الحلقة الأولى


قابلني بابتسامة باهتة تعلوها كآبة ويُغلفها حزن عميق.. سألته: ما الذي حدث؟.. ولماذا هذا الحزن؟..

أشاح بوجهه عني وتنهد تنهيدة كادت روحه أنْ تخرج معها.. أدركت حينها أنه إنْ لم يكن موت عزيز فهو إذاً عشق دفين لأنني أعرف صاحبي جيداً.. استنطقته فما نطق!.. استحلفته فما أجاب!.. أيقنت أنّ الإلحاح لن يُجدي وأنّ الإستجداء لن يُفيد.. تركته وجلست بجانبه أترم بابيات ٍ من قصيدة غزلية لعلها تستفزه للكلام.. وفي لحظة صمت قصيرة، قال: لقد انتهى كل شئ!.. قلت له: هذه هي الحياة!.. واستطرد: لقد ذهبت وأخذت معها روحي وأحلامي وتركتني أسيراً للهَمّ والحزن والشك!!.. إلتفت ُ إليه قائلاً: إذاً هو العشق؟.. قال نعم لكنه لم يعد كذلك.. وهنا كان يتوجب عليّ الصمت لأدع له ساحة الكلام.. فما خاب ظني وأكمل صاحبي قائلاً: لقد أحببتها حُباً نسيت نفسي معه وضحيت بها لأجلها.. لقد كانت هي كل شئ في حياتي.. كانت هي أنفاسي.. وكانت هي سمعي وبصري ومصدر إلهامي ومستودع أسراري.. كان صوتها لحناً يُطربني وكان حديثها شعراً يأسرني وكانت رؤيتها حُلماً يستهويني.. كان اسمها من أحب الأسماء إليّ وكانت أخلاقها هي الأنموذج بالنسبة لي.. كنت مأسوراً بجمالها وعقلها وحشمتها.. وكنت مبهوراً بجديتها مع خفة دمها وحيويتها ونشاطها.. ثم صمت صاحبي قليلاً أتبع هذا الصمت بتنهيدة أخرى عميقة، ثم أكمل قائلاً: ولكن لكل شئ نهاية وبعد كل حلم ٍ جميل يقظة.. قلت مُستفهماً: مالذي حدث؟.. هنا كانت الدموع هي الإجابة التي حصلت عليها.. فقد كان صاحبي يبكي كالطفل اليتيم الذي فقد والديه في غفلة من زمن ٍ بائس لا يشعر معه الإنسان بالإطمئنان أو الأمان.. كُنّا وقتها في سيارتي، فجعلت الحديث لآيات من القرأن الكريم قد تحمل معها شيئاً من الطمأنينة وراحة البال.. هدأ صاحبي وأنصت يستمع للقرأن، وأنصت ُ معه.. توقفت حينها عند إحدى محطات البنزين متذرعاً بحاجة السيارة لبعض الوقود، وكنت راغباً في أن أدعه مع نفسه لبعض الوقت لعل قطرات ٍ من دموع الحزن لم تخرج حياءً وخجلاً تجد مُتنفساً أثناء غيابي.. بعد دقائق عُدت للسيارة ومعي بعض العصائر والمياة الغازية وشيئاً من المأكولات الخفيفة تكفي للقيام برحلة قصيرة على إحدى الطرق السريعة.. وجدت صاحبي على صمته وهدوئه وهو يستمع للقرأن الكريم.. إنطلقنا باتجاه إحدى المُدن القريبة من مدينتنا، هُنا بادرني صاحبي متوتراً طالباً الإستدارة والسير بالإتجاه الأخر!.. نفذت طلبه على الفور فالرحلة له، وليس لي مأرب في تلك المدينة التي استفزته.. لكني أدركت وقتها أنّ ثَمة أمر خلف هذا التوتر!.. لم أكن لحُوحاً بالكلام ولم أكن شُغوفاً بالإطلاع على الأسرار ولذا مارست هوايتي المُفضلة في هذه الأوقات وهي الصمت.. ولعل نسمات الهواء العليل والمناظر الطبيعية الجميلة على الطريق السريع تفتح شهية صاحبي لاستكمال حديثة والغوص أكثر في تفاصيل حزنه وأنينه.. طلب صاحبي المكلوم أن نتوقف عند إحدى الهضاب التي تكسوها خضرة جميلة تفتح النفس وتريح النظر وتملأ الرئتين بأكسجين الحياة الخالي من تلوث المدن وصخب الحياة فيها ونفاق الناس فوق أرضها.. تباطأت في خطواتي لأدع لصاحبي حرية اختيار المكان الذي يناسبه.. توقف صحابي عند منطقة جميلة في هذه الهضبة الخضراء تسمح بالنظر للمدينة التي انطلقنا منها.. أخذ صاحبي هذا يُحدق النظر في تلك المدينة وكأن سكاكين الشوق تُقطع أوصاله وأهات القهر تعبث في أفكاره!!.. نظر إليّ صاحبي وقال: هل جربت الحب؟.. قلت نعم ولكن ليس بمفهومه الدارج.. قال كيف: قلت: جربت الحب بمفهومه التقليدي حيث احببت بعد أن ارتبطت.. قال: أه كم أغبطك.. قلت: ولِما؟.. قال: على الأقل تملك قلب محبوبتك وروحها.. قلت له: أفهم من هذا انك خسرت قلب محبوبتك؟.. قال: هي من خسر قلبي وحناني.. قلت: ولماذا إذاً هذا الحزن؟.. قال: لازلت أفتقدها وافتقد روحها وابتسامتها وهمسات صوتها!!.. هنا بدأت عينيه تغرق بقطرات من الدمع.. هدّأت من روعه قليلاً وقلت له: لقد انتهى الأمر ولا يجب أن تعيش في الماضي فهو لن يجلب لك سوى الأسى والألم.. عليك أن تنظر للأمام وتحلم بالمستقبل، فقصتك تجربة عاشها الكثيرون وسيعشيها أخرون فلا تُرهق نفسك وأعصابك كثيراً.. نظر صاحبي للشمس وهي تتجه إلى مسكنها وتختبئ خلف الغيوم لتشرق في أجزاء أخرى من عالم أخر.. بعدها أطلق شهقة من أنفاس ٍ لم تعد تخرج بسهولة وقال: كمْ يقتلني منظر الغروب.. إنه يذكرني كثيراً بها حيث اعتدت على لقاءها والإستمتاع بالحب الشريف معها والإستماع إلى صوتها، بل وإلى بكائها أحياناً وأنينها.. قلت له: لست أفهم!!.. طالما أحببتها كل هذا الحب فلماذا الفراق؟.. قال: إنه قدرنا الذي كُتب علينا!!..

