ونستكمل البحث في أفكار طارق رمضان، وحول من يساعدونه على الوصول إلى أهدافه في الغرب؛ ثم نختم بخلاصة عامة.

الثوابت
ما رأيه بشأن عدد من "الثوابت" التي يتمسك بها عادة الأصوليون والسلفيون؟
ـ الحجاب
يشرح يوسف القرضاوي، وهو من أكثر من ينقل عنهم طارق رمضان، موضوع الحجاب قائلا: "هذا الزي ينبغي ألا يماثل أزياء الكفار، اليهود والنصارى والمشركين. فمجرد النية بتقليد نسائهم حرام في الإسلام الذي يطلب من المسلمين الاختلاف عن الآخرين في الجوهر والشكل. ولهذا أمر بعمل عكس ما يفعله الكفار.
وهكذا نجد طارق رمضان يؤكد أنه "طبقا لإجماع العلماء، فإن الحجاب فرضٌ في الإسلام". ثم يضيف: "إن هذا لا يعني الإجبار على ارتدائه". أي هو الإجبار الاختياري إذا أردنا إقامة مجتمع "إسلامي حقيقي".nbsp; بمعنى أخر "لا إكراه في الدين" لكن الحجاب إجباري!
ويرى طارق أن الحجاب هو "علامة اعتزاز كان مفقودا" ويشجع النساء بشدة على "ألا يقبلن الاستفزاز" بل "أن يرتدين الحجاب ويمارسن حقوقهن بالشكوى في حالة أي مضايقة". ويقول "كلما زاد تواجدنا وكلما زاد تواجد المحجبات على المستوى الاجتماعي وقدرتهن على شرح مطالبهن، ومع تعود العقليات (الغربية) ستتغير الأمور".
هناك شيء واضح فهمه طارق تماما: وهو أن وجود نساء "ناشطات" يدافعن عن ارتداء الحجاب هو أكثر مصداقية من الرجال.

ـ العقوبات البدنية
يدين طارق رمضان "إساءة معاملة الزوجة"..... ولكنه لا يدين ضربها، لأن هذا حلال كما هو واضح في القرآن.
وفيما يتعلق بالرجم، فإنه يقترح "التجميد" أو التعليق، بما يعنى تردده في رفض هذه العقوبة الهمجية، مبررا تردده هذا برغبته في ألا يفقد مصداقيته بين الإسلاميين. [ومن المدهش أن نجد أن الفتاتين المراهقتين ليلى وعلما ليفي، اللتين اجتذبتا الميديا أثناء أزمة الحجاب في المدارس بفرنسا، واللتين تفتخران بسماع "كاسيتات" طارق، قد أصدرتا كتابا تدافعان فيه عن الرجم باعتباره "اختيارا حرا" (؟؟)].nbsp;
وبصفة عامة فهو يساند فرض قوانين تستند إلى الشريعة، ومن" يرفضون الشريعة المبنية على نصوص واضحة" هم بالنسبة له "قد خرجوا عن الدين، ولم يعودوا مسلمين".

ـ الردة
يؤنب طارق رمضان الحكومة المصرية لعدم احترامها "لحقوق الإنسان"، ولكنه لا يقبل أن تصل تلك الحقوق إلى حرية المسلم على تغيير دينه. إلا أنه أحيانا، في حالة "الزنقة"، يقول (متباهيا باعتباره تقدميا أمام الغربيين، وتفاديا لعمل مواجهة مباشرة مع القانون) أن "رأيي ـ الذي يمثل أقلية ـ هو الاعتراف بحق التغيير؛ لكن بشرط ألا يتسبب من يغير دينه في أذى لمن حوله.." (؟؟)

ـ الاقتصاد الإسلامي
يرى طارق رمضان أن "التنمية الاقتصادية هي عملية تمويه هدفها تأكيد هيمنة الغرب"، بينما يجد أن "الدين في حد ذاته هو عامل تنمية، ومن هنا ضرورة قيام اقتصاد إسلامي بديل ومستقل عن كل آليات الاقتصاد العالمي". فالهدف النهائي، إذن، ليس التقدم نحو تعايش مشترك بين أبناء وطن أو بين شعوب مختلفة، يتفاوض على شروطه الجميع ولمصلحة الجميع، بل العودة إلى نظام توتاليتاري يستند إلى النقاء الديني.

