قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الحلقه الاولى

الحلقه الثانيه

الحلقه الثالثه

العراق 1945- 1958: ازدهار ثقافي ونضج سياسي وانفتاح اجتماعي (4 من6)
بقلم إيريك ديفيس
تقديم وترجمة حسين كركوش

ورغم نقاط الضعف هذه، إلا أن المثقفين العراقيين نجحوا حقا في نسج علاقات مهمة مع الجمهور. والمثال الذي يرد إلى الذهن هو نجاحهم في تحويل المقهى العام إلى مؤسسة. إن تحول المقهى إلى مركز للنشاط السياسي الوطني يعتبر مؤشرا إلى الطابع المؤسساتي الذي طبع الانتجليسيا العراقية خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وهذا الطابع المؤسساتي institutionalization كان بالإمكان تلمسه من خلال تزايد حجم الانتليجيسيا، آنذاك، وكذلك توسع نتاجها الثقافي الهادف إلى تحدي التقاليد وفتح أفاق جديدة للتعبير، مثلما بالإمكان تلمسه من خلال دور الانتليجيسيا المتزايد في تحدي الدولة.
في الواقع، إن ظاهرة ارتباط مقهى عراقي معين باسم شاعر واحد أو مجموعة من الشعراء، لا يمكن اعتبارها ظاهرة جديدة في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فعلى سبيل المثال هناك عدد من الشعراء المعروفين، مثل جميل صدقي الزهاوي، ومعروف الرصافي، ومحمد مهدي الجواهري، ارتبطت أسمائهم بأسماء بعض المقاهي العراقية التي كان كل واحد منهم يرتادها، كمقهى الزهاوي، ومقهى الحيدرخانة (الرصافي)، ومقهى حسن عجمي (الجواهري)، ومقهى البرلمان (حسين مردان وعبد الأمير الحصيري). وبسبب ارتباط هذا الشاعر أو ذاك، أو هذه المجموعة من الكتاب أو تلك، باتجاه سياسي معين، فأن تلك المقاهي تحولت إلى ما يشبه المؤسسات العامة، تزود الجمهور التي يرتادها بوجهات نظر سياسية، وبمعلومات عامة. لقد ساهمت تلك المقاهي في توسيع أفق من يرتادها من الجمهور، لأن الناس لا تذهب إلى المقهى لمجرد شرب القهوة، أو التحدث مع الآخرين، فقط، أو الاكتفاء بقراءة الصحف، أو لعب النرد والدومينو، ولكن، أيضا، لمناقشة القضايا السياسية.
بالطبع، كان المخبرون السريون من بين رواد تلك المقاهي، خصوصا تلك التي اقترنت أسمائها بالنشاط السياسي، وهو أمر كان يدفع الشعراء الذين يرتادون تلك المقاهي، إلى أخذ الحيطة والحذر. وفي الواقع، فأن السياب وبلند الحيدري كانا قد كتبا قصائد مشهورة حول شخصية المخبر السري.(لسعدي يوسف، أيضا، قصيدة حول شخصية المخبر السري. ح. ك.)
إن طريق التجريب الذي شقه أفراد للانتلجيسيا العراقية، خلال فترة الخمسينيات، قاد إلى ظهور أنواع جديدة من المقاهي، غير مرتبطة، بطريقة مباشرة، بأفكار ومواضيع أدبية تقليدية. فعلى سبيل المثال، فأن المقهى السويسرية والمقهى البرازيلية أصبحتا بؤرا، تتم فيها مناقشة الاتجاهات الأدبية الجديدة، كالفكر الوجودي (36).
