وضعت القوانين الإلهية العدل للبشر حتى يعم السلام النفسي وتقل الصراعات القبلية تنسيقاً للقلوب، لينفتح كل إنسان على اخيه الإنسان بقلبه وإنسانيته ويخرج كل التعقيدات النفسية من الأحقاد الذاتية والشخصية الأنانية الناشئة من الثقافات والمفاهيم الظالمة، التي تسود كثيراً من المجتمعات العربية لتعيد وضع المرأة إلى ما كانت عليه في العصور الجاهلية وتحرمها مما هو حق لها في ميراث والديها.

وبتسلط الأخ بما يملك من سلطة يتمتع بها تجيز له بإعتقاده ظلم أخواته البنات، في حين أن الشريعة الإسلامية العادلة قد أنصفت الفتاة بحقها في الميراث، فجعلت لها حصة مقابل حصتين للذكر كونه يتحمل مسؤولية الإنفاق.

ومن خلال المفاهيم الخاطئة لتلك المسألة نرى أنه ساد على الثقافة العربية النظرة الدونية للأنثى المخزونة في العقول المريضة المتسربة من تاريخ ما قبل الإسلام حين كانت الفتاة تحرم من حقها في الميراث، بل وتعتبر من الإرث العائلي الذي يأخذه الذكر والذي بنظرهم لا يورث إلا من قاتل على ظهور الخيول!!!

وبالرغم من الإنفتاح الثقافي وحملات التوعية لنصرة حقوق المرأة في كل أنحاء العالم إلا أننا نجد في معظم أسرنا العربية تفضيلا للذكر على الأنثى في كل الأمور وإعطاء الأولوية إليه في إدارة شؤون أخواته بعد موت الوالدين مما يؤدي إلى تسلط الأخ على أخته في جميع أمور حياتها بما في ذلك الميراث العائلي، فتتحرك أنانيته الذكورية الناشئة من التربية المتحيزة في مجتمع يميز بين الذكر والأنثى، فيصبح الأخ سيدا ظالما يأمر وينهي والأخت شبه خادمة تلبي طلباته وطلبات زوجته إذا كان قد تزوج!!.

ومع مرور السنين أصبح وضع الفتاة العربية ليس بأفضل مما كانت عليه في عهد الجاهلية حيث أصبح من المتعارف عليه إجتماعياً في معظم البلاد العربية تسلط الأخ وتملكه لحق أخته في ميراث والديها هذا إذا أورثها الأهل أي ميراث.

أما إذا لم ترث شيئا فإنها تبقى تحت رحمة أخيها لتخضع لأوامره، أو تتمرد على مصيرها لإحساسها بالظلم والغبن فتتحول ساحة حياتها إلى صراعات ومشاحنات بينها وبين أخيها من جهة وبين زوجته من جهة ثانية، لينتهي هذا الوضع بأن تقوم بإختيارات خاطئة بقبولها أول طارق لبابها بنية الزواج لتتخلص من الظلم المجحف بحقها والذي تعاني منه.

وإن لم تحظ بفرصة زواج تدخل في حالة إكتئابية تدفعها لتهرب من البيت الذي تربت في كنفه لأنها مع مرور الوقت ستضعف مهما كانت قوتها النفسية كبيرة وتختم النهاية بالإنفجار المكبوت داخلها الذي تكون دائماً نتائجه سلبية لها ولمن حولها...

تبدأ فصول هذه القصة المأساوية بحادث مروع لفتاة إسمها ندى يودي هذا الحادث بحياة والديها ويتركها قطعا ممزقة تتنقل من مستشفى إلى أخرى لتتعالج من كسور في الحوض وتشوه كبير في جميع أنحاء جسمها
بعد أن كانت على أهبة الزواج لخطبة دامت سنتين تكافح بعملها كسكرتيرة عند طبيب هي ومن إختاره قلبها لتأمين المنزل الزوجي، ويمتد علاجها مدة سنة ونصف ليتبين بعدها أنها لا تقدر أن تنجب وترزق بالأولاد، فيتخلى عنها خطيبها بحجة أنه لا يقدر أن يبني مستقبله مع إنسانة عاقر، فتلملم جراحها وترضى بقدرها وحظها العاثر..

