قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تؤكد أخبار الأقليات الدينية في البلدان الإسلامية من أندونيسيا في الشرق إلى المغرب في الغرب على تدهور خطير وبصورة لم يسبق لها مثيل في أوضاع المسيحيين، وتنبيء بأن اليوم الذي ستغيب فيه شمس مسيحيي معظم بلدان هذه القطعة الشاسعة من العالم يقترب منا بسرعة تفوق كافة التوقعات. يعود التدهور المطرد في أحوال المسيحيين في كل بلاد المسلمين من دون استثناء إلى البيئة السلفية المتخلفة التي تشهد غياباً تاماً لحرية العبادة، وانعداماً كاملاً لحرية العقيدة، وانتشار واسعاً للتطرف، وتفشياً كبيراً للعنف، وترعرعاً واضحاً للإرهاب، واستفحالاً منقطع النظير للتمييز الديني. الأمثلة على الاضطهادات التي يتعرض لها المسيحيون في الدول الإسلامية واضحة وجلية لكل إنسان شريف وعادل، وهي اضطهادات كثيرة تمتليء بها مجلدات وتقارير حقوق الإنسان.

يعيش المسيحيون في البلدان الإسلامية إما في ظل قوانين الشريعة الإسلامية المجحفة بحقوق غير المسلمين أو في ظل قانون شريعة الغاب الذي يلتهم الطرف القوي بمقتضاه الطرف الضعيف، وربما في ظل كليهما معاً. الخياران اللذان يتأرجح بينهما المسيحيون في العالم الإسلامي لا يوفران بالطبع للمسيحيين الحد الأدنى من الأمن والسلام والمساواة والعدل والحرية. فالشريعة الإسلامية تضمن فقط حقوق من يدينون بالإسلام، وتنزع عن غير المسلمين كل حقوق المواطنة. وربما لا نبالغ إذا قلنا بأن الشريعة الإسلامية تقسم البشر إلى قسمين القسم الأول يضم الأسياد المسلمين، والقسم الثاني يضم العبيد غير المسلمين. أما شريعة الغاب فتضمن حقوق الطرف ذي الأنياب الحادة التي تقطع بدون رحمة في جسد ضحيتها. وتقسم شريعة الغاب المجتمع إلى قسمين القسم الأول يضم الأقوياء كالأسود والذئاب والنمور، والقسم الثاني يضم الضعفاء المسالمين.

تفرض الشريعة الإسلامية قيوداً كبيرة على غير المسلمين وتنال من كل حقوقهم السياسية والمدنية والدينية والاجتماعية. فعلى سبيل المثال لا تسمح القوانين الإسلامية لغير المسلمين بتبوء المناصب السياسية والقيادية. وقد أكد المهدي عاكف المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين التي تدعو لتطبيق الشريعة الإسلامية على هذه الجزئية في حوار له مع إيلاف بتاريخ 22 آيار/مايو الماضي حين رفض ولاية المسيحي على المسلم فقال quot;في ما يخص وصول القبطي إلي الولاية، فهذا أمر محل خلاف بين علماء المسلمين، حيث قال بعضهم انه جائز، ورأي آخرون انه غير جائز. ونحن نميل إلى الخيار الثاني انه لا يجوز، ولكن الرأي النهائي للشعب.quot;

ولا يغفى على حكيم منصف أن الشريعة الإسلامية تنتقص من حقوق غير المسلمين الدينية والمدنية حين تحد من أو تمنع بناء دور العبادة الخاصة بهم، أو حين تفرض عليهم قوانينها في مجالات كالأحوال الشخصية والزواج والميراث وغيرها، أو حين تفرض على نسائهم الزي الإسلامي، أو حين تمنع أصوات الأجراس وعلامة الصليب فوق كنائسهم، أو حين تمنعهم من أداء الخدمة العسكرية، أو حين تجبرهم على اعتناق الإسلام وعدم الارتداد عنه، أو حين تنكر عنهم حرية التعبير والرأي والتبشير، أو حين تعرضهم لكافة أنواع الإعلام الدعوي الإسلامي، أو حين تجبر أطفالهم على دراسة التعاليم الإسلامية في المدارس، أو حين تسمح بتهكم شيوخ الإسلام على العقيدة المسيحية. ويبرر المسلمون الانتقاص من حقوق المسيحيين بدعوى أن البلاد الإسلامية quot;لها قيمها ومبادؤها التي يجب احترامهاquot; كما يقول مرشد الإخوان.