لقد استطاعت المقهى ربط المثقفين العراقيين بالجماهير، بطرق مهمة أخرى. ففي داخل المقهى، كانت تتاح للجمهور الأمي فرصة الاستماع لمن يقرأ الصحف بصوت مسموع. إما بالنسبة إلى القراء المعدمين، فأنهم كانوا يجدون في المقهى مكانا يتيح لهم قراءة الصحف مجانا، وهو أمر ما كانوا قادرين على فعله خارج المقهى، ويعدونه نوعا من أنواع الترف، بسبب ميزانيتهم الشحيحة. وقد ساهمت المعلومات المتداولة لدى رواد المقاهي، في نشر المشاعر الوطنية، وتلك المؤيدة لقيام نظام جمهوري. إن المواضيع الشعرية، التي غالبا ما يتم التعبير عنها بطريقة مواربة، ساهمت في خلق حساسيات جمالية، ليس فقط في أوساط الشعراء الذين كانوا يجهدون في إخفاء ما يضمرون من أفكار، وإنما، أيضا، في أوساط جمهور المتلقين الذين كانوا يبذلون جهدا في فك مغاليق تلك المواضيع الشعرية. وبالنسبة إلى الشاعر والمتلقي، كليهما، فأن النتاج الثقافي الجديد، والتعقيد المصاحب للشرح، كانا محصلتين ضروريتين للجو السياسي السائد وقتذاك، والذي كان يفرض نفسه داخل المقاهي. وحتى يواصل الشاعر وجمهور المتلقيين مهماتهم السياسية والثقافية، فأن شكل القصيدة ومحتواها اتخذا بنية تعقيدية متزايدة. وبهذا المعنى، فأن المقهى أصبحت مكون هام من مكونات المجتمع المدني العراقي، لأن دورها لم يكن مقتصرا، فقط، على تشجيع المعارضة السياسية ضد الدولة الملكية، وإنما ساهمت في الترويج لخطاب أدبي أتصف بالتنوع، وبتعددية طرق التعبير. لقد تحولت المقهى إلى فضاء عام، بامتياز، يتم داخله تناول quot;المنشورات السريةquot; المناوئة للدولة، ولهذا، فأنه ليس من باب المصادفات أن المشاركين في التظاهرات المعادية للحكومة، آنذاك، كانوا يتجمعون داخل مقاهي بعينها، استعدادا للمشاركة في التظاهرات السياسية العامة المناوئة للحكومة.(37)
إن المقاهي الأدبية ما كان لها أن تحصل على أهميتها الثقافية والسياسية خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لولا تعاظم دور الأنتليجسيا العراقية نفسها، والذي كانت تقف وراءه ثلاثة عوامل مترابطة. فكما أوضحنا في مكان سابق، فأن الانهيار في القطاع الزراعي، الذي قاد إلى نمو المناطق الحضرية; والتوسع الذي شهده قطاع التعليم; والزيادة في توظيف أصحاب الياقات البيضاء (موظفون حكوميون، معلمون، كتبة، وسواهم) ساهمت في زيادة طبقة الأفندية (38). وبمواجهة ما كان يحدث في البلد من عدم استقرار اقتصادي، ومتغيرات اجتماعية متسارعة، وشعور مهاجري الأرياف بأنهم يقفون على أرضية رخوة وغير مستقرة داخل المدن التي وفدوا إليها، وما كان يحتويه النظام السياسي القمعي من عمليات فساد، كل هذه العوامل دفعت الانتليجسيا العراقية، وقتذاك، أن تحتل دورا رياديا في عملية الاحتجاج الوطني. ورغم أن المؤسسة العسكرية هي التي أطاحت، في نهاية المطاف، بالنظام الملكي، إلا أن الانتليجيسيا هي التي ساهمت في زعزعة شرعية ذاك النظام وأضعاف سلطته وتعريته أمام الجميع. وسنرى أن التوسع الذي شهدته الانتليجيسا العراقية خلال الخمسينيات هو الذي أرسى، فيما بعد، الأسس للجهود التي بذلها حزب البعث في السبعينيات،لإعادة بناء ذاكرة سياسية واجتماعية، كجزء من مشروعه في إعادة كتابة التاريخ.