قلت: وهل من سبيل للرجوع!!.. قال ليس بعد الخيانة رجوع ولا بعد الكذب حب!!.. قلت: هل أفهم أنها قد خانتك مع أحد؟.. قال: ليس واحداً أو اثنان، بل أكثر!!.. قلت إذاً هي لا تستحق مشاعرك ولا حتى قطرات ٍ من دموعك.. قال: وماذا عن مشاعري التي تحطمت، وعن أحاسيسي التي تبعثرت، وعن أوقاتي التي ضاعت معها!! بل وماذا عن شكوكي التي زادت تجاه كل أنثى!!.. لقد تلاعبت بمشاعري وتاجرت بعواطفي واستغلت عشقي لها لتلسعني أكثر بسمومها وتستفزني بجنونها وتقتلني بحماقاتها ونزواتها.. قلت له: لعلك اسرفت في سوء الظن بها، ولعل غيرتك عليها وعشقك الكبير لها قد أعمى بصيرتك تجاهها وربما تكون قد ظلمتها!!.. قال: سرها قد انكشف وسيرتها قد انفضحت وسلوكها اصبح حديث المجالس!!.. قلت له والدهشة تأسرني والفضول يتملكني: سترك يا رب، وكيف هذا؟.. قال:؟؟؟


بقية القصة في الحلقة الثانية!
* أحداث هذه القصة حقيقية لمُعاناة لازال صاحبها يتألم منها ومن تفاصيلها.. وقد صغت هذه القصة مع شئ من التغيير في الأحداث والذي لا يؤثر على مضمون القصة!!

خليل اليحيا