"نحن والآخرون"
فلسطين واليهود
لم يهتم طارق أبدا بموضوع فلسطين إلا مع تصاعد دور حماس (الإخوانية)، وبعدها أصبحت آراؤه ضد عرفات وعملية السلام متطابقة مع آراء حماس. وفي كتابه المشترك مع ألان جريش، يقول أنه بما أن تدمير دولة اسرائيل غير ممكن عمليا في الوقت الحالي، فهو يؤيد فكرة "الدولة الواحدة" لليهود والعرب... كخطوة على طريق الحل.nbsp;
أما بشأن اليهود، فإنه يلتزم بالموقف القرآني، ويرى أن "اليهود المستعدين للتحالف مع المسلمين" هم "أهل ذمة" وهم بالتالي مقبولون تماما. أما الباقون فهم أشرار وأعداء لا يستحقون سوى الكراهية.

مجابهات الحضارات
يقول طارق "أن الإسلام سيكون في المستقبل أحد قلاع المقاومة ضد الهيمنة الغربية"، رافضا إمكانية أن يكون الغرب ـ وبقية العالم ـ هو الذي أصبح مهددا بسبب "الصحوة الإسلامية" التي يبثها. وفي كتاب "مجابهات الحضارات" (لاحظ العنوان) يدعوnbsp; لعالمية (أو عولمة) الإسلام. وفي رأيه (في "كاسيت" "الإسلام والغرب") أن تزايد الانحلال في الغرب سيؤدي إلى انتصار الإسلام.
ثم يحاول كتابة التاريخ على مزاجه فيما يتعلق بتأثير الإسلام على الحضارة الغربية. قد يكون معه حق في أن الأندلس كانت مسرحا لتقليد ثقافي رائع، حيث اشترك مفكرون مسلمون في تكوين جزء من تراث أوروبا الحالي. لكن يصعب عليه قبول فكرة أن الاختلاط والتمازج لم يكونا من جانب واحد.
يرفض طارق أن يرى ابن رشد كعقلاني، بل إنه يشجب "تأثير الاستعمار الفكري عليه" (؟)؛ ويراه "كشخص حاول البقاء أمينا على جذوره عن طريق العقل". يقول هذا ناسيا بالطبع أن ابن رشد كان واحدا ممن دعوا لانعتاق الفن والفكر من التأثير الديني، وأنه، على أي حال، قد اضطُهِد بواسطة أصوليي عصره بسبب أفكاره وعقلانيته.
[وبمناسبة الكلام عن ابن رشد؛ وفي تعبير باهر عن القدرة على استخدام الرموز والمصطلحات بعكس ما تعنيه أو تشير إليه، فقد أسس "اتحاد مسلمي فرنسا"، الإخواني التوجه، ثانوية بإسم "مدرسة ابن رشد" في مدينة ليل بشمال فرنسا. وبما أنها مدرسة غير تابعة للدولة (وإن كانت تتلقى دعمها المادي)، فارتداء الحجاب مصرح به. وبالطبع فهو ليس إجباريا.... ولكن كل الطالبات يرتدينه "بمحض اختيارهن" (راجع لو فيجارو 19 سبتمبر].
ونلاحظ أن طارق كان قد دُعي من جامعة نوتر دام الكاثوليكية بالولايات المتحدة ليحاضر عن "دراسة الأديان، والصراعات وبناء السلام" بدءا من خريف 2004 وهذا من دلائل عجز الكثير من الغربيين في إدراك كنه خطابه. على أي حال، وكما أسلفنا، فقد قررت السلطات الأمريكية إلغاء تأشيرة دخوله. وقد جاءته تلك الدعوة من السماء، وبرغم رفض التأشيرة فهو يعيش على "سمعتها"؛ إذ كان قد بدأ يدرك الحاجة للابتعاد عن صورة الداعية الإسلامي ولتقديم نفسه "كمفكر أكاديمي وبروفيسور جامعي"، برغم أنه في الأصل مدرس بثانوية لاسوسور، ولا يقوم بأكثر من تدريس ساعة أسبوعية حول الدين الإسلامي كمحاضر خارجي بجامعة فريبورج.