دور الصحف في نشر الوعي العام
إن عملية إضفاء طابع اجتماعي ذي بعد سياسي political socialization التي عرفتها المقاهي العراقية، لم تكن إلا جزء بسيط من الدور الذي قامت به الانتجليجيسا، باتجاه توسيع رقعة المجتمع المدني وتعرية سلطة الدولة الملكية، خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. والأداة الأخرى التي استخدمتها الانتليجيسيا للتأثير على المجتمع هي، الصحف التي زاد انتشارها، والتي كانت تحتوي على صفحات ثقافية وسياسية، ويشرف على تحريرها، في الغالب، كتاب قصص قصيرة وروائيون وشعراء. تلك الصحف عكست، أيضا، الصراع المتنامي والذي كان يدور حول تحديد مستقبل المجتمع السياسي العراقي. إن صحف مثل، صوت الأهالي الناطقة باسم الحزب الوطني الديمقراطي، والصحف الناطقة باسم الحزب الشيوعي، مثل القاعدة، وراية الشغيلة، وكفاح الشعب، ولاحقا صحيفة اتحاد الشعب، ( في بعض الحالات كانت هذه الصحف تمثل تيارات داخل الحزب)، هذه الصحف جميعها كانت تعكس وجهات النظر الوطنية العراقوية، بينما نجد أن صحيفة الاستقلال الناطقة باسم حزب الاستقلال، وصحيفتي حزب البعث، (الأفكار) و(الحرية) وصحيفة فرعية هي، (الأمل) بدأت بالصدور عام 1954، كانت كلها تمثل الفكر العروبوي الوحودي (39). وبسبب شحة نشر الكتب، نتيجة لمحدودية الإمكانيات المالية، فأن الصحف اضطلعت بدور حاسم، ليس في نشر الأفكار السياسية فحسب، وإنما في مجال النشر الأدبي. إن العدد الكبير من الصحف والمجلات التي ظهرت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كان مؤشرا إلى المستوى الذي بلغه النتاج الثقافي في المجتمع العراقي خلال تلك الفترة. ورغم أن زيادة الصحف والمجلات كانت، بدون شك، تتسم بالمبالغة، لأن بعض تلك الصحف يعاد صدورها بأسماء مختلفة، للتحايل على الرقابة والتملص من إجراءات المنع، فأن إصرار المثقفين الوطنيين على إعادة إصدار تلك الصحف، يعتبر دليلا على إصرارهم على إيصال ما كانوا يؤمنون بها من أفكار.

صحافة الحزب الشيوعي العراقي
لقد كان التنظيم السياسي الأكثر نشاطا في إصدار الصحف هو، الحزب الشيوعي العراقي. وكانت المنطقة الجنوبية من العراق هي المكان الذي حقق فيه هذا الحزب أعظم نجاحاته فيما يتعلق بإصدار الصحف، حيث أصدر مجموعة منها، موجهة لمناصريه التقليديين، ومنها صحيفة (صوت الكفاح) عام 1951، وصحيفة (اتحاد العمال)، وصحيفة (نضال الفلاح) عام 1952، التي كانت تهدف إلى تشكيل اتحاد الفلاحين. وبعد مرور عامين صدرت صحيفة (صوت الفرات). وكانت اثنتان من تلك الصحف قد واصلتا الصدور حتى شهر حزيران من عام 1958. وهاتان الصحيفتان، كلاهما، منعتا من الصدور في عهد قاسم، ولكنهما عاودتا الصدور، بطريقة سرية. وفي شهر نوفمبر 1962، استأنفت صحيفة (اتحاد العمال) صدورها، تحت اسم (وحدة العمال)، وفي كانون الثاني 1963 استأنفت صحيفة (صوت الفرات) صدورها. وإلى جانب ذلك، فأن الحزب الشيوعي أصدر بعض الصحف للدفاع عن حقوق المرأة، والطلبة، مثل صحيفة (حقوق المرأة)، و (كفاح الطلبة)، بالإضافة إلى صحيفتين باللغة الأرمنية لتمثيل الأقلية الأرمنية(40). وبفضل الإضرابات العديدة، وتظاهرات الطلبة، والتحديات الفلاحية ضد الامتيازات التي كان يحصل عليها ملاك الأرض، وهي فعاليات كانت كلها تحدث بتوجيه من الحزب الشيوعي، وفقا للمصادر البريطانية، فأن توزيع تلك الصحف ساعد الحزب الشيوعي في تعبئة الناس ضد الدولة الملكية.
