قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

صمم النظام السوري إبان فترة وجوده في لبنان خرائط مواجهات شاملة وكان يعلم ان هذه الخرائط ستكون الناظم لوجوده الفعلي في البلد سواء كان لا يزال فيها أم أصبح خارجها.


منطقة بعل محسن العلوية ومنطقة التبانة وسواها من المناطق السنية المجاورة كانت مسرحا لتركيب جغرافيا حقد كان دائما يُدّعم بالقتل والتنكيل التي كانت المخابرات تلجأ إليها ليس لبث الرعب فقط ولكن لجعل العداوة سيرة دائمة تتغذى في كل لحظة بالرغبة في الإنتقام التي كان تتأجل بانتظار الفرص المناسبة.


كانت فرص الإنتقام تتقنن وتتمرحل وفق حاجات السياسة المخابراتية وهكذا يكون الضحايا أسرى تنكيلين، التنكيل المخابراتي والتنكيل الذاتي كون تقارب المناطق الذي يصل إلى حدود التداخل يجعل من حياة الناس المتربصين ببعضعهم البعض جحيما لا يطاق فهم يعيشون الخوف والرعب والحذر في كل لحظة فتكون حياتهم عبارة عن فقدان منظم وحقد عشوائي.


تعاني تلك المناطق حالة حرمان قاسية فهي لا زالت حتى هذه اللحظة قابعة في التجاهل والنسيان فلا تطالها الخدمات الأساسية ومن ينظر إلى الصور التي التقطت لتلك المناطق يعلم أنه من الصعب بمكان إسباغ صيغة سياسية واضحة وحاسمة على أي منها لأن حجم الفقر كبير إلى حد لا يمكن معه التفكير في السياسة فلا ولاء واضح ونهائي بل قابلية مطلقة للإستعمال من أي طرف جاهز لإدارة لعبة دموية انطلاقا من الأستفادة من هذا الفقر الخالق للمرارة الجاهزة للتحول إلى عنف ضخم وبلا اتجاه.


وحرص الأطراف جميعا على المحافظة على هذه الحالة فلم يرشح من جنة المستقبل ولا من جنة المخابرات ما يتيح لهذه المناطق أن تصبح محلا للعيش الطبيعي، بل كان المراد دائما تنظيم بقاء أهلها على قيد الحياة فقط وضمن نفس الشروط ونفس المستوى المعيشي المتدني لأن تغير هذا الوضع سوف يحرم الجميع من استعمال يأس هؤلاء الفقراء في السياسة التي لم تقدم لهم شيئا سوى الموت المجاني.


كل هذا يقول إن ما حدث أخيراً لم يكن بلا سياق بل كان يملك سياقا واضحا نابعا من حرص سوريا وحلفائها في لبنان على جعل منطقة بعل محسن بؤرة أمنية وعسكرية فتصبح بمثابة ضاحية جنوبية نموذجية تستقر في جغرافيا الشمال ويكون أبطالها هم الذين تتدفق عليهم شاحنات السلاح، وليس شاحنات الغذاء من وراء الحدود ليكونوا قادرين على تنفيذ عمليات جراحية موضعية ونظيفة على غرار الوصف الذي اطلقه نائب الأمين العام لquot;حزب اللهquot; الشيخ نعيم قاسم على غزوة بيروت. هذا السياق كان السياق المفترض ولكن يبدو ان تغييرا أساسيا طرأ في اللحظة الأخيرة إذ قدر ضباط المخابرات أن أهل بعل محسن غير قادرين على تنفيذ المهمة على خير ما يرام لأن معظمهم من البسطاء، وهؤلاء بالطبع لا يجيدون استخدام المدفعية الثقيلة التي استخدمت قذائفها لدك الأحياء المجاورة في القبة والتبانة ووصلت إلى طرابلس وشارع عزمي والميدان وجامع المنصورية لذا كانت العناصر القاصفة بمعظمها من غير سكان المنطقة على ما يؤكد شاهد عيان كان موجودا طوال فترة الحوادث في المنطقة.