الإسلاموفوبيا
يعتبر هذا التعبير من أعمدة الزوايا في خطاب طارق رمضان، كأداة تخويف رئيسية. وقد انتشر المصطلح بعد حادث سلمان رشدي (فتوى الخميني حول"آيات شيطانية" في مارس 1989) إذ أدرك الإسلاميون في بريطانيا أنه يجب تحويل الأمر من حرية تعبير مهدَّدَة إلى مسألة "عنصرية وعداء للإسلام". وفي 1997 نشرت جمعية "البرلمان الإسلامي لبريطانيا" ورقة تُعرّف فيها "الإسلاموفوبيا" على أنها أي هجوم ضد الرسول والقرآن "وكل انتقاد لأسس الإسلام الأخلاقية والاجتماعية"، بما في ذلك بالطبع القيود على المرأة أو العقوبات البدنية وغير ذلك. أي هي في الواقع تكبيل تام لكل فكر نقدي. وفي نفس السنة، اعتبر "مجلس أهل البيت العالمي" أن انتقاد حكم الطالبان هو اسلاموفوبيا!
وفي أبريل 1998 رحب طارق رمضان على صفحات مجلة "لوموند ديبلوماتيك" الفرنسية بتقرير وضعه جوردون جوناواي، من جامعة ساسيكس البريطانية، حول وسائل محاربة الإسلاموفوبيا، وبعدها جرى المصطلح على ألسنة الدوائر "التقدمية" في أوروبا. وعندما انتقد المؤلفُ الفرنسي "هولبيك" القرآن، رُفعت ضده قضايا بتهمة الإسلاموفوبيا (برغم أنه هاجم التوراة في نفس الوقت وبنفس الحدة). وبما أن القانون (في فرنسا وغيرها) يحظر التعبيرات العنصرية أو التي تحرض ضد مجموعات بعينها، ولا يجرم الهجوم على الأديان؛ فإن طارق رمضان، وسائر الإسلاميين، يحاولون اعتبار أن انتقاد الإسلام يساوي "التحريض ضد المسلمين" وبهذا يبررون رفع مثل هذه القضايا.
في 1998 عندما رفضت لجنة من خبراء الإسلاميات بجامعة فريبورج رسالته للدكتوراه، راح طارق يصرخ بأنه ضحية للإسلاموفوبيا. وبعدها نجح، نتيجة للإثارة التي قام به، في تكوين لجنة أخرى...
وبعد البرنامج التلفيزيوني العاصف الذي واجهه فيه الوزير ساركوزي، تساءلت نائبة سويسرية إذا ما كان لمثل هذا الشخص الجدلي مكانٌ كمحاضر في جامعة فريبورج العريقة، فسارع طارق برفع علم الاسلاموفوبيا مرة أخرى وراح يحرض الطلبة على توقيع العرائض المساندة له.
وهكذا، وعبر السنين، نجح في التخلص من كل نقد باعتباره ضحية وشهيدا،nbsp; لكنه يؤكد في نفس الوقت على ضرورة "الاستمرار في طريق الدعوة التي هي تراثنا (..) من أجل رفع الظلم" (؟).

