض الدينية. وهذه الأحكام تصنف من ضمن المخيال والأرث الاجتماعي والثقافي في مجتمعات البشرية، بصورة عامة وطيلة تاريخها على الأرجح. وهناك اتجاه يدعي الحجج العلمية وإن كانت ضعيفة. زاعما أن الفوارق البيولوجية ترجح كفة الرجل على المرأة. ولكن الأكيد، هو عدم إعطاء المرأة فرصتها الكاملة لتبدع في مختلف المجالات. ورغم اختصاصها بأمور تميزها عن الرجل وتعطل أدوارها هذه منها، الحمل وحضانة الأطفال وما ترتب عليها من أمور بيتية اختصت بها دون الرجل. وأن قصور العقل المرتبط بتكوين المخ مثلا وما الى ذلك، لا يصنف إلا في خانة الـquot;نظريات والفرضياتquot; العنصرية التي تضع ذوي البشرة السوداء مثلا بمرتبة أدنى والجنس الأبيض في المرتبة الأعلى وباقي الأجناس ما بينهما.


هناك من الحقائق التاريخية التي لم تحظ باهتمام كبير وخاصة من قبل quot;المرأةquot; نفسها كحجة لتعزيز موقفها، وتغيير تلك الصور النمطية، فبالإضافة إلى إنجازات مدام كوري، التي نعلمها في مجال أبحاث الكيمياء، تصَدُّر قائمة طويلة من المتفوقات في المدارس والمعاهد والجامعات لترتيب الناجحين سنويا، وبراءات الاختراع التي تسجل باسم نساء، هناك قائمة طويلة من النساء المخترعات والمبدعات للعديد من المنجزات العلمية والصناعية التي خدمت البشرية منها مثلا:
أن سترة الأمان (pallet-proof vest)التي يستخدمها رجال الشرطة اخترعت من قبل الأميركية ستفني كولك (Stephanie Kwolek) في عام 1966. وهي مصنوعة من معدن خفيف الوزن يسهل حمله أو لبسه. ونعلم جميعا أن لهذا المنجز العلمي والإنساني قيمة كبيرة في حفظ أرواح الآلاف من رجال ونساء الشرطة والأمن والجيش. بغض النظر عن هوية من يستخدمها من هؤلاء وما هي أغراضه. وبصرف النظر عن توظيفها من قبل بعض الساسة والطغاة لحماية أجسادهم.


وأما ماسحة زجاج السيارات (windscreen wipers)، فقيمتها عظيمة كما نعلم في حفظ أرواح الآلاف من مستقلي السيارات سواء سواقها أو ركابها العاديين. بالإضافة الى ما يذهب مصادفة ضحية تلك الحوادث الناجمة عن سوء الأحوال الجوية مثل غزارة الأمطار وتساقط الثلوج والضباب وغيرها. وقد كان للنساء عامة ولميري اندرسن (Mary Anderson) شرف ابتكار هذا الإبداع الجميل في عام 1903.


قد يصدق القول من يظن أن معظم ما ابتكرته النساء هو وثيق الصلة بحياتها اليومية أو تخصصها على الأرجح وتناغما مع مقولة quot;الحاجة أم الاختراعquot;، وذلك حينما نعلم أن من اخترع حفاظات الأطفال (disposable nappies) هي السيدة ماريون دونوفان (Marion Donovan) عام 1950. وفضيلة هذا الإنجاز هو عناية أكثر بالطفل والأم التي تخلصت من معانات غسل حفاظات القماش التي يعاد استعمالها مرات في ذلك الوقت. وقد فتحت بابا للاستثمار والعمل لمنتجي وبائعي الحفاظات الصحية التي تستخدم لمرة واحدة وترمى. وقد تكون سببا في تلوث البيئة وربما تفشي بعض الأمراض إن لم يحسن جمعها وإتلافها في أماكن مخصصة، حيث يقدر معدل استهلاكها بـ 55 مليون حفاظة يوميا في كل أنحاء العالم. على أن لا ننسى أن هناك مجتمعات وأسر فقيرة لا زالت تستعمل الأساليب البدائية في تحفيظ وتنظيف الأطفال ولا تفقه من الأساليب الحديثة شيئا، أو ليس لديها الإمكانيات المادية لذلك.


جوزفن كوتشرين (Josephine Cochrane)، هي التي ابتكرت غسالة الأطباق (dishwasher) عام 1886، بعد أن عانت من تكسير أطباقها من قبل خدمها، ففكرت باختراع هذه الآلة لتكون مريحة للخدم وربات البيوت وعمال المطابخ والمطاعم، حيث توفر الوقت والجهد.
وتسجل نسمث غراهام (Nesmith Graham) إسمها بأحرف من نور حينما أبدعت مصحح أخطاء الكتابة الطباعية خاصة، المادة البيضاء السائلة (tipp-ex). وقد حدث ذلك عام 1956. وهي كانت تعمل سكرتيرة، معظم عملها ينصب على الكتابة. فكانت تضطر بعد تعدد الأخطاء إلى تبديل الورق والجهد الذي أنجزته بآخر جديد وهكذا. فلننظر كم وفرت من مال وجهد ووقت حتى ظهر الإختراع الأبرز حاليا في تاريخ الكتابة والتدوين وهو الكومبيوتر، حيث يتم تصحيح الأخطاء آليا قبل طبعها على الورق.


لا تتوفر لدينا قائمة كاملة بالإبتكارات والاختراعات التي أنجزتها المرأة وبرهنت على أنها لا تقل شأنا عن الرجل لو أتيحت لها الفرص لتثبت ذاتها.

د. حميد الهاشمي
باحث في الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع-
[email protected]