ولكي تكتمل فصول قصتها حزناً تعرف أن أهلها تركوا البيت لأخيها الوحيد وأن المال الذي ورثته والذي يماثل قيمة المال الذي ورثته أختاها، قد أنفقه الاخ على علاجها والعمليات التجميلية التي أجريت لها.. لتعيش تحت رحمة أخيها وأنانيته وتسلطه عليها هو وزوجته، ليحولا حياتها إلى جحيم من مضايقات ومشاحنات وضرب من قبل الأخ وكل ذلك ليجبرها أن تترك له البيت لينفرد به وزوجته..
لكن ندى ليس لها مكان آخر وأختاها متزوجتان ولا يقبل المنطق بأن تمكث عند صهريها ومضايقتها لهما في بيوتهم الصغيرة التي لا تتسع لشخص آخر...

وحتى تهرب من وجه أخيها وزوجته ولأنها لم تصل إلى مستوى تعليمي يتيح لها بوظيفة جيدة تعيل نفسها وتفتح بيتا تضطر أن تعمل في محل صغير لبيع الملبوسات بأجر زهيد يكفي لإطعامها.
بعدها يصل الأمر بأخيها أن يطردها من البيت بعد عراك كبير بحجة أنه لا يناسبه أن تخرج وتدخل مثلما تريد إلى بيته وأنها تحجز له حريته الشخصية، لتجد ندى نفسها في الشارع لا مأوى لها ولا معين سوى رحمة الله.

فتلتجأ إلى السيدة صاحبة المحل التي أشفقت عليها وعلى حالتها التي يرثى لها بعد تعرضها للضرب من قبل أخيها، وسمحت لها أن تنام في المحل حتى تتدبر أمرها.

وإستمرت على هذا الحال ما يقارب الثلاثة أشهر إلى أن دبرت لها صديقتها رجلا غنيا وارمل أراد الزواج، وأعجب بها عند رؤيتها، فأخبرته بقصتها مع أخيها ووضعها الصحي، فطمأنها أنه لا يريد أولاد لأن اولاده متزوجون ولديهم أولاد ويقيمون خارج البلاد وأنه يتزوجها لترافقه في رحلاته الإجتماعية وحياته الباقية.

فقبلت.. وتزوجا ولأنه مقتدر مالياً وأنعم عليها بالهدايا والثياب الكثيرة، ففرحت بحياتها الجديدة ومع وجود خادمة إرتاحت من الأشغال المنزلية بعد ما عانته من شقاء.

لكن مع مرور الوقت بدأت تشعر بأن هناك أمورا غير مقبولة تحدث من قبل الخادمة، فأخبرت زوجها أنها تريد إستبدالها فرفض وأخبرها أن هذه الخادمة لديه منذ سنوات عديدة تعود إلى وقت وفاة زوجته الأولى وأنه تعود عليها ولن يتخلى عنها مهما كانت مكانتها عنده لانها تعرف كل أمور حياته وكل شاردة وواردة في منزله، وهنا شكت ندى بالأمر وراقبت الخادمة لتكتشف أن هناك علاقة بينها وبين زوجها وأنها ليست المرأة الأولى التي يتزوجها بعد وفاة زوجته..
وهنا جن جنونها وواجهته بالأمر وخيرته بينها وبين تلك الخادمة، وبدل أن يمتثل لها هجم عليها هو والخادمة وبدأوا بضربها وطردوها من البيت، فلجأت إلى أقرب مركز شرطة ويستدعى الزوج ويطلقها ويعطيها حقها من نفقة المؤخر الذي قيمته عشرة الآف دولار..

ولكي لا ترجع إلى الشارع بعد ذلك! أوقف لها القدر ضابط الشرطة ليرسلها إلى أحد الجمعيات الخيرية بتوصية منه بعد أن اشفق عليها لتعمل وتنام عندهم.. ولتترك قصتها عبرة لكل فتاة عربية ظلمها أقرب المقربين لها، الأخ الذي يعرف إجتماعياً أنه السند والمساعد لأخواته الفتيات بعد موت الوالدين وفي أوقات الشدة...

حنان سحمراني
http://hananhanan.maktoobblog.com/