الغرب: أرض المتواطئين
يعرف طارق رمضان تماما أن مستقبل "الإسلاميزم" هو في الغرب وليس في الشرق. ولذلك فقد أدرك أنه لا بد من خلق دوائر من المتعاونين والمتواطئين لمساندة مشروعه. يقول (في "كاسيت" "الإسلام والغرب": "يظن البعض أن نقيض التصادم هو التزاوج. كلا! نقيض التصادم هو المقاومة الفكرية بالتعاون مع العادلين والأمناء الذين يساندوننا". هو يعرف إذن أنه يحتاج لغربيين من كل الأطياف، بما فيهم ملحدين، لإنجاح جهاده ضد الغرب والتغريب. ويعرف أنه، كما حدث مع ثورة الخميني، هناك عدد كبير من الحلفاء في الغرب؛ وهم عادة من السذج أو المتواطئين الذين قد لا يعرفون الفرق بين الجماعات الإسلامية وجماعات المسلمين؛ والذين يمكنهم أن يساعدوه على إقامة جسور سياسية.
ولكنه حريص على أن يحدد استراتيجيته، إذ يقول في (في نفس "الكاسيت"): "يجب أن أشكل خطابا يتماشى مع الأذن التي تسمعني (..) ولكنه أمين نحو مرجعياتنا".
هو في نفس الوقت ديماجوجي ومعلم (بيداجوجي)، يعرف تماما كيفية الاستفادة من الميديا لإنجاح رسالته التي تهدف إلى جعل الإسلاميزم مقبولة. يقول أنه يبحث عن الصحفيين "الأمناء" (يعني المتعاطفين أو المتواطئين) ويعطي أمثلة لذلك بعض كتاب دورية "لو موند ديبلوماتيك" وبعض الصحفيين السويسريين ومراسلي وكالة الأنباء الفرنسية بمصر وكزافييه تيرنيسيان محرر شئون العلمانية والإسلام بجريدة "لوموند" الخ. أما الصحفيون الذين يجرؤون على انتقاده فهم "مزورون وغير أمناء".
وقد نجح، والحق يقال، بصورة باهرة في إقامة صداقات وصلات مع الكثيرين ومن أبرزهم "ألان جريش" رئيس تحرير "لو موند ديبلوماتيك"، وهو ابن هنري كوريل الزعيم الشيوعي المصري في الأربعينات الذي قتل في حادث غامض في 1978 . وجريش نفسه شيوعي، لم يكن يرى في الماضي أي عيب في الستالينية، ثم أصبح لا يرى أي مشكلة في الإسلاميين، بل يجد أن الزعم بخطورتهم يشبه "المزاعم الأمريكية في الخمسينيات حول الخطر الشيوعي، رغبة من الإدارات في الحفاظ على ميزانيات الدفاع الهائلة".
وهكذا يبدو أن هذا المثقف اليساري المعروف قد ترك توتاليتاريةً (ستالينية) ليتشبث بأهداب أخرى (إسلامية). وهكذا يتعاون الصديقان على الدعاية للإسلام السياسي في كتاب مشترك ("تساؤلات حول الإسلام")، وفي مقالات بالمجلة التي يرأس تحريرها جريش.nbsp; والملاحظ أن بعض الإسلاميين قد اختاروا التحالف مع أقصى اليمين بسبب عدائه المعروف لليهود. لكن طارق، ضمن آخرين، اختار اليسار لأنه في معظم دول الغرب المدخل للمثقفين والمفكرين، وخاصة المعادين للبرجوازية الغربية، أو للمسيحية، الذين يهمهم التعاون مع أمثال طارق في سبيل الأهداف المشتركة.