الأمثلة على إهدار الشريعة الإسلامية لحقوق المسيحيين كثيرة في كل الدول الإسلامية التي تتبنى الشريعة بصفة رسمية أو تجعل منها مصدراً أساسياً للتشريع. لعل عدم سماح السعودية للمسيحيين ببناء الكنائس أو حيازة كتابهم المقدس يعد أحد أهم هذه الامثلة. وربما قرار مجلس الوزراء الماليزي بمنع المسيحيين من استخدام اسم الجلالة quot;اللهquot; هو أحد أكثر هذه الأمثلة فظاظة. كما أن منع مصر العودة إلى المسيحية أو إقرار عبارة quot;مسلم سابقquot; في خانة الديانة ببطاقات الهوية هو أحد أبرز هذه الامثلة قسوة. ولعل القرارات المتشدد التي اتخذتها الحكومة الجزائرية بحق المسيحيين، والمحاكمات التي يتم إجراؤها للمتحولين إلى المسيحية تعد خير شاهد على إهدار الشريعة الإسلامية لحقوق المسيحيين في بلاد المسلمين.

وإذا كانت الشريعة الإسلامة تنتقص من حقوق المسيحيين لأنها تضعهم تحت رحمة القانون الإسلامي، فإن شريعة الغاب التي تسود في الكثير من الدول الإسلامية تنهي تماماً كل حق من حقوق المسيحيين لأنها تضعهم تحت رحمة واهواء ومزاجات الأفراد المسلمين. تتحول الأمور في البلاد التي تحكمها شريعة الغاب إلى فوضى حيث يقوم القوي بالفتك بالضعيف من دون خوف من قانون أو سلطة. بل أن الامر يتحول في كثير من الأحيان إلى استباحة القوي لحياة ودماء وممتلكات الضعيف. ولعل الزعيم الإرهابي المقيم في بريطانيا أبو حمزة المصري لم يكذب أو يبالغ حين ذكر في أحد أحاديثه أن المسيحيين في المجتمعات الإسلامية يجب أن يعاملوا كالأبقار حيث يحق للمسلمين مقايضتهم أو حتى ذبحهم حين لا يعود منهم نفع أو فائدة.

ولأن الأغلبية المسلمة تتمتع بكل المزايا وعلى رأسها القوة الكمية والكيفية، فإن الأقليات المسيحية الضعيفة كماً وكيفاً عادة ما تنسحق كالحملان الوديعة أمام قوة وجبروت وسطوة الأغلبية. ولعل الهجمات التي يتعرض لها المسيحيون في ماليزيا وأندونيسيا وباكستان والعراق وغزة ومصر والسودان ونيجيريا من قبل مسلمين، ولن أقول إرهابيين أو متطرفين، هي نماذج حية لما يتعرض له المسيحيون في ظل شريعة الغاب. ولقد كان الهجوم على أحد الأديرة المسيحية في جنوب مصر قبل أيام من أكثر الامثلة دناءة على ضياع حقوق المسيحيين في ظل قانون الغاب. وسواء كان الخلاف بين الدير والمسلمين على قطعة أرض كما تدعي الحكومة المصرية أو بسبب أخر فإن الهجوم على دور للعبادة وإحراق إثنتين من كنائس الدير كما ذكرت الأنباء يعبر عن مدى خساسة ووضاعة المهاجمين. ولعله من المفيد التأكيد على أنه من غير المفيد إيجاد أي نوع من المبررات للاعتداء الهمجي، فدليل الإدانة مطبوع بجلاء على جبين الكثيرين.

لا شك في أن هذا الحادث أو غيره من الحوادث المشينة التي يتعرض لها المسيحيون تعكس رداءة أوضاعهم في بلاد المسلمين. لم تكن كل الاضطهادات التي يعاني منها المسيحيون مجرد حوادث عارضة أو اعتباطية، ولكنها كانت عمليات مخططة ومنظمة رتبت لها ونفذتها نفوس امتلأت بالكراهية والحقد. ومن المثير للعجب أن يتفق المسلمون، باستثناء قلة قليلة واعية نقدر لها موقفها، على أنه لا يوجد أضطهاد أو تمييز ديني في البلاد الإسلامية. ولذا فإنه لا يبدو لي أن الغد المنظور سيحمل حلولاً لمشاكل شعبنا المسيحي في البلدان الإسلامية، إذ أن الأوضاع ستسير من السيء إلى الأسوأ طالما بقي إنكار مشكلة مشاعر الكراهية والحقد التي يكنها الكثيرون من المسلمين نحو المسيحيين. وأغلب الظن أن مستقبل الأقليات المسيحيية في بلاد المسلمين سيبقى داكناً طالما بقي قدرهم رهينة خياري الرضوخ للشريعة الإسلامية والخضوع أمام شريعة الغاب. فالخياران أحلاهما مر؛ مر بطعم العلقم لمتذوقيه من المسيحيين.


جوزيف بشارة
[email protected]