لقد كان المثقفون نشيطين، أيضا، في مجال التنظيمات النقابية والمنظمات الثقافية. إذ كان المعلمون والمحامون والصحافيون والفنانون ينتمون إلى نقابات مهنية ويترددون على نوادي خاصة بهم، حيث يتسنى لهم الخوض في قضايا مهنية وثقافية وسياسية. وغالبا ما أصبحت هذه الأماكن بؤرا سياسية(1 4). وعلى المستوى الجامعي كانت توجد، أيضا، تنظيمات طلابية. و وبالإضافة إلى النقابات، وتكملة لها، تشكل العديد من الجمعيات الثقافية خلال فترة ما بعد الحرب، مثل جمعية الفن الحديث، وجمعية الكتاب العراقيين، ومجموعة المثقفين الشيوعيين الذين ارتبطوا بمجلة (الثقافة الجديدة)، التي صدر عددها الأول عام 1953.
وبالنظر إلى وجود مجموعة واسعة من المؤسسات والتنظيمات التي كانت الانتليجيسيا العراقية تنشط داخلها في فترة ما بعد الحرب، فأن هذه الانتليجيسيا اكتسبت أحساسا متزايدا بالهوية، وهو أمر عزز من تأثير نشاط أفرادها في الميادين الاجتماعية والسياسية. وهكذا، فأن (اتحاد العمال) المرتبط بالحزب الشيوعي العراقي، كان يطلق على المثقفين الراديكاليين تسمية quot;المثقفين الأحرارquot; أي المؤهلين للانضمام إلى تحالف العمال والفلاحين والجماهير الشعبية من أجل الإطاحة بالنظام الملكي القائم. وفي الواقع، فإن تخصيص جماعة من المثقفين وإطلاق تسمية quot;المثقفين الأحرارquot; عليهم يعتبر مؤشرا إلى أن قسما لا بأس به من أفراد الانتليجيسيا، كانوا قد تبنوا طائعين، فعلا، هوية مشتركة، تتجاوز كثيرا الأفراد.

مجلة الثقافة الجديدة باعتبارها موسوعة عراقية
وفي هذا الصدد، فأن مجلة (الثقافة الجديدة) القصيرة الأجل، والتي صدر منها عددان في 1953 و 1954 قبل أن تغلقها حكومة فاضل الجمالي، تحظى بأهمية خصوصية. ورغم أن هذه المجلة أصبحت، فيما بعد، تابعة للحزب الشيوعي، فأن قائمة الأسماء المؤسسين لها تعتبر موسوعة حقيقية،على غرار موسوعة who's who، للانتليجيسيا العراقية، كأسماء كتاب القصة القصيرة عبد الملك نوري، وفؤاد التكرلي، والشعراء بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وكاظم السماوي، والروائي غائب طعمة فرمان، والناقد محمد شرارة، والكاتب المسرحي يوسف العاني، بالإضافة إلى أساتذة الجامعة اليساريين، كفيصل السامر، وصلاح خالص، وإبراهيم كبة. إن تسمية quot;الثقافة الجديدةquot; التي أعطيت للمجلة، التي صدر عددها الأول في نوفمبر 1953، كانت بمثابة تعبير عن رغبة في إحداث قطيعة مع الماضي، مثلما عكست تلك التسمية إيمان مؤسسي المجلة بالدور المركزي الذي تنهض به الثقافة في إحداث التغيير السياسي والاجتماعي. وكان العدد الأول من المجلة قد تصدر صفحته الأولى شعار: quot;فكر علمي، وثقافة تقدميةquot;(42). ورغم أن تأكيد المجلة على نشر كتابات ذات قيمة معاصرة هو، بحد ذاته، أمر يستحق الإطراء، إلا أن السياسيين والمثقفين الوطنيين العراقويين لم ينجحوا في تجاوز تلك الصعوبة المزعجة، المتمثلة في ازدرائهم ورفضهم للماضي، وهو رفض انعكس في الإهمال المستمر لكل ما يمت بصلة إلى الثقافة العربية التقليدية. صحيح، إن مجلة الثقافة الجديدة لعبت دورا حاسما في تشكل الخطاب الثقافي، عندما عاودت الصدور بعد ثورة 14 تموز 1958، إلا أن هيئة تحريرها والمساهمين في الكتابة فيها ظلوا بعيدين تماما عن أدراك حقيقة أن التراث العربي كان أمرا مهما بالنسبة لكثير من العراقيين، خصوصا لأولاءك الناشطين السياسيين المنتمين للطبقة الوسطى.