وفي اجتماع "للمنبر الاجتماعي الأوروبي" يقول أحد أتباع طارق موجها كلامه لبعض المناضلين" (اليساريين) المتخوفين: "أنكم تخطئون الهدف: يجب النضال ضد الرأسمالية وليس الإسلاميزم". وفي أثناء "معركة" القانون الفرنسي الذي يحظر ارتداء الشارات الدينية في المدارس الحكومية، نجح طارق وحلفاؤه، في اليسار واليسار الراديكالي المساند للإسلاميين، في الحصول على تأييد العديد من الجمعيات التي خرجت في مظاهرات عارمة تحت شعار موحد هو "مدرسة واحدة للجميع"؛ وهو شعار براق يجذب العلمانيين وغيرهم ولكنه يحوى فكرة أن من حق الفتيات المسلمات، في إطار "مدرسة واحدة للجميع"، ارتداء الحجاب.nbsp; بل نجح في تجميع عدد من المنظمات النسوية (المدافعة عن تحرر المرأة وحقوقها، بما في ذلك حق الإجهاض والشذوذ) في التظاهر دفاعا عن حق التحجب!!
بل نجد أنه نجح في استقطاب رجال دين كاثوليك وبروتستانت يرون فيه طرفا جديرا بالحوار، كما أنه يستغل أي مناسبة للقاء شخصية دينية غير إسلامية، بهدف تلميع صورته، وإبعادnbsp; الشكوك حوله. وتمثل دعوة كلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد له انتصارا لا شك فيه لقدرته على التلاعب وخداع مفكري الغرب.
ومن ناحية أخرى، هناك الكثيرون من رجال الحكم والمثقفين اليساريين اعتقدوا أن حل مشاكل الضواحي وتزايد الجريمة فيها، هو بإعطاء الوعاظ المسلمين دورا؛ لكن النتيجة كانت المزيد من الأصولية والتطرف. وفي هذا الإطار يقع قرار وزير الداخلية البريطاني بضم طارق إلى لجنة مكافحة الإرهاب، وإن كان البعض يرى فيه علامة للبراجماتية السياسية البريطانية. هل ستنجح هذه أمام دهاء "التقية" الذي يتقنه طارق رمضان وأمثاله؟؟

رفض العولمة أم رفض الغرب
موقف طارق رمضان من حركات "الضد عولمية" يقع موقع القلب في استراتيجيته حول دوائر المتعاونين والمتواطئين. لكن لا بد من إدراك أنه يحارب العولمة بهدف ضرب الغرب وتأثيره، مع إمكانية الاستفادة منها لنشر فكره الإسلامي، الذي يقدمه على أنه المعادل "للاهوت التحرير". ويتلاعب على حبال العداء ضد أمريكا والاستعمار الجديد والصهيونية، مع الاحتماء وراء الاتهام بالإسلاموفوبيا لكل من يجرؤ على انتقاده. وهو يحث منذ سنوات على الانخراط مع جماعات الضد عولمية في مظاهراتها اثناء اجتماعات الثمانية الكبار بهدف "الاستفادة منها في مساندة قضايانا"، مع التأكيد لزعماء الحركة على أنه "لا يوجد للحركة مستقبل بدون حوار ثري ومفتوح مع العالم الإسلامي".
وفي خطاباته المؤيدة لهم، يُلاحظ أنه لا يقف موقف معاداة ضد "الهيمنة التنميطية العالم" (وهي أحد العيوب التي تُتهم بها العولمة عادة) من حيث كونها "هيمنة"؛nbsp; بل فقط ضد التأثر الحضاري الغربي كمشروع يستند إلى العقلانية والتحديث. ذلك لأن طارق رمضان، في الحقيقة، يسعى نحو الهيمنة؛ بشرط أن تكون "إسلامية" وتنبذ العقلانية والتحديث.nbsp; وفي رفضه لكل ما يستند إلى الحضارة الغربية يستخدم تعبير "الاستعمار" (بعد عقود من انتهاء تلك الظاهرة!) كبديل لتعبير "التأثير" الذي يمكن أن يحدث على أي بلد إسلامي. ولا يتردد في القول بأن دساتير وقوانين العالم الإسلامي "يجب تطهيرها من كل تأثير غربي".
وهو يتلاعب كثيرا على عقدة الاستعمار والشعور الغربي بالذنب بشأنها، متناسيا بالطبع الاستعمار الإسلامي ومشاركة العرب النشطة في عمليات جلب العبيد.