شهود آخرون يرددون قصة عن مشكلة وقعت بين الجيش اللبناني وبعض المسلحين الموجودين في منطقة بعل محسن على خلفية محاولة هؤلاء تهريب شاحنات سلاح إلى داخل المنطقة. يروي الشهود أن المعارك دامت لفترة بعدها استطاعت الشاحنات العبور إلى داخل منطقة بعل محسن ثم اندلعت الأحداث المعروفة بعد ذلك مباشرة.


يطرح هذا الموضوع مسألة دور الجيش والقوى الأمنية وهل ينحصر دورها في ان تشهد على المشاكل أم تمنع وقوعها وخاصة أن المؤشرات على قرب وقوع إشكالات مسلحة كانت واضحة وقد أشار نائب طرابلس مصباح الأحدب بمرارة إلى أن تدخل الجيش والقوى الامنية لو كان قبل وقوع الأحداث بأيام أربعة لكان استطاع منع سقوط كل هذا العدد الضخم من الضحايا الذي وصل إلى عشرة قتلى واكثر من 40جريحا.


إذا فقد الناس ثقتهم بالجيش فإن أمنا ذاتيا سيتشكل وسنكون امام ظاهرة تسلح جماعية وبدائية حيث لا يعود أي دور للقادة السيساييين ممكنا وسيصار إلى نشر فكرة تقول إن أمن منطقة معينة لا يتركب إلا بواسطة تدمير ونسف المنطقة الأخرى وكان السيد حسن نصر الله قد أشار في أحد خطبه الأخيرة إلى مثل هذا الموضوع وانه ربما لن يستطيع ضبط جمهوره بعد الآن.
شهدت الأحداث الأخيرة ودائما وفقا لرواية شهود ظهورا كثيفا للعناصر السلفية من جهة التبانة والقبة وهؤلاء يسكنون المنطقة ولكن معظمهم ليسوا منها واللافت أن هؤلاء يستثيرون العداء ضد أبناء بعل محسن بحماسة كبيرة تستدعي ردودا عنيفة بالمقابل.لذا فإن السؤال هو من كان يحارب من في الشمال مادامت المعلومات المتفرقة تلتقي جميعها عند نقطة واحدة هي أن العناصر التي كانت تقاتل عمليا من الجهتين هي من العناصر الغريبة عن المنطقة.


nbsp;ويميل كثير من أبناء المنطقة إلى اعتبار المعركة بين عناصر متسللة من quot;حزب اللهquot; وبين السلفيين الذين يكنون العداء الشديد للشيعة ولإيران، وهذا النوع من العداء المذهبي هو الحاجة الأساسية للنظام السوري وحلفائه في البلد في هذه اللحظة لأنه كفيل فتح بوابات الإبتزاز على مصرعيها والإبتزاز هو الصيغة الأساسية الناظمة للسياسة السورية خاصة في لحظتها التفاوضية القائمة حاليا مع إسرائيل عبر المدخل التوسطي التركي. أمر أساسي فات هؤلاء هو أن السلفيين الذين يعتمد عليهم يكنون العداء نفسه للسعودية و ربما بوتيرة أشد وتاليا لن يكونوا محتضين سنيا أبدا وسيبقون حالة شاذة تستثير الرأي العام السني ضدها، مما يجعل إمكانية خلق فتح إسلام جديدة تتكون من التأثير على أبناء السنة في المنطقة وإغرائهم بالباع هذه الجماعة نوعا من السعي وراء المستحيل لذا ستبقى إثارة كل هذه الحوادث محتاجة إلى أن تصرف سورية وإيران المحلية اي حزب الله من رصيدها الحي الذي لن يكون ابناء الشمال أبدا ودائع مسمومة في مصارفها الدموية.


يبقى إن منع تكرار هذه الأحداث يكون بتحسين أوضاع أبناء هذه المناطق ولعل quot;تيار المستقبلquot; هو المطالب أكثر من غيره بالسعي إلى رفع الحرمان عن هذه المنطقة ليس لسبب طائفي وسياسي ولكن اولا وأساسا لدعم مشروع الدولة وإنجاح عهد الرئيس ميشال سليمان، إذ أن الكثير من أهل الشمال يعتبرون ان تأخر إرسال الجيش إلى المنطقة هو أمر يحتاج إلى أكثر من تبرير.

شادي علاء الدين

بيروت