فهد والجادرجي مثقفان عضويان بتعريف غرامشي
رغم أن مواقف الانتليجيسيا العراقية في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كان يغلب عليها التمرد ورفض النظام الاجتماعي والسياسي القائم، إلا أن من الصعوبة القول إن تلك الانتليجيسيا كانت تتألف من quot;مثقفين عضويينquot;، بالمعنى الذي يقصده غرامشي. وإحدى الصعوبات الكبرى التي وقفت عائقا أمام ظهور مثل هولاء المثقفين، تكمن في غياب ذاك النوع من المثقفين الذين هم مثقفون وسياسيون، في آن واحد، وبالتالي يملكون القدرة على أن يكونوا جسرا يربط بين الإبداع الثقافي وبين النشاط السياسي. لكن هذا لا يعني عدم وجود استثناءات مهمة. وأحدى تلك الاستثناءات كان قد جسدها القائد الشيوعي الشهير فهد ( يوسف سلمان يوسف)، الذي يعتبر أحد مؤسسي الحزب الشيوعي العراقي. إما الاستثناء الثاني فقد جسده كامل الجادرجي، أحد مؤسسي جماعة الأهالي، ومؤسس الحزب الوطني الديمقراطي. وما يثير الاهتمام، هنا، هو أن فهد والجادرجي كانا، كلاهما، يحملان خلفيات صحافية. فقد كانت بداية فهد في العمل الصحافي، في مدينة الناصرية، جنوب العراق، عندما كان يراسل صحيفة الحزب الوطني، الذي كان ظهوره قد سبق تأسيس الحزب الشيوعي. ورغم أن فهد قد فارق الحياة في عمر مبكر، بعد أن أعدم في شباط 1949، إلا أنه، مع ذلك، ترك وراءه كتابات معمقة حول قضايا سياسية واجتماعية. لقد كان فهد يملك حساسية خاصة إزاء التعددية الإثنية التي يتألف منها المجتمع العراقي، مثلما كان في طليعة الكتاب quot;الذكورquot; الذين دافعوا عن حقوق المرأة.(43)
إن أحد الجوانب المهمة في الميراث الثقافي الذي تركه فهد وراءه، لفترة الخمسينيات، كان يكمن في تبنيه وأشاعته لفكرة الجبهة الوطنية في الحياة السياسية العراقية، وهي فكرة تبنتها، بطريقة فعالة، الحركة الشيوعية في العراق قبل موت فهد، ولكن خصوصا بعد موته. ولكن، لأن الشيوعيين ما كان بمقدورهم المشاركة بشكل علني في الحياة السياسية، فقد تسنى للحزب الوطني الديمقراطي، تحت زعامة الجادرجي، أن يتسيد الجبهتين الوطنيتين اللتين ظهرتا إلى الوجود في الخمسينيات. الجبهة الأولى هي، الجبهة الانتخابية المتحدة، التي تشكلت لمواجهة انتخابات حزيران عام 1954. إما الجبهة الثانية فهي، جبهة الاتحاد الوطني التي تشكلت في شباط 1957، وكانت تهدف للتخلص من حكم نوري سعيد، وحل البرلمان، والانسحاب من حلف بغداد، ووضع العراق في طريق تبني سياسة الحياد الإيجابي، وإشاعة الحريات الديمقراطية، وإلغاء الأحكام العرفية، وإطلاق سراح جميع السجناء السياسيين (44).