الخلاصة
شهادات

يؤكد ألان شوييه، المدير السابق بالمخابرات الفرنسية، بصورة قاطعة أنه يستحيل إحداث تراجع في الأصولية والإرهاب دون مناهضة "سفير للإخوان مثل طارق رمضان"، ويقول: "إن وجود القاعدة ليس إلا حلقة قصيرة وأداة مؤقتة في الوجود الإخواني الذي قارب على قرن. الخطر الحقيقي يأتي من هذه الجماعة ومن يلتفون حولها. فالذئب يعرف جيدا التنكر في ثياب الجدة." ويقول تقرير اللجنة الدائمة للمخابرات البلجيكية لعام 2001 :"(...) نلاحظ أيضا أن الخطاب المعتدل الذي يقوله طارق رمضان علنا لا يتماشى مع ما يقوله في الأوساط الإسلامية الضيقة".
أنطوان صفير، الباحث العروف في الإسلاميات ورئيس تحرير "كراسات شرقية" التي تصدر في فرنسا، يصف طارق "بالخطيب المفوه، الأصولي الساحر، خبير ازدواج اللغة". وإن كان لا يصفه بالعنف، إلا أنه يضيف: "أعتبر اللاعنفيين هم الأكثر خطرا لأنهم، بالتحديد، يَظهرون كأنهم غير عدوانيين. فالإرهابيون نطاردهم، أما اللاعنفيون يبدون أكثر مدعاة للثقة. بل يمكنهم أحيانا المساعدة على الحد من مشاكل الضوحي، مما يسعد الشرطة التي لم يعد لها سلطة في تلك المناطق. بالنسبة لي، الإسلاميون هم مصدر الخطر الأكبر. كل هذه التيارات التي تدعو ضد الاندماج (في المجتمع) هي قنبلة موقوتة".
[رفع طارق عليه، وعلى مجلة "ليون ماج" التي نشرت كلامه، قضية قذف. وفي المرافعات التي بدأت في سبتمبر 2002 أتى كل جانب بمسانديه: ألان جريش وآخرون مع طارق، بينما جاء بجانب صفير، رشيد كاكي وعبد الرحمن دهمان (الذي وصف طارق بازدواج الشخصية) وصحيب بن شيخ. وفي مايو 2003 أبرأت المحكمة صفير وقررت أن طارق "يمكنه أن يؤثر على شباب الإسلاميين ويشكل عاملا تحريضيا قد يساعدهم على الالتحاق بمساندي أعمال العنف"].
يقول كَبير جُبيل، رئيس اتحاد المغاربة العلمانيين بفرنسا: "إنكار تنامي الإسلام في فرنسا عبر الثلاثين سنة الأخيرة يدل على فقدان الوعي أو الكذب (..). كمسلم أؤكد أن الإسلاميزم تولد الإرهاب، وأتحدى أي شخص يظهر لي العكس (..). إنكار هذه الحقيقة هو، قبل كل شيء، موقف معاد لغالبية المسلمين العاقلين الذين لا يساندون الجهاد، أو هو من قبيل التقية التي يتقنها الإسلاميون: شن الحرب مع التظاهر بدعم السلم".

