مؤيد الشيباني: سيلٌ من الأحداث والأخبار، سيلٌ من الكتابات والآراء، وسيلٌ من المغالطات وارتجال الكتابة..

الصحافة الألكترونية والمواقع العامة والخاصة العجيبة، والتي لها أول وليس لها آخر، تضعك أمام حيرة واسعة، بل تغرقك فيها الى حد الإحباط، أو الى حد أنك تشعر بلاجدوى من الدخول الى هذا العالم، لكنك بعد حين تعود اليه فيما يشبه الادمان، أو على أقل تقدير أنك ملزم بهذه الممارسة لأسباب عديدة.. ربما الخوف من العزلة، أو عزلة الورق التي بدأت تلوح في أفق الحياة اليومية! ولكن من أين تبدأ؟

هذا السؤال المتكرر بشكل ممل، لاإجابة له على الإطلاق، لأنك تبحث عن نص حار، نص نابع من احتراقات الروح، نص مجروح يأخذك الى قناعة أكيدة بأنك كتبت بدراية أكيدة وانفعال انساني عال وليس بافتعال، نص مختلف بفكرة مختلفة، وعلى هذا الأساس تتصاعد في كل لحظة عشرات الأفكار الى الذهن، لكنك تؤجلها ويعمل ناقدك الداخلي على مناقشتها قبل التنفيذ، وحين تختار احداها يعمل رقيبك الداخلي على تشذيبها واختصارها الى درجة الالغاء، لتختار فكرة أخرى وتتواصل العملية ذاتها حتى لم يبق لديك ماتكتبه، أو في الحقيقة لم يبق لديك استعداد للكتابة بأي شكل أو طريقة أو لغة..

إنك في لحظة ما تحسد هؤلاء الذين يكتبون باستمرار في أي موضوع وعن أي حدث عابر أو جسيم، ويطيلون في الكتابة الى حد عشرات الآلاف من الكلمات وكأنهم في وظيفة يومية بلا أي تردد ثم يذهبون الى حياتهم المعتادة! عجبا أليست الكتابة هي الحياة؟ بمعنى العجين الكلي المتشابك بين الكتابة وتفاصيل اليوم ورائحة المحيط وشكل الخطوات الى البيت ولون باب البيت وطعم الكلمة......؟ اذن على ماذا تحسدهم؟ هذه نصوص ليس لها بقاء سوى ما يعلق في الرأس من صداع وملل، هذه كتابة بلا شجر ولا طيور ولا نبيذ، هذه كتابة من فوق ليس لها هدف سوى وضع الاسم، انها كتابة الاسم فحسب... فهل أنتجت آلة السرعة سرعة القراءة؟ وهل الأخيرة تنتج كتابة سريعة بالعدوى؟ وهل الورقة والقلم وسائل تريث وعمق وتفكير؟ ربما، وربما أيضا ثمة شريحة من البشر مازالت على علاقة بحث ودقة مع الورقة أكثر انسيابية وتفاعل من حركة الأصابع على حروف الطابعة...

المهم أنك الآن في حيرة وصراع مع الكتابة، تذهب بعيدا وتقترب، ثم تذهب وتقترب مثل حركة عين ويد وشهيق وزفير الحائك الذي يخاف من بروز عقدة على جسد صفاء منتجه بعد فوات الأوان، والعقدة هي المغالطة والخطأ الناتج عن غياب التفكير فيما تكتب فهل أنت قادر؟ أم أنك تفضل الاسلوب الصحفي الذي ابتلع حتى النصوص الشعرية أحيانا وأحالها الى مجرد مشاهدات منقولة بسرعة بحجة (التلقائية).. إن التجديد اليومي لمحتويات المواقع والجرائد الالكترونية يستدعي بالضرورة كما ً هائلا من الكتابات بما يفوق تعبير المحرقة، مايعني فتح المجال أمام عدد هائل من المتابعين الذين تحولوا الى زيت في المعترك الحزبي والطائفي والعرقي والاقليمي والدولي، ومن الطبيعي أن يكتب هؤلاء من خلفية انتماءاتهم تلك، مايعني أيضا مزيدا من الضياع والتجهيل والغرق، بينما تراجعت تلك الكتابات التحليلية الرصينة أو الكتابات المعبرة بعمق عما حدث ويحدث..

أنت تحتفي بالنادر من الكتابات، وتقوم بعملية تخزين في صفحتك الخاصة على جهازك، ثم تعود إليها في ساعات حاجتك الى نافذة واسعة مفتوحة على أفق بعيد، وأحيانا تبحث عن عناوين البريد الالكتروني لهؤلاء الكتاب لتقول لهم إنك ممتن لهم على هذه الكتابات وعلى أساس أن للمبدع حقا عليك أن تقول له أنت مبدع وتشكره وربما أنت بذلك تضعه أمام مسؤوليته في الكتابة القادمة لكن هؤلاء مقلون جدا، والاقلال في الكتابة الجيدة يعني احترام النفس والقاريء والكلمة..

هل تريد أن تأخذ مثالا عن الموضوع المفتوح على مصاريعه أمام كتابة الجميع؟ اذن هو الموضوع العراقي العجيب الذي أصبح منذ سنوات معروفة مادة مجانية للمحرر والمذيع والمحلل والمتدرب والهاوي وعابري السبيل وعشرات بل آلاف الأسماء والأوصاف من الذين كتبوا من قبل والذين لم يكتبوا، والذين يتسلون في هدأتهم البعيدة أو يجربون..... هل نقول إن الكتابة في الشأن العراقي أصبحت مهنة؟ نعم يمكن قول ذلك، وربما يقول البعض ذلك أمر طبيعي لما للموضوع العراقي من أهمية سائدة، لكن المشكلة أن هذه الكتابات تتوزع على كتابة: جاهلة، مغرضة، ضيقة، بل وبطرانة بالمعنى القاتل، وانت عليك أن تتابع وأن تمر على كل هؤلاء ولو بشكل استكشافي لعلك تعثر على تلك الكتابة النادرة..... وتجدها فعلا بعد طول عناء! وربما تقول دع الناس تكتب، مالذي يضرك؟ فضاء مفتوح بعد قرون من الصمت والرقابة التقليدية المعروفة وبعد طغيان رأي السلطة وبعد غموض حالك انفتحت أبواب الفضاء في اهم تطور تكنولوجي ارتبط بحياة الناس مباشرة! حسنا هذا كلام مهم، ومثله الغناء الذي تحول إلى تجارة، أرباحها بالملايين، ينتفع منها المطرب ومدير أعماله وشركات الانتاج ومتعهدو الحفلات والفضائيات وليس لنا نحن سوى الزعيق والابتذال.. ومثله الكثير من المفردات المهمة في حياتنا تحولت الى لعبة، مجرد لعبة!


والحال هذه، كيف ومن أين تبدأ؟ إنك في حالة سكون يغلي، كل يوم تجلس إلى نفسك وتضرب برأس القلم على الطاولة كأنك تستدعي الجملة الأولى لكي تبني أول الجسر ثم تحلم بالعبور الى الضفة الأخرى، لكنك بعد ساعات من الدوران تجد نفسك عدت الى النقطة الاولى بلا قطرة ماء تبل بها ظمأك... حتى هذه الكتابة التي تزعم أنك أنجزتها بقيت لشهور محفوظة في صفحة التردد والتأجيل ثم حين قررت نشرها، ندمت، إنها حيرة الكتابة وصراع الأفكار في عالم لايعجبك، وأنت أيضا لاتعجبه!