إن المكانة البارزة جدا التي تبوأها الحزب الشيوعي العراقي عند نهاية الأربعينيات، إنما تحققت بفضل مهارات فهد التنظيمية، وبفضل جهوده التي لم تعرف الملل والكلل، في ميدان توسيع كوادر الحزب. وبعد إعدام فهد عام 1949، فأن ما من احد من الذين أعقبوه في قيادة الحزب، استطاع أن يعوض مكانته، سواء كمثقف، أو كقائد للحزب. وبسبب القمع البوليسي المستمر، وغياب قيادة مؤثرة، مثل قيادة فهد، فان الحزب الشيوعي تعرض إلى الانقسامات. وفي منتصف الخمسينيات كانت العديد من الانقسامات قد حدثت داخل الحزب، وأبرزها تنظيم القاعدة وتنظيم راية الشغيلة.
الناشط الثقافي والسياسي المهم الأخر، بالإضافة إلى فهد هو، كامل الجادرجي، مؤسس الحزب الوطني الديمقراطي. وبفضل الدوافع الإصلاحية عنده، اندفع الجادرجي، منذ سنوات شبابه الأولى نحو الحزب الوطني، ثم أرتبط لاحقا بجماعة الأهالي، وبعد ذلك اشترك في حكومة صدقي سليمان عام 1936. ورغم الفشل الذي أحاط بحكومة صدقي، إلا أن التزام الجادرجي بفكرة الإصلاح لم يتوقف، بل تعمق. وبسبب نشاطاته المتواصلة والهادفة إلى تحقيق المزيد من الانفتاح السياسي داخل المجتمع، ونتيجة لنشاطاته المستمرة والهادفة إلى إقامة مجتمع أكثر انفتاحا سياسيا، وتحقيق أكبر قدر من العدالة في توزيع الثروات فأن الجادرجي تعرض إلى السجن مرتين خلال فترة الخمسينيات.
وإلى جانب نشاطاته السياسية، كان الجادرجي مصورا فوتوغرافيا بارعا، وهذا ما تظهره مجموعة quot;مصورات الجادرجيquot; التي نشرها، بعد وفاته، نجله رفعت (45). وبالإضافة لذلك، كان الجادرجي مهتما بفن العمارة، وهو أمر بالإمكان التحقق منه عند معاينة بيته في بغداد. وفوق ذلك، فان الجادرجي كان مهتما بالأدب والفن وبالفلسفة السياسية الغربية. وقد عكست صحيفتا (الأهالي) و (صوت الأهالي) اللتان أصدرهما، اهتماما بالأدب الغربي وبالأدب السوفيتي، وأحيانا حتى على حساب إهمال الأدب العربي.
إنهم لقلة اولاءك المثقفون العراقيون الذين كانوا، في آن معا، ناشطين سياسيا ويملكون قوة تأثير. وأولاءك الأشخاص الذين استطاعوا أن يجمعوا بين هاتين الميزتين، مثل فهد والجادرجي، تعرضا لهجمات، ليس من قبل الدولة فقط، وإنما، أيضا، من جهات أخرى. وعلى سبيل المثال، فأن دائما ما تم الطعن بمصداقية الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي، بخصوص موقفيهما إزاء القضايا العربية، رغم أن أي تحليل دقيق لحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، يظهر مدى التعاطف الذي كان يكنه فهد والجادرجي لقضية الوحدة العربية.