حصان طروادة خطابي
تقول كارولين جروسيه، مؤلفة الكتاب الذي رجعنا إليه كمصدر رئيسي لهذه المقالات، في ختام كتابها، أنها بدأت رحلة البحث معتقدة أنه مجرد واعظ: تقدمي ومتشدد في نفس الوقت، لكن غير أصولى، بل ومستقل عن الفكر الإخواني كما يقول.
وتضيف: [لكن بعد شهور من فحص سجله، حاولتُ فيها مراجعة كتاباته (15 كتابا و1500 صفحة من المقالات والأحاديث بقلمه ومعه وعنه في الصحافة الأوروبية) وتسجيلاته الصوتية (حوالي مائة "كاسيت")؛ أصبحت أعتقد أنه محض منتج للأيديولوجية البناوية (نسبة للبنا) وأنه بدون شك من أشد رسلها خطرا والأكثر كفاءة. صعوبة اكتشاف أهدافه ليست مجرد نتيجة لتعقد خطابه بل هى حصان طروادة خطابي، تم تشييده بحذق شديد بهدف إرباك، ثم القضاء على، كل المعوقات. وبفضل أسلوب جدلي مزدوج المدخل يسمح بتفهم شيء على السطح وشيء مختلف من الداخل، فإن وريث البنا يحقق كل وعوده في نفس الوقت: فهو يثبط الحذر تجاه الإسلاميزم، وينجح في تشكيل "دوائر تعاون" (مع جهات متعددة، وأحيانا متناقضة)، ويُنَحي جانبا المسلمين الليبراليين ويحول الآخرين إلى راديكاليين].
وترى جروسيه: [من المحتمل أن بعض تيارات الإخوان قد لا تشارك تماما استراتيجية حفيد البنا، ولكن الباقين لديهم الحق تماما في وضع ثقتهم به (..) ومثل والده سعيد، أدرك طارق تماما أن مستقبل الإسلاميزم سيتحدد في الغرب. ولكنه يفوق والده في كونه مسلحا بالقدرة على اللعب على دخائل الديموقراطيات والاستفادة من أجواء حرية التعبير والسذاجة الغربية ليجعل من الغرب أرضا للدعوة والشهادة ... والانتقام].
[قد يبدو هذا الحلم مثيرا للدهشة ولكنه يسكن الوريث الذي يرسم عبر خطبه ومؤتمراته، الواحدة بعد الأخرى، ملامح "المجتمع المثالي" المبني على الفرد المسلم الملتزم بجذوره، والأسرة الإسلامية التقليدية، و"المجال الاجتماعي الإسلامي الخاص". ولكن طارق له أسلوبه الخاص في الوصول إلى ذلك الهدف؛ فمع التزامه الشديد بالاستراتيجية التي وضعها جده بخطواتها وإيقاعها، فإنه يوائمها بكفاءة مع الواقع. وهو لا يتطلع للاستيلاء على السلطة (..) بل إلى ثورة ثقافية عابرة للأمم! ولذا يقضي نصف جهده في إضعاف القوى التي تقاوم الإسلاميزم والنصف الآخر في إيقاظ المسلمين واستقطابهم، بينما تتسلط عليه دائما فكرة تنسيق جهود الإحياء الإسلامي (..) وزيادة تسارع المسيرة الظلامية التي بدأها البنا وسعيد رمضان].
تخلص جروسيه إلى أنه [في مجتمع طارق رمضان النموذجي سيكون للمرأة حقوق، وخاصة في الانخراط كناشطات متشددات... لمقاومة المطالبات بحقوق المرأة! وسيتم التشديد على "دعوتهن"nbsp; للتحجب. ستكون "شرطة النهي عن المنكر والحض على الفضيلة" مسئولة عن التأكد من حسن زي المواطنين ومنع الاختاط بين الجنسين. سيبث التلفزيون برامج تتفق مع الأهداف الإرشادية التعليمية للدولة (...) المدارس ستكون بالطبع إسلامية: في حصة الفلسفة سيتعلم الطلبة القرآن؛ ولا داعي للتأكيد على أنهم لن يسمعوا عن فولتير أو أي مفكر غربي، إلا إذا كان هذا بغرض شجبه. دروس التاريخ سوف تؤكد على العصر الذهبي للخلافة حيث عاش المسلون في سعادة تامة ونجحوا في كل غزواتهم. الاستعمار الغربي سيكون مسئولا عن كل المشاكل. ستكون هناك تعددية: إذ ستُتَخذ القرارات تحت إشراف العلماء المنتمين إلى كافة التيارات ... السلفية].

إن طارق رمضان، في النهاية، ليس عامل تواصل أو سلام أواندماج، بل راديكالية. وهو أكثر خطرا لأنه أصعب في تحليله والإمساك به. فالطبعة السويسرية، في الحقيقة، ليست أقل خطرا من الأصل المصري.

[email protected]