وهنا علينا القول أن شكل ذاك التعاطف لم يتم على الطريقة الرومانتيكية، النوستالجية التي يمكن تعقب جذورها لدى الحصري، والسبعاوي، والصباغ. وبالنسبة إلى فهد، فأن موقفه الداعم للفلسطينيين العرب، لم يعتمد على الجانب العرقي، بقدر اعتماده على وجهة نظر الحزب الشيوعي العراقي إزاء الصهيونية، باعتبارها أداة بيد الامبريالية. وكان الحزب قد جسد هذا الموقف في مبادرته، عام 1946، عندما أسسquot;عصبة مكافحة الصهيونيةquot;، التي ضمت في صفوفها عرب ويهود، بالإضافة إلى مكونات عراقية أخرى. لكن، مع ذلك، فقد ظل موقف الحزب الشيوعي العراقي إزاء القومية nationalism مشوبا بالتوجس. ولم يدرك الحزب مواقفه الباهتة إزاء القضايا العربية الوحدوية، إلا عام 1957، عندما اشترك في جبهة الاتحاد الوطني. وقد رأينا لاحقا، كيف أن حزب البعث بذل جهودا جبارة لتشكل ذاكرة تاريخية على هواه، غرضها و محتواها الطعن في وطنية الحزب الشيوعي وإظهاره بمظهر المؤيد للصهيونية، مستفيدا من مسألتين هما، الالتباس الحاصل في موقف الحزب الشيوعي إزاء القضايا العربية الوحدوية، وعدم توقف الحزب الشيوعي من ضم يهود عراقيين إلى صفوفه نهاية الأربعينيات، بعد تأسيس إسرائيل. (46).
إما فيما يخص الجادرجي، فأنه عارض قيام دولة يهودية في فلسطين، ودعم بقوة الجهود الهادفة إلى تقوية جامعة الدول العربية (47). وقد كانت صحيفة (صوت الأهالي)، ومنذ وقت مبكر، أي في عام 1946، قد نشرت مجموعة من الافتتاحيات هاجمت فيها الضغوطات الانكلو- أميركية، الهادفة إلى تقسيم فلسطين وخلق دولة يهودية. وكان أعضاء من الحزب الوطني الديمقراطي قد انضموا إلى الجهود التي بذلتها أحزاب أخرى، خصوصا حزب الاستقلال، من أجل تشكيل لجنة quot;الدفاع عن فلسطينquot;، والتي شرعت بإرسال احتجاجات إلى السفارتين الأميركية والبريطانية، ثم دعت إلى قيام إضراب عام في مايس 1946، للتعبير عن غضب العراقيين، إزاء السياسة الغربية في فلسطين. وعندما اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، بادر الجادرجي إلى نشر افتتاحية على صدر الصفحة الأولى من صحيفة (صوت الأهالي)، بعنوان quot;فلسطينquot;، طالب فيها بدعم حيوي لحقوق الفلسطينيين، بما في ذلك التدخل العسكري من قبل الدول العربية (48).
ولعل الانجاز الأهم الذي حققه الجادرجي خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية هو، الجهد الذي بذله خلال فترة الخمسينيات، باتجاه توحيد مختلف الأحزاب والتنظيمات السياسية، داخل جبهة وطنية، لغرض التصدي للسياسات الديكتاتورية للدولة الملكية. وكان الجادرجي قد أدرك، بعد وثبة 1948 وانتفاضة 1952،بأن أي تغيير ذي أهمية لا يمكن أن ينجزه حزب واحد بمفرده. (49). ومنذ مساهمته في وقت مبكر، أي في عام 1946، لدعم جهود حزب الاستقلال في مناصرة القضية الفلسطينية، استمر الجادرجي في لعب أدوار محورية في كل مرة يصار فيها إلى إقامة جبهة وطنية، بما في ذلك الجبهة الوطنية الانتخابية التي شاركت في انتخابات حزيران 1954، وهي الانتخابات التي جرت، ولأول مرة في تاريخ العراق الحديث، ضمن أجواء، غلب عليها الطابع الديمقراطي (50). وكانت تلك الجبهة قد فازت بعشرة مقاعد من مجموع 135 مقعد، رغم المضايقات البوليسية التي كانت الجبهة تتعرض لها.
يتبع

اية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه